رأي

شعوذة

رشيد ( فوزي ) مصباح

**

(1)

– فتحت عيني في مجتمع يتبنّى الإسلام، لكنّه يتعاطى السّحر والشّعوذة؟ا.

لا داعي لاجترار نفس الكلام القديم، عن “ماهية السّحر وهل هو عند الضّرورة حلال أم حرام ؟…” وما إلى ذلك . ولكن حينما تقرأ أو تسمع عن أشخاص راقيين وأصحاب نفوذ كبار يتعاطونه فإنّك تقف موقف التلميذ الحائر في أمر سؤال بديهي أو تافه.

في إحدى دوّل أوروبا الشرقية، يعتبر السّحر مهنة مقنّنة وتجارة مربحة. وهو ما يخالف القوانين والأعراف الدوّلية كون هاته الدول عاشت في ظروف أنظمة شيوعيّة مستبدّة.

وفيما يتعلق بجرائم مثل الشعوذة والسّحر، وهي جرائم يصعب تعريفها بسبب ما تتّسم به من “لا منطقية”و “لا عقلانية” ، وفي غياب الأدلّة والبراهين، ولأن المشرّعين يرون أن مثل هذه المسائل الغيبية لا ينبغي معالجتها بالقوانين الجنائيّة وإنما يجب تناولها من خلال العمل الاجتماعي، برفع نسبة الوعي. وكما هي العادة دائما فإن الإعلام، الإعلام “الأصفر ” أو المأجور – كما يصقونه – بشقّيه المرئي والمسموع، والذي تحرّكه الأيادي الخفيّة التي تتحكّم في القرارات الرّسميّة للدّولة، تحاول في هذه الآونة تسليط الضّوء على بعض الجوانب الخفيّة، وعلى ما يجري داخل الغرف المظلمة، من أمور فضيعة تمسّ بفكر واقتصاد وكرامة الإنسان.

كثيرا ماترد كلمة” شعوذة ” مقرونة بالنّصب والاحتيال. وأما مدى تأثيره وخطورته، فلذلك علاقة بظروف وعقيدته ومستوى كل شخص، ومكانته الاجتماعية؛ الجهل والفقر من بين أهم الأسباب التي تدفع بالنّاس إلى تشجيع ظاهرة الشّعوذة والدّجل، وليس السّحر. لأنّ هذا الأخير شيء غيبي مرتبط بعالم الجن والشياطين، ولا نزيد عن ما ورد ذكره في السُنّة و القرآن.

أيضا من بين الظواهر التي تدلّ على الشّعوذة بأنواعها، ممارسة الطب بنوعيه، الشّعبي والبديل، وبطرق مشبوهة. مما يتسبّب في هلكة النّاس، بسبب الجهل والخرافة. وأذكر هنا أن أحد المعالجين في الشرق الجزائري تسبّب بجهله في قتل شابّة في مقتبل العمر بعدما وصف لها عشبة سامّة لعلاج سحر مزعوم.

كم هو عدد الرّقاة الذين صاروا يعالجون جميع الأمراض بما في ذلك المستعصية على الطب الحديث؟ا وكم هو عدد المحلاّت التي تبيع الأعشاب وأنواع الزّيوت، الصّالحة و المسمومة؟ا

شعوذة ا؟.

(2)

كما سبق وقلتُ في بداية الكلام: فتحتُ عينيّ قوجدتُ السّحر والشّعوذة ثقافة وممارسات، والناس من حولي يتصيّدون فرصة الحصول على ” تسريح” من السّاحر أو المشعوذ. ولأن الحياة رغم أنّهات كانت سهلة وبسيطة لكنها تفتقر إلى أدنى الوسائل المتوفّرة الآن في عصرنا الحالي. لذلك وجد هؤلاء المجرمون الأشرار من سحرة ومشعوذين محتالين طريقهم إلى عقول وجيوب النّاس فنخروها بدجلهم وألاعيبهم.

والتّسريح كلمة سرٍّ لدى هؤلاء الدجّالين، يقيسون بها درجة ولاء، والطّاعة العمياء، من تدفع بهم ظروف الحياة؛ من جهل وفقر وقلّة حيلة، إلى طرق أبوابهم، والتّسليم بأمرهم، والاستئناس بقربهم. وكان بعض من السذّج ينظرون إلى هذه الحثالة من الأشرار على أنّهم من أولياء الله الصّالحين. وما زاد في غفلتهم هو ارتباطهم بتلك الطّقوس التي تُسمّى “الثّلمود” بتشديد الثّاء؛ وهي ظاهرة لم نجد لها تفسيرا سوى بما يفعله بعض الدّراويش في هرطقاتهم.ففي كل موسم “ثلمود” يخرج علينا جماعة من الدّراوشة، ببرانيسهم القديمة وقشاشيبهم المهترئة يرفعون أعلامهم، من الأقمشة ذات اللّون الأخضر، يضربون على الدفّ ويتسوّلون النّاس يسألونهم ما يمكن حمله أو جمعه من أموال ” الزّكاة ” أو لباس أو دقيق… أو أيّ شيء آخر ذا قيمة أو صالحا للأكل بغرض إقامة ” الزّردة” تكريما لوليّهم المزعوم. وهناك، في تلك المناطق النّائية والمعزولة عن العالم، يحدث ما يحدث من بذخ وترف وفجور. وفي ظلّ هذه الأجواء العفنة، والنّاس في حالة هرج ومجون، يتصارعون على قصع الكسكسي وهبَرات اللّحوم. وليس ببعيد عنهم “أحمق دجّال” يُصارع مذرة أو قطعة حادّة يحاول بعج بطنه أو قطع لسانه من أجل يأتيهم ببرهان. وهم في غفلتهم “ساهدون”يتابعون المشهد ” الهيتشكوكي” بدهشة ويصرخون:

” مَسلْمين ومكَتْفين اا” “الشيء لله”: بمعنى الأمر لله. و(لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْد) -الآية الكريمة-.

من هذا المحفل ” الماسوني” استمدّ السّاحر أوالمشعوذ سلطانه، وقد رآه النّاس يفعل كذا وكذا وليس من سمع كمن رأى. فما على البقيّة إلاّ الطّاعة والتّصديق بالمعجزة والكرامات التي جرت على أيدي هؤلاء المجرمين. ومن يستطيع أن يشكّك في أمر هؤلاء ” الخبثاء”، فكأنّما يُشكّك في الولي الصّالح ذاته؟ ومن يجرؤ على التشكيك في نزاهة وقداسة أولياء الله الصالحي؟ سوى ملحد أو فاقد لعقله.

بعدما كبرنا وتوفّرت لدينا وسيلة المعرفة محرّكات بحث “قوقل” وغيرها… – جازى الله(سيرجي برين) و (لاري بايج) على مجهودهما الطيّب. فلولا أمثال هؤلاء ما كنّا نعرف أنّ الثّلمود من دسائس: (أولئك الذين إذا كان فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجداً، ثم صوروا تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة)- الحديث الشّريف -.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إغلاق
إغلاق