في الواجهة

سباق لقاح كورونا إلى أين ؟

شيرين عبد الله

قبل سنة من الان كان احتمال نشوء جائحة عالمية من التخمينات البعيدة والفرضية. اليوم ، وعند كتابة هذا المقال ، وحسب الاخبار، اصابت جائحة كوفيد- 19 لحد الان اكثر من 29 مليون انسان واودت بحياة ما يزيد عن890 الف من البشر في جميع انحاء العالم. الان، تنتظر البشرية كلها وبشوق خبر ايجاد لقاح فعال ضد هذا الفايروس الجائحة. اللقاح الفعال لايقلل فقط من مخاطر المرض، بل سيكون مبعث امل للبشرية كي تنعم بالامان والسلامة مجددا بدون الحاجة الى الكمامة والتباعد وتعود الحياة الى طبيعتها.
ما من شك في اننا بحاجة الى لقاح لدرء مخاطر وباء فايروس كورونا، ويجري حاليا سباق كبير بين الدول الكبرى ومعامل الادوية العالمية لهذا الغرض. القوى الكبرى في العالم والتي تمتلك غالبية شركات الادوية، يريدوننا ان ندرك اهمية هذا السباق، فقد سمى فلاديمير بوتين العملية الجارية في روسيا ب “سبوتنيك 5” تذكيرا لنا بايام سباق التسلح الفضائي في الماضي، واطلق دونالد ترامب من جانبه على جهود بلاده اسم “عملية وارب سبيد” (1 وارب سبيد مساوي لسرعة الضوء- كانت سرعة انطلاق المركبات الفضائية في المسلسل التلفزيوني ستار تريك تشار اليها ب “وارب سبيد 1، 2، 3…!)

بالنسبة لكوفيد- 19 الفايروس واللقاح كلاهما جديدان ولا احد يدري الى الان ماذا ستكون نتائج التجارب على البشر.

حصلت خلال العشر سنوات الماضية ثورة هائلة في مجال تكنولوجيا الجينات مما ادى الى تقليص مدة ايجاد اللقاح من 10-20 سنة الى اسابيع او اشهر. حاليا فان اكثر من 170 فريق طبي منهمك في اكتشاف وصنع لقاح لجائحة كوفيد- 19. معظم هذه الفرق تعتمد التكنولوجيا الحديثة للجينات بدلا من عمليات صنع اللقاح التقليدية والتي كانت تعتمد فايروسات مضعفة او معطلة من اجل تحفيز الجهاز المناعي ضد الفايروس لدى الانسان. لحد الان لم يتم ترخيص اي من هذه اللقاحات للاستعمال على نطاق واسع ولكن 9 منها قد وصلت الى المرحلة الثالثة من التجارب السريرية.
ان هذا السباق وقبل ان يكون بهدف انقاذ البشرية والحد من مخاطر الفايروس الجائحة على حياة البشر وتقليل اعداد الضحايا، يستهدف جني المزيد من الارباح لصالح شركات وكارتيلات الادوية الكبرى وتراكم الراسمال، ومن منظور ضيق للسلطات، فان كل من يجد اللقاح اولا ويحصل على الترخيص العام، سوف يكتب له في التاريخ انجازا و حقوق ملكية ومونوبولي السوق و لابد سوف يفوز بالانتخابات ويثبت دوره كقوة عظمى في العالم… الخ
ان التسابق في هذا المجال وعدم الاكتراث بالتنسيق الدولي وضيق تفكير “القومية اللقاحية”، سوف لاينفع احدا سوى كارتيلات صنع الادوية العملاقة والدول الكبرى وسوف يضاعف عدة مرات من حدة اللامساواة التي يتغذى عليه كوفيد- 19. الفئات الاجتماعية الاكثر تضررا ومعاناة بسبب الفايروس سواء من الناحية الصحية او الاقتصادية اوالاجتماعية ، سوف تتضاعف وتتعمق مأسيها مرات ومرات.

المواصفات وتجاهلها:
هناك مواصفات عالمية للقاح:
– ان يكون فعالا بنسبة 50% او اكثر (الحد الادنى 30%)
– ان يكون ممكنا انتاجه بكميات كبيرة وبسرعة
– تخضع اللقاحات لمعايير سلامة اعلى من الادوية الاخرى كونها تعطى لاعداد كبيرة من الاناس الاصحاء

احد مخاطر هذا التسابق هو القفز على هذه المعايير والذي قد يؤدي الى انتاج لقاح ضعيف وعديم الفعالية او حتى مضر.
لاشك ان لقاحا ضعيفا سوف يجعل الجائحة اسوأ، فبالاضافة الى عدم تحفيز مناعة الجسم للمرض، فانه قد يخلق شعورا وهميا بالسلامة لدى الناس وكذلك السلطات ما يؤدي الى استرخاء التدابير الوقائية ، من غسل الايدي والتباعد واستعمال الكمامات والكفوف.. الخ. كل ذلك قد يضعف من ثقة الجماهير ، ليس بالسلطات فقط ، بل بالعلم والنظام العلمي واخذ الحذر من استلام اللقاح، بالاضافة الى تبذير الكثير من الجهود وكميات هائلة من الموارد مثل الابر والسرنجات…الخ وذلك بسبب صنع وتوزيع لقاح فاشل. انعدام الثقة هذا بدوره سوف يعرقل السيطرة على الفايروس، وهذا مايزيد مجددا من مأسي ومعاناة الفقراء والمعدمين والفئات المهمشة في المجتمع والتي كانت منذ البداية ولحد الان الضحايا الرئيسية لهذه الجائحة.

هناك امثلة عديدة لكوارث لقاحية يمكن اخذ العبر منها:
– في 1942 اختلط لقاح الحمى الصفراء مع التهاب الكبد الفايروسي وتم تلقيح 300 الف جندي امريكي باللقاح الذي ادى الى وفاة 150 منهم.
– كذلك في 1955 وقعت حادثة كتر، حيث لم تقم الشركة المصنعة للقاح شلل الاطفال (مختبرات كتر) باضعاف الفايروس تماما وكان ان تسبب هذا اللقاح المختل باصابة 40 الف انسانا بمرض شلل الاطفال، 260 منهم اصبح مشلولا وقتل 10 اشخاص. هذه المعلومات مدونة في الكتاب الشهير لستانلي بلوتكين (لقاحات بلوتكين).
حتى بعد اعطاء الرخصة والاستعمال العام، تضل اللقاحات تحت المراقبة، لان التجارب لايمكنها كشف كل الاثار الجانبية وخاصة آثار البعيدة المدى. في 1999 تم سحب لقاح روتا فايروس (مرض معدي واسع الانتشار يسبب الاسهال بين الاطفال) من الاسواق بعد ان اصاب عدد من الاطفال بانسداد الامعاء.

القومية اللقاحية
تفيد التقارير الخبرية بان مفوضية الاتحاد الاوربي قامت في 31 تموز من هذا العام بابرام عقود مع عدد من شركات الادوية لتامين 300 مليون جرعة من لقاح فايروس كوفيد19 ، بالرغم من انه لايعلم احد لحد الان بان اي من هذه اللقاحات فعالة ام لا. بنفس الطريقة قامت كل من امريكا وبريطانيا بحجز ملايين الجرعات من لقاح كورونا لصالح مواطنيها منذ الان. وذلك بهدف اطمئنان الجماهيروانعاش اقتصاد بلادهم وربما ياملون بهذا ان تنسى جماهير بلدانهم التقصير والاخطاء التي ارتكبوها في بدايات تفشي الجائحة.
ليست قومية اللقاح مسيئة فقط من الناحية المعنوية، بل هي بالعكس مسيئة من ناحية كل الاتفاقيات الدولية ومعايير حقوق الانسان ايضا.
بحسب التقارير الخبرية، فانه على الاقل في المراحل البدائية ستكون هناك محدودية في توفر اللقاح وامكانية انتاجه، ومن المرجح ان تستغرق عملية الانتاج على نطاق واسع وتوزيعه على كل البلدان عدة اشهر او اكثر. وهذا مما يعني بان اي كمية تنتج سوف تكون من حصة البلدان التي اقتنته مسبقا.
وكما ان البلدان الاخرى التي ليس لها نظام صحي عام متماسك وقوي، في نفس الوقت ليس لها نظام جيد للنقل والتوزيع والخزن.. وهذا مايعرقل الحصول على اللقاح اكثر في وقت يستمر الفايروس بالانتشار،مما يؤدي الى تعميق المأسي الصحية والاقتصادية والاجتماعية لهذه البلدان.
من دون التنسيق العالمي، فان السباق المستمر سيضمن ابقاء اسعار اللقاح ومستلزماتها باعلى حد، لصالح شركات الادوية والدول الكبرى مجددا.

اخفاء المعلومات العلمية ونتائج الابحاث:
من المعلوم انه قبل عدة قرون، وأثناءانتشار وباء الطاعون، لم يكن تبادل المعلومات شيئا سهلا. اليوم، لاتوجد لدينا نفس هذه العوائق، ولكن لدينا عوائق من نوع اخر، وهي العقود والاتفاقيات والشروط التجارية. تجني الشركات الكبرى ارباحا خيالية من جراء اخفائهم لنتائج الابحاث والتجارب وسيطرتهم عليها لصالحهم ومن اجل ضمان المزيد من الارباح وتراكم راسمالهم وتثبيت مواطئ اقدامهم في السوق العالمية.
ان عدم تبادل المعلومات والاستحواذ على نتائج التجارب والبحوث العلمية في وقت ينتشر فيه الفايروس بشدة، يتسبب مرة اخرى في ازديد الاصابات والوفيات بين نفس الفئات الاجتماعية التي كانت منذ البداية ولحد الان الضحية الاولى والاكثر تضررا بمعاناتهم الصحية والاقتصادية والاجتماعية…

***
جائحة كوفيد- 19 العالمية ، حالها حال كل الاوبئة الاخرى في التاريخ ،تعتاش وتنتعش في ضل اللامساواة وتُستغل بانتهازنقاط الضعف في المجتمع. ويقوم النظام الراسمالي باستمرار، باعادة انتاج هذه اللامساواة باشكالها، وانه في ضل هذا النظام، يزداد يوما بعد يوم احتمال التعرض لاوبئة وكوارث كبرى مثل كوفيد- 19 وربما أسوأ. من المحتمل ان ينجينا لقاح ما من هذا الوباء، او على الاقل يخفف من نتائجه الكارثية على البشرية، ولكن اثار كوفيد وجرائم النظام الراسمالي وعدم اكتراثه بصحة وسلامة ومعيشة البشر ستستمر.
ان البشرية لاتستحق هذه الكارثة، ويجب ان تكون الصحة والامان والحياة الرغيدة هي الواقع للحياة اليومية للناس، وهذا لايتم الا بانهاء النظام الراسمالي.
6.9.2020

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إغلاق
إغلاق