رأي

دستور الفاتح نوفمبر، استجابة لمطالب الحراك وإشراك للمجتمع المدني في تسيير الشأن العام.

اكدا الدكتور سالم أقاري أستاذ بقسم العلوم السياسية المدير المساعد للدراسات بمعهد الحقوف والعلوم السياسية  على ان الدستور المنتظر الاستفتاء عليه في الفاتح من نوفمبر لابد أن نتمعن في مدى استجابته للمطالب المرفوعة من خلال حراك 22 فبراير 2019 باعتباره مخرجات النظام السياسي اتجاه هذه المطالب وعموم المطالب تمثلت في التداول على السلطة وعدم الاستئثار بها من خلال رفض العهدة الخامسة واستجابة الدستور الجديد واضحة في هذه النقطة من خلال تكريس مبدأ التداول على سلطة  من خلال المادة (88) التي تحدد مدة العهدة الرئاسية ب 5 سنوات لا يمكن لأحد ممارسة أكثر من عهدتين متصلتين أو منفصلتين، وكمحافظة على هذا المكسب أدرجت هذه النقطة ضمن الأمور التي لا يمكن أن يمسها أي تعديل دستوري حسب المادة (223) وفق النقطة العاشرة والتي تنص عدم جواز تولي أكثر من عهدتين رئاسيتين متتاليتين أو منفصلتين ومدة كل عهدة خمس (05) سنوات.
وكذلك التداول على مستوى البرلمان مكفول من خلال تحديد العهدات بنفس الشكل بحيث تنص المادة  (122) أنه لا يمكن لأحد ممارسة أكثر من عهدتين منفصلتين أو متصلتين، وهو ما سيسمح بتشجيع مشاركة الشباب في الحياة السياسية والتداول على المناصب التمثيلية في غرف البرلمان وعلى رأس الأحزاب السياسية، وهو ما سيضفي التنافسية وتجديد النفس السياسي.
كما أن من ضمن المطالب الجوهرية للحراك المبادرك، مكافحة الفساد واستغلال النفوذ والتلاعب بالمال العام وفي الدستور المنتظر استجابة في هذا الخصوص تعكس الإرادة السياسية لمكافحة الفساد من خلال دسترة السلطة العليا للشفافية والوقاية من الفساد ومكافحته وفق المادة (205) من الوثيقة النهائية للدستور. اما من جانب الحديث على دسترة المجتمع المدني ضمن الوثيقة الدستورية الجديدة فإن أحدث المقاربات في تسيير الشأن العمومي ( مقاربة القطاع الثالث، المقاربة التساهمية، المقاربة التشاركية، المقاربة الجوارية، المقاربة التصاعدية) كلها تؤكد على أهمية دور المجتمع المدني كشريك للقطاع الحكومي والقطاع الخاص في تسيير الشأن العام.فالمجتمع المدني هو مجموعة التنظمات التطوعية المستقلة عن الدولة، وبمعنى أخر هو حلقة الوصل بين المواطن والسلطة، ولا يمكن الحديث عن المجتمع المدني في غير الدول الديمقراطية، بل هو الأساس في التحولات التي شهدتها دول العالم من دول تسلطية إلى دول ديمقراطية قائمة على التعددية السياسية والمنافسة الحزبية، وفق ما أسماه صامويل هنتغتون بالموجة الثالثة للديمقراطية. ومن منطلق هذه الأهمية وبالحديث عن المجتمع المدني في الجزائر فإننا لا ننكر أنه حديث النشأة وقيد التكوين  إذا ما ربطناه بأول دستور ديمقراطي شهته الجزائر سنة 1989، لكن لا شك أن المجتمع المدني في الجزائر، وخاصة في ظل أزمة كوفيد 19 من خلال تحمله لمسؤلياته إلى جانب الدولة في التصدي لهذه الجائحة، وإظهاره لقدرة تنظيمية وفعالية في التأثير والتنظيم على الوعي المجتمعي وتخفيف الأعباء على الدولة، ولا أدل على ذلك من القناعة التي ترسخت من خلال الوثيقة النهائية للدستور في تسهيل إنشاء الجمعيات التي هي المكون الأساسي للمجتمع المدني بمقتضى المادة: (53) (54 سابقا) والتي استحدث فيها حق إنشاء الجمعيات مضمون، ويمارس بمجرد التصريح وكذلك تشجع الدولة الجمعيات ذات النفع العام ولا تحل الجمعيات إلا بمقتضى قرار قضائي مما يكفل الحماية القانونية لمكونات المجتمع المدني.ومن ضمن ما ورد في الوثيقة بخصوص المجتمع المدني  نجد الاعتراف للمجتمع المدني بالدور التشاركي في تسيير الشأن العام بحيث ورد في الديباجة: ” ويعتزم أن يبنى بهذا الدستور مؤسسات، أساسها مشاركة كل المواطنين، والمجتمع المدني، بما فيه الجالية الجزائرية في الخارج، في تسيير الشؤون العمومية، كما أكد ذلك من خلال المادة (10 من الفصل الثاني) والتي ورد فيها: “تسعى الدولة إلى تفعيل دور المجتمع المدني للمشاركة في تسيير الشؤون العمومية” وإعطاء صفة الشريك للمجتمع المدني إلى جانب الجماعات المحلية في إرساء الديمقراطية التشاركية من خلال المادة (15): والتي ورد فيها: تشجع الدولة الديمقراطية التشاركية على مستوى الجماعات المحلية، لا سيما من خلال المجتمع المدني.هذا بالإضافة إلى الاعتراف للمجتمع المدني بالدور الاستشاري وذلك من خلال مأسسته على شكل هيئة استشارية لدى رئيس الجمهورية منصوص عليها دستوريا من خلال المادة (213) وهي مادة جديدة تنص على إنشاء المرصد الوطني للمجتمع المدني، الذي سيكون له دور في تقديم أراء وتوصيات متعلقة بانشغالات المجتمع المدني، وكذلك المساهمة في ترقية القيم الوطنية والممارسة الديمقراطية.وإلى جانب الدور الاستشاري يعترف الدستور الجديد الاعتراف للمجتمع المدني بالدور الرقابي وقد تمت الإشارة إلى هذه النقطة في المادة 205 (203 سابقا) والخاصة بالسلطة العليا للشفافية والوقاية من الفساد ومكافحته بحيث ورد ضمن مهامها المساهمة في تدعيم قدرة المجتمع المدني والفاعلين الأخرين في مجال مكافحة الفساد، وعليه لابد للمجتمع المدني أن يلعب دور في المتابعة والتقييم للمشاريع تسيير الشأن العام قصد إضفاء الشفافية ومكافحة الفساد.
وفي الختام مقابل هذا التمكين الدستوري من خلال هذه الوثيقة للمجتمع المدني لابد أن نتسأل حول الأدوار التي يمكن للمجتمع المدني ممارستها حتى يكون في مستوى هذا التمكين الدستوري، وهنا أجيب بالمقاييس التي وضعها صامويل هنتغتون كمعيار لمدى فعالية المجتمع المدني وأولها القدرة على التكيف مقابل الجمود: لابد للمجتمع المدني أن يقدر على التكييف مع التطورات التي حصلت في المجتمع الجزائري منذ 22 فبراير 2019 وكذلك التطورات الدستورية المستجدة من خلال هذه الوثيقة حتى يصبح فاعلا وكذلك الاستقلال في مقابل الخضوع والتبعية لابد أن يضفر المجتمع المدني باستقلاليته ولا يكون تابع لسلطة ما أو لجماعة معينة حتى يخدم المصلحة العامة ويضطلع بالأدوار المخولة له دستوريا في هذه.
 ر.م

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إغلاق
إغلاق