ثقافة

حكاية قطار

كان يا ما كان قطار الشرق السريع

صادق أبو حامد
منقول
في الحيز الجامع بين الصناعة والسياسة والثقافة ولدت أسطورة «قطار الشرق السريع»، وفي الحيز ذاته اجتمعت خبرات معهد العالم العربي في باريس بالتراث الصناعي للشركة الوطنية للسكك الحديدية الفرنسية SNCF، ليولد معرض «كان يا ما كان.. قطار الشرق السريع» Il était une fois l’Orient Express. المعرض الذي تصفه الصحافة في فرنسا بالتظاهرة الثقافية، وتشهد طوابير زواره على حجم نجاحه، تتوزع جاذبيته بين قدرته على فتح نوافذ الخيال، ولمس وتر الحنين إلى الماضي، والفضول لاكتشاف القيمة التاريخية للقطار، وللأحداث العظام التي تلاحقت مع دوران عجلاته بين حربين عالميتين واختفاء إمبراطوريات وظهور دول وتبدل حدود. أحداث قاومها القطار طويلاً قبل أن تحكم عليه بالتوقف عام 1977.
استحضار أرواح المسافرين في عربات التراث
«كان يا مكان .. قطار الشرق السريع» يأخذك من لحظتك ليعيدك في الزمان لأكثر من مئة وثلاثين سنة، وينقلك في المكان من ضفة نهر السين إلى اسطنبول وبغداد وطرابلس وحيفا والقاهرة، بعد أن يمر بمدن وعواصم في أوروبا الغربية والشرقية. ساحة المعهد التي تحولت إلى محطة قطار، بكوّة للتذاكر على النمط القديم، وثلاث عربات للمسافرين، وعربة مطعم، جميعها مصنفة في قائمة التراث التاريخي الفرنسي. بينما تصدّرت المشهد عند مدخل الساحة قاطرة سوداء، يصفر حديدها الذكي بالبخار، بالطاقة التي رفعت يوماً راية التطور والتكنولوجيا، وضخّت في الحضارة الغربية دماء السرعة وامتلاك الجغرافيا.
يكفي أن تدخل عربات القطار، التي تمثل القسم الأول من المعرض، حتى تشعر بأنك تمشي على نبض التاريخ. قطار الشرق في المحطة، والمسافرون هبطوا لبعض الوقت تاركين أوراقهم وجرائدهم وحقائبهم وحتى كؤوس شرابهم. هنا كانت تسرّح المطربة أسمهان شعر جمالها قبل أن تهبط تاركة أغنيتها طازجة، وهنا كان بيير لوتي Pierre Loti يحمل أحلامه بشمس الشرق، ويمضي هذا الكاتب وضابط البحرية ليستقر في اسطنبول، لتصبح سيرته ومؤلفاته جزءاً من تراث مدينة على مزاجها تتشكل الجغرافيا، فتجمع بين آسيا وأوروبا إن أرادت، وتفصل بين الشرق والغرب حين تشاء. وهنا تمددت أغاثا كريستي Agatha Christie فاتحة لموهبتها البوليسية بوابة الخيال، قبل أن تجلس أمام آلتها الكاتبة، وتدق بأنامل حاذقة روايتها «جريمة في قطار الشرق السريع»، ثم ترحل تاركة جثة الجريمة على مقعد الرحلة.
تجتمع أرواح الماضي في عربات القطار لتدلّك على تفاصيل الذوق الرفيع. فقطار الشرق الذي ما زال يعتبر صرعة في سياحة الأثرياء لم تترك زاوية منه إلا وحملت عبقرية الديكور، ورقة الرفاهية. رفاهية تظهر في الستائر والموائد والكراسي والسجاد، في المطعم المهتز فوق نغمات البيانو، وفي الحجرات الصغيرة المجهزة بأسرّة تبعد عن أحلام النائم طرق الحديد المتحرك.
من السكك الحديدية
إلى الوثيقة التاريخية
غير أن الأجواء المشحونة بالحكايات في عربات القطار، لا تكتمل إلا بمشاهدة القسم الثاني من المعرض داخل مبنى المعهد. أول ما تقدمه القاعة هو النماذج الأولى لدخول القطار إلى الطبيعة المرسومة مع لوحات لهنري أوتمان Henri Ottmann وأندريه دوران André Derain مطلع القرن العشرين، بينما علّقت على جدران أخرى شاشات عرض لمقاطع سينمائية من أفلام شغلها القطار السريع، وأولها الفيلم الذي قدّم رواية كريستي وحمل الاسم ذاته للمخرج سيدني لوميت Sidney Lumet عام 1974، ومقاطع فيديو للمشاهد الطبيعية التي كان يمر بها القطار، ورسوم متحركة تشرح خريطة سككه المنتشرة عبر أوروبا.
قاعة القسم الثاني تتكفل بمهمة إشباع الفضول حول هذا القطار من خلال المجسمات، والأثاث، واللوحات، الصور الفوتوغرافية. وثائق لا تتطلب منك سوى أن ترتبها في صندوق خيالك لتعيد إنتاج لحظة القطار اعتباراً من نهايات القرن التاسع عشر. في هذه القاعة تقرأ وتشاهد حكاية القطار. كيف نشأ، واشتهر، وتمددت أطرافه حتى بلغت امتداداته مدن المشرق العربي: بغداد وحلب وطرابلس وحيفا والقاهرة. ملصقات الدعاية لهذه الرحلات لا يمكن أن تتركك محايداً. موجة من الحنين لزمن لم تعشه، وبلاد تقطعت أوصالها أكثر فأكثر. سفر القطارات بين تلك المدن، قبل وأثناء الاحتلال الغربي فرنسياً وإنكليزياً، يبدو أيسر منه اليوم. بينما تظهر الملصقات اسم «فلسطين» قبل أن تصيبها النكبة، فحيفا ـ فلسطين كانت إحدى محطات الرحلة. ويدعوك ملصق آخر إلى رحلة نحو مدينة حلب عارضاً رسماً لقلعة حلب العظيمة، فتخنقك الحسرات وأنت تراها اليوم غارقة في الحريق.
الطريق إلى صناعة الأسطورة
الكائن المعدني الذي خلقه المهندس البلجيكي الثري جورج ناجيلميكرز Georges Nagelmackers، وقام برحلته الأولى من باريس إلى القسطنطينية في الرابع من تشرين الأول/ أكتوبر عام 1883 قاطعاً مسافة 3050 كيلومتراً في 81 ساعة ونصف الساعة، سرعان ما تحول من إنجاز صناعي يتوج التطور التكنولوجي على أعتاب عصر السرعة، إلى حكاية خيالية يختلط فيها العلم والسياسة والأدب.
من أقصى الغرب استوحى جورج ناجيلميكرز فكرة القطار الفاخر، مستلهماً قطارات جورج بولمان George Pullman المريحة في الولايات المتحدة الأمريكية. صنع المهندس البلجيكي قصراً يسير فوق سكة حديدية، ومدّ له خطوطاً تنقله إلى اسطنبول، قبل أن تتمكن الأجيال اللاحقة من مد سكته حتى طوكيو في أقصى الشرق. منذ رحلته الأولى، وجد القطار مكانه في الصحافة والأدب، مبدعه البلجيكي جعل ركاب الرحلة الأولى نخبة من الصحافيين والكتاب، فرجل الأعمال كان يعرف كيف يجعل مشروعه الصناعي حكاية تثير اهتمام الرأي العام، وقصة تتناقلها الألسن وتلوّن في تفاصيلها لتصبح بعد زمن قصير أشبه بأسطورة توزع الدلالات والخيالات حتى باتت كل حادثة يمر بها القطار مثار اهتمام الجميع، فحين هاجمه مجموعة من اللصوص عام 1891 كان الخبر على الصفحات الأولى للجرائد، وكذلك خبر انتشار وباء الكوليرا في عرباته عام 1892، وتحولت قصة توقفه لعدة أيام عام 1929 بسبب الثلوج إلى حديث الساعة في زمنه، قبل أن يتحدث عنه الروائي الحائز على جائزة نوبل هيرمان هيسه Hermann Hesse في كتابه رحلة إلى الشرق 1932، وقبل أن تهتدي إليه الروائية البوليسية أغاثا كريستي 1934 لتضيف بروايتها على قطار الشرق مزيداً من الإثارة والغموض.
صورة الآخر
في زجاجة العرض
لم تكن كلمة الشرق في اسم هذا القطار بداية لتقصد أكثر من القسطنطينية، التي تحولت عام 1924 إلى اسطنبول.
لكن القطار حقق امتداداته بخطوط السكك الحديدية في تركيا والدول العربية، معتمداً مرات على خطوط طوروس إكسبريس، وفي الجنوب على بعض سكك خط الحجاز، لكن «قطـــار الشرق السريع» استطاع مع الأيام سرقة جميع الحكايات وجعلها حكايته الخاصة.
«كان يا ما كان .. قطار الشرق السريع» يروي حكايته الخاصة من جانب واحد. وكأن المعرض أراد أن يكون مخلصاً للفضاء الفكري الذي واكب انطلاق القطار حيث نظريات التفوق العرقي، وطروحات الاستشراق الفوقية. فالشرق المريض المهزوم ومن ثم المحتل هو وجهة لسياحة في الطبيعة الأخرى. هناك حيث لا مجتمع أو سياسة أو آلام أو طموحات، بل مجرد خيال جنسي تاريخي وأدبي. شمس ساطعة، وناس تدب على الأرض بأزياء غريبة، وعادات مثيرة للاهتمام أو الضحك. والمسافر الذي كان يشاهد الآخر من وراء زجاج حضارته المتقدمة وصناعته المتفوقة، لم يكن يهبط إلا ليغرف من غيم خياله الخاص، ويعود إلى بلاده بحكايات لا تصدق عن شرق ليس كأي شيء، مُدللاً على مغامراته بصور يحملها له، ولرفاق رحلته، بلباس أهل البلاد الغربية.
لا يخرج المعرض عن رومانسيات الاستشراق في تقديمه لحكاية القطار، مزركشاَ رؤيته الأحادية بعناوين فضفاضة عن التواصل الثقافي والحضاري. تواصل لم نر منه في المعرض ولو بعض رأي أو موقف يحمل صوتاً من الضفة الأخرى، شيئاً يُخرج الآخر من زجاجة العرض، ويجعل منه كائناً أكثر ولو قليلاً من شجرة في الطبيعة، أو نقشاً فوق قنطرة مسجد.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إغلاق
إغلاق