مجتمع

حذاري من القاتل الصامت

مصعب قاسم عزاوي
طبيب و كاتب

تعريب فريق دار الأكاديمية للطباعة والنشر والتوزيع لملخص محاضرة قدمها الطبيب مصعب قاسم عزاوي باللغة الإنجليزية في المنتدى الثقافي في لندن.

في هذه المحاضرة، سوف نسعى إلى تعلم كيفية الاستجابة للضغط والتوتر وكذلك سنلقي نظرة على الهرمونات الرئيسية الثلاثة المعنية بالتوتر، ونقصد تحديداً: الأدرينالين والألدوستيرون والكورتيزول. وسوف نتعلم أيضاً أن هناك مئات من التفاعلات الكيميائية التي تحدث عندما تكون تحت وطأة الضغط النفسي. في الواقع، إن كل من نوعي الإجهاد سواء الإجهاد الحاد أو الإجهاد المزمن – سوف يتسببان في حدوث تأثيرات سلبية على صحتك العامة ورفاهيتك.
لذا يمكن القول أنه في العالم الغربي، بلغت نسبة زيارات من يعانون من الاضطرابات المرتبطة بالضغط النفسي والتوتر إلى مقدمي الرعاية الصحية ما يُقدر بما يتراوح ما بين 75 إلى 90 بالمائة من جميع الزيارات.
حيث أن الضغط النفسي هو حالة يمر بها الشخص عندما يكون هناك عدم توافق بين المطالب المتوقعة وقدرتنا على التأقلم والتكيف معها. وبعبارة أخرى، الضغط النفسي ما هو إلا الإحساس بالتوتر عندما لا يشعر الأشخاص أنهم قادرون على تحقيق كل ما هو متوقع منهم.
وجدير بالإشارة إلى ما قامت به المؤسسات العسكرية من دراسات على نطاق واسع تتعلق بحالات التوتر؛ وأسفرت تلك الدراسات عن وضع نموذج دقيق للغاية معني بحالات التوتر التي عانى منها المعاصرون للحرب العالمية الثانية وذلك بهدف فهم ما يحدث للجنود عندما يكونون في ساحة المعركة، ويتعرضون لمئات – إن لم يكن الآلاف – من المواقف العصيبة. بالنسبة للبعض منا، يمكن أن يشعر أن بيئة العمل أو المنزل تبدو في بعض الأحيان وكأنها منطقة حرب، وقد تتأثر قدرتنا على الأداء في أفضل حالاتنا تأثراً خطيراً بطرق مماثلة.
لذا فإن الأشخاص الذين يعتقدون أن التوتر أمراً جيداً عادة ما يخلطون بين التوتر والتحدي. فما يحدث في البداية، أن التحدي يعمل على تحسين أدائنا، ولكن مع استمرار حجم العمل وزيادة التحديات التي نواجهها في الحياة، يمكن أن تتعرض قدرتنا على تقديم أفضل ما لدينا للخطر.
عندما يقع جسم الإنسان تحت وطأة الضغط النفسي، يمر بالعديد من التغيرات الفسيولوجية التي يمكن قياسها وتحديدها، بما في ذلك زيادة معدل ضربات القلب ونسبة السكر بالدم ومعدل التنفس ويرتفع كذلك قياس ضغط الدم.
ينقسم الجهاز العصبي المستقل أو الجهاز العصبي التلقائي (الذاتي) إلى جهازيْن وهما: الجهاز العصبي الودي (أو الجهاز العصبي السمبثاوي)، أو بالأحرى الجهاز العصبي المنشط. والجهاز العصبي اللاودي (أو ما يسمى أيضاً الجهاز العصبي فوق السمبثاوي)، أو يمكن القول أنه الجهاز الذي يجعل الإنسان هادئاً ومسترخياً.
وجدير بالملاحظة أنه حال تنشيط الجهاز العصبي الودي لدى الإنسان، فإن حالة الدم تصبح أكثر لزوجة وأكثر عرضة للتخثر. علاوة على أنه أيضاً يفرز هرمونات؛ حيث يؤدي عدد قليل منها إلى حدوث ارتفاع في ضغط الدم، ومن ذلك على سبيل المثال: إنزيم الرينين والأنجيوتنسين. بالإضافة إلى ذلك، تزداد مقاومة الأنسولين لديك، وبالتالي يزيد معدل إفراز الأنسولين أثناء فترة الصيام. فضلاً على أن ذلك من شأنه أن يزيد مستوى الكوليسترول ويرتفع ضغط الدم ويؤدي بدوره إلى تضييق الشرايين.
لذلك، فمن الأهمية بمكان أن نعرف أن هناك المئات من التفاعلات الكيميائية التي تحدث في أجسامنا بسبب الضغط النفسي. كما أن هناك أيضاً ثلاثة هرمونات رئيسية مسؤولة عن الشّعور بالقلق والتوتر وهي التي تعزز من قدرة أجسامنا في حالات الطوارئ وهي كالتالي: هرمون الأدرينالين والألدوستيرون والكورتيزول.
يُعد هرمون الأدرينالين هرموناً تفرزه الغدة الكظرية الموجودة فوق الكلى، ويُفرز هرمون الأدرينالين في حالات الشعور بالتوتر الشديدة أو التعرض للمواقف المثيرة. ومنْ ثَمَّ، فإن هذا الهرمون عبارة عن جزء من استجابة الجسم الحادة للضغط النفسي والتوتر، بل أن هذه العملية يطلق عليها نظرية الكر والفر (وتسمى أيضاً استجابة المواجهة أو الهروب وهي رد فعل فسيولوجي يحدث استجابة للتعرض لأحداث تضر الإنسان أو حال مواجهة هجوم أو تهديد لبقائه على قيد الحياة).
ومن المعروف أنه عندما تُفرز مادة الأدرينالين في الجسم، يرتفع معدل ضربات القلب وتنقبض الأوعية الدموية ويتسع مجرى الهواء التنفسي لدى الإنسان وكل ذلك يجلب المزيد من تدفق الدم إلى العضلات ويسمح بدخول المزيد من الأكسجين إلى الرئة.
أما عن هرمون الألدوستيرون، فهو يُمثل هرموناً ضرورياً لحياة الإنسان؛ وذلك لأنه المسؤول عن تنظيم الإلكتروليتات/ الكَهارِل (المعادن)، والتي تشمل عناصر هامة من أمثلتها: الصوديوم والبوتاسيوم. كما أن هرمون الألدوستيرون ينتج أيضاً من الغدة الكظرية ويسبب إعادة امتصاص مادة الصوديوم في مجرى الدم، وهو ما يُعد أمراً ضرورياً عندما يتعرض الإنسان للمواقف العصيبة وأوقات الضغط.
كما تنتج الغدة الكظرية هرمون الكورتيزول أيضاً، ومن الأهمية بمكان بيان أن الجسم يحتاج إلى الكورتيزول لضخ عنصر السكر في مجرى الدم عندما تعاني من الضغط النفسي لأنك تحتاج إلى استخدام السكر في عضلاتك.
تؤدي هذه الهرمونات الثلاثة دوراً مهماً في بقائنا على قيد الحياة؛ وتكمن أهميتها في أنها تُثار وتُفرز عندما يمر الإنسان بحالة من حالات الطوارئ، ومن المهم ملاحظة أن ذلك يحدث بسرعة فائقة إلا أننا نأمل أن تهدأ بنفس هذه السرعة.
حيث أنه حال عدم توقف إفراز الهرمونات المسؤولة عن التوتر لدى الإنسان، فإن ذلك يعني حدوث حالات ارتفاع ضغط الدم، وينتهي بنا الحال للإصابة بالقرح في معدتنا ونصبح أكثر عرضة للعدوى بل وحتى قد يؤدي ذلك إلى الإصابة بالسرطان. كما أنه من ناحية أخرى، يؤدي ذلك إلى انخفاض مستوى هرمون التستوستيرون/ الهرمون الخُصوِي (وهو الهرمون الرئيسي المولد للخواص الذكرية، يفرز من الخصيتين ويركب من الكولستيرول مع بعض الاسترولات الأخرى)، مما يجعل النساء تعاني من عدم انتظام الدورة الشهرية.
والجدير بالذكر أن الضغط النفسي لا ينتج عنه بعض التغيرات الفسيولوجية في أجسامنا فحسب، بل إنه يتسبب أيضاً في حدوث تغيرات عاطفية وعقلية؛ حيث أظهرت الأبحاث أن الأشخاص الذين يقعون تحت وطأة الضغط والتوتر يعانون من التثبيط المعرفي أو ما يعرف بالكف المعرفي (Inhibition Cognitive)، مما يجعلهم لا يتخذون أفضل الخيارات. بالإضافة إلى أن الضغط النفسي يعمل على فقدان حالة التركيز، وهو ما يؤثر بدوره على حالة الصفاء الذهني لدى الإنسان.
كما أنه مما لا شك فيه أن الضغط النفسي يؤثر على قدرتنا على الاسترخاء والنوم، إلا أن الأكثر من ذلك ما يحدث عندما نشعر أننا لا نستطيع التعامل مع جميع العناصر المدرجة في جدول أعمالنا أو لا يمكننا إنجازها، فإن التوتر في هذه الحالة يصبح له آثار سلبية كبيرة على ثقتنا بأنفسنا.
فضلاً على أن التوتر يؤدي أيضاً إلى الشعور بالغضب، مما يزيد من خطر الإصابة بالنوبات القلبية وتصل نسبة التعرض لها 230 في المائة؛ كما أن الإحساس بالغضب يمثل أحد أكثر المشاعر فتكًا بالقلب.
يُظهر البحث الذي أجرته الدكتورة جانيس كيكولت جلاسر في مجال الإجهاد المزمن أن تقديم الرعاية أمر جيد، ولكن إذا أصبحت منهكاً وتسببت في إرهاق نفسك جسدياً وعاطفياً وعقلياً نتيجة لرعاية شخص آخر، فإن ذلك سيؤثر على الجهاز المناعي لديك.
ودليلاً على ما تقدم، فلقد أظهر بحث الدكتورة جانيس كيكولت جلاسر أنه حتى إذا ما قام الطبيب بإعطاء لقاح الإنفلونزا لمقدمي الرعاية الذين يعانون من الإرهاق والإنهاك الشديدين، فقد لا يستجيب هؤلاء لهذا اللقاح المضاد للإنفلونزا؛ وهو ما يعني أنهم ليس لديهم الأجسام المضادة اللازمة لحماية أجسامهم؛ ويمكن تفسير ذلك أنهم ربما كانوا في هذه الأثناء تحت ضغط شديد لدرجة أن أجسامهم وجهازهم المناعي لم يكن بإمكانها إنتاج الأجسام المضادة.
ومنْ ثَمَّ، من المهم أن ننظر إلى الإجهاد المزمن على أنه مجال بحث مثير للاهتمام بحق؛ كما ترتبط مستويات الكورتيزول المرتفعة ارتباطاً وثيقاً بسرعة وتيرة حدوث الشيخوخة ويظهر ذلك جلياً في حالات ضعف الذاكرة وعدم القدرة على التعلم بل وحتى الإصابة بهشاشة العظام. وبالإضافة إلى كل ذلك، فإن هناك علامة أخرى للشيخوخة تنتج من الإجهاد المزمن؛ وتتمثل هذه العلامة في انخفاض كتلة العضلات في الجسم.
وهكذا يتضح لنا أن الضغط النفسي يؤدي إلى التأثير سلباً على وظيفة الجهاز المناعي ويزيد من معدل سكر في الدم. علاوة على أن التوتر يجعل أيضاً مرضى السكري في حالة أسوأ بكثير. فضلاً عن أن المستويات المرتفعة من إفراز هرمون الكورتيزول تؤدي لا محالة إلى زيادة الوزن.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إغلاق
إغلاق