أخبار هبنقة

تهريب الذهب

 

محمد مهاجر
اذا افترضنا ان مسؤولا رفيع المستوى في الحكومة السودانية عقد مؤتمرا صحفيا فى هذه الأيام واعلن عن تمكن الحكومة من الإيقاف التام لعمليات تهريب الذهب فان اغلب المتابعين سيعتبرون ان الامر لا يعدو عن ان يكون نكتة او انها مقدمة لقصة من نسج الخيال. وبالطبع هنالك الكثير ممن لهم معرفة بالبئر وغطاءها, لكن الدافع لهذا المقال يتعدى المعرفة بالمشكلة الى المساهمة في التحليل واقتراح الحلول.

ان غلاء سعر الذهب يسهل على المهربين ان يستخدموا شبكات واسعة من المتعاونين وطرقا مختلفة للتعاون. واذا علمنا ان سعر شراء الكيلوجرام من الذهب يساوى 58 الف دولار فان المهرب لا تعوزه حيلة ولن يعدم وسيلة في إيجاد من يتعاون معه. وأول ما يتبادر الى الذهن ان الرشوة هي الوسيلة الاسهل, لكن هذا الافتراض يصعب اثباته.

لقد ورثت هذه الحكومة تركة مرهقة من شبكات فساد النظام البائد تحتوى كل منها على مهربين ونافذين مؤثرين واقاربهم وممن نال ترقياته عن طريق ما عرف بسياسة التمكين وضعاف النفوس والساعين الى الثراء السهل الغاضين الطرف عن القيم والأخلاق. وفى كل من هؤلاء نجد نقطة ضعف مرافقة. وعلى سبيل المثال فان حصل على منصب عن طريق المحاباة هو شخص غير مؤهل في الأساس لتقلد المنصب. وفى كل شبكة تهريب يتم تقسيم الأدوار بدقة. فهنالك من يجهز مال الرشوة وهنالك من يقوم بالتسليم وهنالك الناقل وهنالك المتأهب للتدخل في حالة الانكشاف الوشيك للعملية. والرشوة سهلها الفقر والأجور الضعيفة, فاذا انفق المهرب ما قيمته راتب شهر لكل من اشترك في العملية فان المبلغ لا يشكل سوى نسبة قليلة جدا من قيمة الذهب المهرب.

ان العدالة هي احد أعمدة الثورة السودانية لكن المحزن انها ظلت تعطل باستمرار. وفى عمليات تهريب الذهب فان العدالة اصبحت شبه معدومة نظرا للكميات الكبيرة التي هربت. وعلى الرغم من تداول وسائل الاعلام لانشطة التهريب الا ان الامر لم يستتبع ذلك بملاحقات وتقصى للحقائق وعدالة ناجزة وسد للتغرات. ولم يقتصر تقاعس الجهاز العدلى على جرائم التهريب وحدها بل تخطاها ليشمل جريمة فض الاعتصام وجرائم قتل واختطاف وتعذيب واختفاء الثوار وغيرها من الجرائم التي كان الثوار ياملون ان يحاكم مرتكبيها في ظل حكومة هي حكومتهم حسب المنطق الصحيح. يحدث كل هذا ولكأن تواطؤا قد تم بين عدد من الشبكات على تعطيل سير العدالة.

ليس الترغيب وحده انما الترهيب اصبح يستخدم كاداة لمساعدة المهربين. ومن يركب راسه يتم تهديده, ومن يهدد يعلم انه غير مسنود. والضعيف اما ان يتعاون او يصمت. ان استغلال النفوذ لهو أسوأ ضلع في جرائم الفساد ومنها جريمة التهريب.

ان المهرب يلجأ لهذا العمل المدمر للاقتصاد لانه لا يريد الإيفاء بالتزاماته الضريبية والمجتمعية. عونا على ذلك فانه لا للوزرات المختصة ان تراقب حركة أمواله او تدقق في مصدرها او كيفية استثمارها, فهو يستورد كذلك, وماذا يستورد؟ هي في الغالب سلعا لا تدفع عجلة الإنتاج انما تساهم في تعطيله وبعضها بضائع منهية الصلاحية.

ان تطهير الأجهزة العدلية والشرطية والإدارية من المفسدين من فلول النظام السابق وغيره تعد مقدمة جيدة في سبيل تمكين الحكومة من تفكيك شبكات التهريب وتقديم المجرمين للعدالة. وان هذه الخطوة لابد لهذا بان تستتبع بإصلاح قانونى وادارى شامل.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إغلاق
إغلاق