أمن وإستراتيجية

تقارير المخابرات وقيمتها في تحديد السياسة الخارجية للدول

بشير الوندي

استكمالاً لمباحثنا الاخيرة التي تناولنا فيها جملة من التحليلات الاستخبارية , سنتناول هنا التحليل الاستخباري للدول المستهدفة , سواء كانت جارة او عدوة او كعدو محتمل او دولة مهمة , وغير ذلك .

اهمية تحليل الدول

ان العمل الاستخباري والسياسة الخارجية لايمكن ان تتم بشكل صحيح من دون وجود تقييمات استخبارية عن الدول الاخرى بحسب اهمية التعامل معها , بما في ذلك الموقف العام لتلك الدول والذي سنتناوله بالتفصيل في المبحث المقبل والذي يشمل تقييم وتحليل شامل ودقيق ومحدث عن جيوش وقوات تلك الدول وتسليحها , فأهداف الاجهزة الاستخبارية هي :
1- التحذير من الحرب والاعمال العدائية.
2- تقييم المعلومات لصياغة وانتاج اطار السياسات الامنية.
3- تشخيص الاضرار الاجتماعية.
4- تحديد مواطن الخلل الامني.
5- التحضير للحرب.
6- رسم الاطار العام واعداد الخطط لمكافحة التهديدات والمخاطر الداخلية والخارجية .
7- انتاج الحرب النفسية ومواجهة الحرب النفسية المضادة.
8- تطوير قواعد البيانات وحمايتها.
9- دراسة وتقييم مؤثرات الدول ودول الجوار والعدو الداخلي.
10- بناء وتطوير الاجهزة الاستخبارية المحترفة.
11- التعاون الاستخباري مع الدول.
فالنقطة الاولى هي ” التحذير من الحرب والاعمال العدائية ” , وغيرها من النقاط اعلاه هي التي تقودنا الى تقييم الدول لمعرفة اطار التهديد الموجة لنا (انظر : مبحث 12 ادارة المجتمع الاستخباري ).

الشغل الشاغل للاستخبارات

ان اركان اية دولة هي ثلاث : البلاد , الشعب , النظام , فالثلاثة يشكلون الدولة بارضها وحدودها وشعبها ونظامها , ومما لاشك فيه فإن من اهم واجبات الاستخبارات هو تقييم الدول , سواء كانت دول الجوار , او دول الاقليم , او من الدول المهمة , او دولة العدو , او دولة العدو المحتمل .
فلابد لأيّة دولة , ان تمتلك تقييمات دقيقة وحقيقية مستندة الى معلومات وارقام وبيانات تعتمدها لتكون فكرة عن انواع الدول التي تهمها , وهو امر يتم بالدرجة الاولى على عاتق الجهاز الاستخباري , ففي الدبلوماسية مثلاً , حيث يعتبر اعضاء السفارة جواسيس رسميون لبلدانهم , عندما يتم اختيار سفير , لابد ان يكون متقناً للغة البلد المبتعث اليه , وان توفر له معلومات وافية عن جغرافيا وتاريخ وشعب ونظام واقتصاد وعادات وتقاليد ذاك البلد.
ان الاستخبارات الدولية المحترفة تهتم جدا بتقييمات الدول على نطاق واسع , كما ان الاستخبارات الاقليمية تجعل احد اهم مخرجاتها تقييم الدول ضمن اقليمها , وكذلك الامر مع الاستخبارات المحلية حيث تهتم بالجوار الجغرافي والدول الفاعلة على ساحتها السياسية وفضائها الحيوي .
ومن المؤكد ان التقييم يختلف من بلد لآخر , كما تختلف التقييمات حسب حجم البلد سياسياً , وإستراتيجياً , وعسكرياً , ودوره , واهدافه , فيمكن تقييم بلد صغير غير مهم بسهولة , لكن تقييم الدول الكبيره صعب , فلكي تفهم الاستخبارات بلد ما جيداً عليها معرفة بعض المعلومات العامة عن شكل النظام الحاكم : ديكتاتوري , ديمقراطي , اشتراكي , ديني , علماني , فيدرالي , ملكي , وغيرها , وان تصنف الحاكم, فمن المهم أولاً فهم راس الهرم قبل الذهاب الى التفاصيل.
وتحتاج الاجهزة الاستخبارية ان تدقق وتقترب من المجهر لتقيم جيداً , فعندما ترى الدولة الهدف من الخارج قد تكون النظره براقة ومبهجة , كمن ينظر لمدينة من ارتفاع عالً فيراها مرتبة وجميلة , لكن الواقع شي اخر , فمن خلال عملية التقييم نفهم جيدا ادوار الدول كجغرافيا وكنظام سياسي , ونعرف ماهو موقع ودور تلك الدولة ضمن النظام العالمي , ومقدار تاثيرها , وداعميها , ومشاكلها , وقدراتها , ونواقص الامن الوطني , والخواصر الرخوة , ودور واهداف تلك الدول (انظر المبحث 154 الامن الخارجي وادوار الدول ) .

الجهات المناط بها الجمع

هنالك عدة معايير تمثل قوة او ضعف دولة ما واهمها : النظام السياسي , الاقتصاد , الفجوات الاجتماعية والقومية والدينية والسياسية والاقتصادية , نقاط القوة والضعف , قوة الجهاز الامني , وكما قلنا في مبحث سابق , فإن هنالك اربعة ابعاد لاستراتيجية الدولة :
1- الاستراتيجية الاستخبارية
2- الاستراتيجية الامنية
3- الاستراتيجية العسكرية
4- الاستراتيجيات العامة
فيكون من واجب جهاز الخدمة الخارجية بشكل اساس ان يحلل الدولة الهدف : اين هم؟ , ماذا يريدون ان يكونوا ؟ , كيف يريدون الوصول؟ (انظر مبحث 29 التخطيط الاستراتيجي ) , وتعاونه في ذلك كافة الاجهزة الاستخبارية الاخرى من اجل استكمال معرفة البلد المستهدف ضمن متطلبات كل جهاز للخروج بخلاصة حقيقية , اي بجمع متطلبات الاستخبارات العسكرية والجنائية والاقتصادية والاستخبارات السياسية , بالاضافه الى جهد وزارة الخارجية .
كما ان من تلك الاذرع التي تساعد في تحليل الدول هي المراكز التي تهتم بالدراسات الاستشرافية والمستقبلية حيث تهتم الاجهزة الاستخبارية بمخرجاتها بإعتبار ان المستقبل وليس الماضي هو مايهم الاجهزة الاستخبارية, والامر لايتم هنا بالتكهنات وقراءة الكف والابراج وانما ضمن منهجية تعتمد على تقنيات مبتكرة كتحديد الاتجاهات الأعظم (Mega-trend) والتي تُعنى بالقسمات الرئيسية لبنية المجتمع الدولي في كافة المجالات , وعلى تقنية الاستقراء (Extrapolation) والإسقاط (Projection) بالاضافة الى اعتماد العصف الذهني وتقنيات اخرى كثيرة (انظر مبحث 127 مركز الدراسات ).

اجابة الاسئلة العالقة

ان الجهاز المخابراتي مهمته رعاية وادارة مصلحة البلاد عن طريق استهدافه لبلد العدو بأعمال توفر له الاجابات على كل مايقلق الاستخبارات من البلد المستهدف من خلال :
1- جمع المعلومات عن المصالح التجارية والاقتصادية والفجوات الاجتماعية وبناء القوة والاستعداد ونقاط القوة والضعف
2- معرفة المشاريع والعقود التجارية وخارطتها.
3- تقييم المجتمع . وتنوع البيئة ووسائل التواصل .
4- مراقبة اعلام البلد المستهدف و قياس قابلياته.
5- معرفة مدى الاستقرار السياسي وطرق ضربه .
6- تحديد هواجس ومخاوف النظام .
7 – دراسة موارد البلاد الطبيعية والبيانات الاقتصادية و التضخم والناتج القومي والدخل الفردي والمستوى المعاشي و دورة المال.
8- دراسة المعتقدات والموروثات والثقافة العامة ونقاط الاختلاف.
9 – دراسة نشاط الاجهزة الاستخبارية للبلد المستهدف.
10- دراسة علاقات البلد المستهدف مع المحيط ودول الجوار .
11- دراسة العقد الاستراتيجية للبلد ( ونعني بالعقد الاستراتيجية هي المشاكل الداخلية المزمنة التي لا يمكن حلها بغير تفكيك الدولة , مثلاً القضية الكوردية في تركيا فهي عقدة وليست مشكلة وحلولها صعبة , وكذلك الشيعة في السعودية وغير ذلك ) .
12- تحديد اهم المواقع الاستراتيجية والحكومية ومحطات الطاقة والمعسكرات ومواقع الحرب الالكترونية ومراكز الاتصالات والطرق والجسور المهمة والمخازن والمطارات العسكرية ومواقع الاستخبارات ومستودعات الاسلحة والذخيرة ومراكز التدريب والتحشيد والمراكز البايولوجية , وهي ضمن مالايقل عن 500 هدف مهم .
وتكون اهم ادوات الخدمة الخارجية للوصول الى المعلومات هي :
1- بناء لوبي من الجالية في البلد المستهدف وتجنيدهم .
2- العمل على استثمار مزدوجي الجنسية .
3- بناء علاقات مع القادة العسكريين والامنيين والاعلاميين.
4- حصر مفكري البلد , والطبقه السياسية والعسكرية والاقتصادية والاحزاب ونتاجاتها , واختراقها.
5- تجنيد الجواسيس والعملاء .
فكل هذه المسارات والمعلومات والبيانات , وغيرها كثير , هي من واجبات الخدمة الخارجية التي يجب ان تقوم بها محطات الاستخبارات الخارجية في الدول الهدف (انظر مبحث 71 الخدمة الخارجية , مبحث 154 الامن الخارجي وادوار الدول ) , فكل هذه النقاط تدخل في تقييم الدولة الهدف بما في ذلك التحليل البيئي (انظر: مبحث231 التحليل الاستخباري للبيئة ) وتحليل المجتمعات (انظر : مبحث 232 تحليل المجتمع ) .
ويمكن تلخيص محاور تحليل الدول بما يلي :
المحور الاول : البحث عن رأس النظام ونوع النظام , وآليات اتخاذ القرار , والاوامر , وصناعة القرارات , وشكل السلطة (دكتاتوري , برلماني , ديمقراطي وهكذا) , لأن راس النظام او نوع الحكم ينسحب الى باقي مفاصل النظام ’ فيكون المحور الاول هو الدولة والنظام.
المحور الثاني : الشعب , فالمجتمع يشكل حجر الزاوية في تحليل الدول , فيتم تحليل الشعب وطريقه التفكير , والبيئة وتصنيفاتها , ومزاج الناس , ومستويات التعليم , والمعتقدات , ومستوى الدخل , والميول , ووسائل التواصل , والموثرات , واللغات , وصناعة الراي العام.
المحور الثالث : تقييم اقليم الدولة , وهي الجغرافيا والثروات ومناطق الحدود والجغرافيا الجنائية والطرق والصناعات المهمة وتصنيف المناطق بحسب الكثافة السكانيه , البيئة الزراعية والصناعية والعسكرية.
المحور الرابع: العسكري والامني بشكله العام من خلال وصف القوات المسلحة والجيش واجهزة الامن والاستخبارات والاحتياط العام ومنظومة اتخاذ القرار والقيادة والسيطرة والانتشار.
المحور الخامس: هو المحور السياسي الداخلي والخارجي من خلال تسليط الضوء على التحالفات والعلاقات والاتفاقيات والخلافات
وفي كل تلك المحاور اعلاه فإن التركيز يكون عن الفجوات الموجودة او تلك التي يمكن العمل على احداثها سواء كانت فجوات اجتماعية او دينية او قومية او اقتصادية او سياسية او امنية .

لطالما اكدنا ان الجهاز الاستخباري هو جهاز معلوماتي يصب جهده على العدو الخارجي وعصابات الجريمة والتنظيمات الارهابية , ومن هنا تقوم الاجهزة الاستخبارية الخارجية بأهم مهامها وهو ان توفر للسلطة السياسية تصورات كاملة عن الدول المحيطة بها والدول المهمة لدية والدول العدوة او المتصارعة التي قد تصبح عدوة , ويتم الامر عبر آليات ومحاور عدة تشمل الدولة الهدف ونظامها السياسي وطبيعة شعبها , بالاضافة الى القوة الاقتصادية والعسكرية لكل تلك البلدان , وبذا تقوم السياسة الخارجية للبلاد وفق معطيات دقيقة تحقق افضل المصالح والتوازنات , والله الموفق.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إغلاق
إغلاق