رأي

تحليل الخطاب السياسي الحديث

 

تقديم محمد يونس

ليس هذا تحليلاً للخطاب بالمعنى المتعارف عليه في العلوم الاجتماعية والإنسانية (Discourse Analysis) فالمقالة هذه لا تتسع له أصلاً. ومع ذلك، فهو “تحليل ما” لبعض أبرز ما يتردد في خطاب المنظمات غير الحكومية للوصول إلى السمات العامة لهذا الخطاب، وذلك عبر منهجية نقد مقولة/ مفهوم، والذي نعتقده الأبرز في تقديم تلك السمات التي نبغي. إن المقولة/ المفهوم هو: إيصال المرأة لمواقع صنع القرار.

لقد غدا هذا الخطاب، في السنوات الأخيرة، ظاهرة مميزة في مجمل الخطاب الفلسطيني الدارج، أو اليومي، على حد تعبير المفكر الراحل، مهدي عامل. انتشر في المواد الإعلامية والترويجية للمنظمات، ويتردد في اللقاءات والورش والمؤتمرات، وأصبح أقنوماً ثابتاً في المشاريع المكتوبة للممولين، وكتحصيل حاصل، فإنه أكثر ما يظهر في البرامج والأنظمة الرسمية لتلك المنظمات. إضافة لذلك، فاللافت أن هذا الخطاب ينظمه، لدى الجميع، صياغات معروفه، جمل مكرورة، ومفردات ثابتة، حتى بات يمكن القول، بمجرد الملاحظة المباشرة، دون دراسة مسحية شاملة، أن هناك “وحدة مصطلح فكري” بين كافة المنظمات غير الحكومية. وللوهلة الأولى، يمكن ملاحظة أن هذا الخطاب احتل حيزاً واسعاً من المساحة التي كان يحتلها الخطاب التحرري الوطني الذي، وإن لم يخرج من التداول اليومي، إلا انه بات أقرب ما يكون للعملة القديمة، توجد ولكن بصعوبة.[2]

إن ما يعزز من ممكنات هذا الخطاب (نعني غير الحكومي) على الانتشار، ليس فقط القدرات المالية التي تقف خلفه، ولا حقيقة أن المخزون المعرفي الذي ينهل منه جاهز، ما لا يستدعي عملية إبداعية لإنتاجه. ليس هذا ففقط، بل حقيقة أن مروجي هذا الخطاب، وهم ذاتهم أبرز نشطاء تلك المنظمات، كانوا أصلاً من الفئات الوسطى، حاملة لواء الخطاب التحرري الوطني، وهم كثر، ويحتلون مواقع أساسية في المنظمات غير الحكومية. وبالتالي، فحلول الخطاب الأول( غير الحكومي) محل الثاني( الوطني التحرري) واكب عملية انتقال رموز الثاني، النشطة اجتماعياً وسياسياً، إلى مواقع الأول، بقدراتها وإمكاناتها[3]. لذلك يمكن وصف هذا التحول بإعادة صياغة فكرية لرموز الخطاب الثاني للتوافق مع الموجبات الفكرية للخطاب الأول.

إن ما ستتناوله المقالة هو ظروف نشأة الخطاب غير الحكومي وعلاقات النشأة تلك مع الخطاب التحرري الوطني، وصولاً إلى محاولة فكفكة هذا الخطاب عبر المقولة/ المفهوم وصولاً لسماته العامة المميزة.

 

 

 

العولمة وصياغة الخطاب

ليس من نافلة القول أن يقرر ديفيد كومان، الخبير في العلاقات الدولية في العام 1997 في معرض دراسته للعلاقة بين العولمة والمصطلح/ الخطاب، التالي” يظهر أن الإمبريالية الثقافية واللغوية، أي السيطرة على الكلمات والمصطلحات، تملك تأثيراً أكبر من الإمبريالية الاقتصادية. المهم في المصطلحات الأساسية في القانون والسياسة هو معرفة مَنْ يحتكر التعريف، التفسير، والتطبيق، مَنْ يملك القدرة على تحديد فحوى المصطلحات الأساسية…..لا تقل عن القدرة العسكرية والاقتصادية، القدرة على فرض مفاهيم ” هيمنة” للقانون وللسياسة، وجعل الشعوب المسيطر عليها تتقبلها وتتبناها”.[4]

وكان إدوارد سعيد قد بنى كل معمار نظريته في الاستشراق على ما للإنشاء/ الخطاب من أهمية في تشكيل الغرب للشرق حسب الصورة عنه لا حسب ما هو عليه، مستنتجاً، بالتالي، أن المعرفة سُلطة.

إن خطورة المصطلح/ الخطاب أنه آلية من آليات الهيمنة، الأقنوم الثالث عند الفرنسي ألتوسير لتنظيم آليات الهيمنة، إضافة لأقنومي ماركس المعروفين،[5] البناء التحتي والبناء الفوقي. فالهيمنة لا يشترط فيها الإخضاع العسكري فقط، ولا التحكم بآليات التطور الاقتصادي كآلية استعبادية فحسب، بل وأيضاُ هيمنة ثقافية أكثر ما تتبدى في استدخال الشعوب لثقافة الهيمنة كجزءٍ من ثقافتها، فيغدو النموذج الغربي الرأسمالي، والحال هذا، أنموذجاً يُحتذى، لا في سياسات السوق الحرة فقط، ولا في الفهم الليبرالي للحقوق فقط، ولا في قضايا المرأة فقط، بل ومع ذلك، في الثقافة المصاحبة للتغلغل السياسي والاقتصادي. بهذا المعنى، فالإمبريالية ليست مشروعاً للنهب الاقتصادي والاستعباد السياسي، بل ويحايث ذلك مشروعاً للاستلاب المعرفي، للغزو الثقافي، كما المصطلح الدارج.

وفي حديث سمير أمين عن الاحتكارات الخمسة التي ينهض عليها نظام العولمة اعتبر أن احتكار الإعلام من ضمن الخمسة، إضافة لاحتكارات الاقتصاد والعسكر والمعلومات والمال. والاحتكار الإعلامي، والحال هذا، تتمثل وظيفته الأساسية فيما أسميناه “إعادة صياغة فكرية” لجيل خطاب لتحرر الوطني بغية تشكيل منظمة مفاهيم جديدة قائمة على الليبرالية الجديدة، السلاح الفكري للعولمة الحالية. [6]

لقد كان من الممتع أن قدمت مجلة ( نيو ليفت ريفيو) مفاهيم ثقافة العولمة بصياغة لا تخلو من الفكاهة والدقة المعرفية معاً. لقد اقترحت المجلة ثلاث مفاهيم تعتقدها أدوات تحليل معرفية لفهم ثقافة العولمة المحمولة، بقوة الغزو الإعلامي، لمن هم خارج نطاق رأسمال العولمة. إن مفاهيم المكدلة ( من ماكدونالد) والكوكلة ( من كوكا كولا) والأمركة ( من أمريكا) ( Americanization    McDonaldization  Coca Colonization)  يمكنها أن تستخدم كأدوات تحليلية لفهم آليات الخطاب المعولم وما يرومه هذا الخطاب على المستوى الثقافي.

إن صياغة البناء الثقافي للفرد، في العالم الثالث، وفق المفاهيم/ الأدوات الثلاث أعلاه يعني أول ما يعني تفريغ الفرد من أية ثقافة إنتاجية وتكريس الاستهلاكية كأبرز مقومات هذا البناء. إن كل منظومة الاستغلال الرأسمالي المعولم للعالم الثالث تتطلب الاستهلاك كثقافة، وتقديس الحياة على النمط الغربي، وإدارة الظهر لكل مقومات البنية التراثية الثقافية الوطنية..بهذا المعنى يغدو العالم قرية  صغيرة واحدة: تعيش وفق النمط الأمريكي ( الأمركة) وتعبد الآلهة الجدد ( الكوكا كولا وهامبورغر مكدونالد) المحمولة، بضاعة وثقافة، من “الأنكل سام”، الذي هو، وهو فقط، مختار القرية الأوحد!!

وللوصول لهذه الوضعية الأنطولوجية( الوجودية) في العلاقة بين المستغِل والمستغَل، يحتل الخطاب الثقافي، الإمبريالية الثقافية، ( بمصطلحاتها ومفرداتها)، والموجه للعالم الثالث، أهمية ساحقة، وربما أهم من الإمبريالية السياسية والاقتصادية، كما أنشأ ديفيد كومان.

يمكن تلمس أبرز خصائص هذا الخطاب الثقافي المعولم في التالي:

1.                  أنه خطاب يمتهن صياغة الذائقة الجمعية للشعوب، عبر الرموز والنماذج والفن والدعاية والإعلان، وعبر صرف مئات ملايين الدولارات والاستعانة بالخبراء والأكاديميين والأبحاث والدراسات،…بهدف توجيه تلك الذائقة، وفق احتياجات ومتطلبات السوق، لمزيد من الإقبال المرضي على الشراء والاقتناء. إن ما يسمى اليوم في العالم الرأسمالي بمرض التسوق، ما هو إلا البرهان الأكيد على قدرة خطاب الرأسمال على صياغة ذائقة نهمه للشراء والتبضع بما يخدم الرأسمال ذاته. وهذه الحنكة تتجاوز النجاعة المهنية في ترويج البضائع لتطال القدرة على ترويج الأفكار. إن أي مطلع على سبل الترويج للمشاريع يمكنه ملاحظة هذا الكم من الوسائل الإعلامية للترويج للأفكار التي غدت ليس فقط مصدر دخل لحرفتي المنتجة والطباعة، بل غدت مقياساً تتحدد على ضوئه مدى “عصرية وحداثة” أي مدير أو منسق، عبر علاقة طردية: كلما تم اتقان لعبة الترويج كلما أكد بذلك عصريته وحداثيته!

 

2.                  إنه خطاب يعزل أية قضية مبحوثة عن الكلية الاجتماعية وجوهرها، وبالتحديد، طابع علاقات الملكية داخل المجتمع، وتجليها الأساسي علاقة الصراع الطبقي، وهي منهجية يمكن توصيفها فكرياً بمنهجية التذرير، إذ تغدو كل جزئية من الكلية الاجتماعية، والحال هذا، قائمة بذاتها، معزولة عن الكلية ككل أو الجزئيات الأخرى في الكلية. وفق هذه المنهجية، مثلاً، تقوم كل فلسفة ضخ التمويل لقطاعات وقضايا معزولة عن بعضها البعض، تُضَخّم حتى يغيب من خلف هذا التضخيم الكلية الاجتماعية الناظمة لكل تلك القضايا. ضمن هذا النطاق المنهجي يمكن وضع قضايا وقطاعات التمويل: المرأة، الطفولة، استقلال القضاء، سيادة القانون، حقوق الإنسان، تعزيز الديموقراطية، الشفافية والمساءلة، الحكم الرشيد. إن هذه المنهجية ترفض منهجياً، ولاعتبارات مصلحية، ربط تلك القضايا مثلاً بعلاقات الملكية الاستغلالية في العالم الثالث والتي شكلتها، محلياً في كل دولة، علاقات التبعية مع المركز الرأسمالي، علماً أنه من الناحية المعرفية الصرف لا يمكن بحث تلك القضايا بمعزل عن العلاقات المشار إليها، ناهيك أنه لا يمكن بحثها بمعزل عن المصلحة السياسة والاقتصادية للداعم.

 

3.                  إنه خطاب يشطب الصراع الطبقي. ولا غرابة بذلك! إن كل منظومة الليبرالية الجديدة تدعم، فكرياً، ترسيخ علاقات الملكية الرأسمالية، وبالتالي، ورغم تناولها لموضوعات اجتماعية، فإنها تتناولها بإدارة الظهر لعلاقة الصراع الطبقي في المجتمع. يمكن، مثلاً، ملاحظة ذلك في قضيتين محددتين: الترويج لمبدأ الشراكة الثلاثية في علاقات العمل  (العمال وأصحاب العمل والدولة)، لتحل هذه الشراكة المزعومة محل الصراع، وفق النموذج الاسكندنافي. والترويج لمفهوم سيادة القانون والتساوي أمامه رغم أن مجتمعاً قائماً على اللامساواة الاجتماعية والاقتصادية لا يمكن تصور قيامه على المساواة أمام القانون إلا في مخيلة الليبرالية الجديدة.!! فالعاطل عن العمل والمشرد الجائع دون منزل يأويه، لا يتساوى نهائياً مع صاحب ناطحة السحاب التي يجلس المتشرد تحتها، في مقاربة طبقية لقطتها عينا د. شريف كناعنة مرة في الولايات المتحدة.

4.                  إنه خطاب يروج لوحدانية البعد الحقوقي. تنطلق الليبرالية الجديدة من مفهوم (عقلانية) القانون ( والمساواة أمام القانون) لكل المواطنين. إن العقلانية المروج لها هنا هي استمرار لعقلانية برجوازية نشطت في القرن السابع عشر لمواجهة غيبية الدين والكنيسة. والمساواة أمام القانون ادعاء كاذب يخفي حقيقة عدم المساواة الاجتماعية والاقتصادية، وبالتالي عدم المساواة القانونية. على المستوى العيني فقد كانت عقلانية المؤسسة البرجوازية، الحقوقية والاقتصادية والاجتماعية. في مواجهة العوامل المتفجرة في البنية الاجتماعية، وهي تحديداً علاقات الملكية الرأسمالية. إن مفهوم عقلانية القانون تخفي وراءها التوازن الاجتماعي الذي وقف خلف التشريع القانوني. فالقانون بالنهاية غير منفصل عن هذا التوازن والعلاقات الاجتماعية. وبالملموس إن علاقات الملكية تطل برأسها باعتبارها الموجّه العام للبناء الحقوقي والقانوني داخل المجتمع.

5.                  أما على الصعيد التنموي، فإن المفهوم الليبرالي للتنمية حسب هذا الخطاب إما أنّه يتوجه للفرد (تمكين الفرد ورفع قدراته) وإما يستعيض عن مفهوم التنمية بمفهوم النمو الاقتصادي. إن التنمية كعملية مرتبطة بالتغيير الاجتماعي، تستهدف فك علاقات التبعية وتحقيق الاستقلال الاقتصادي، وإنجاز التحرر الاقتصادي والاجتماعي. وكل ذلك يتناقض مع التوجه الليبرالي. لذلك فإن هذا التوجه يستعيض عن تنمية تستهدف الفقراء (والنساء منهم) ب”تنمية” لقدرات ومهارات وكفاءات، بمعزل عن بناء مشروع تنموي يرتبط بالكلية الاجتماعية ومفهوم التحرر…

 

الخطاب النسوي

إن واقع الحال، المدعوم بالدراسات الاجتماعية والإحصاءات، يؤشر لوضع متدنٍ في مكانة المرأة ودورها. وإذا كنا نعتقد أن فقدان السيادة الوطنية وهيمنة الاحتلال الشاملة على تفاصيل الحياة اليومية لشعبنا، يشكل الإعاقة الأساسية للنهوض بوضع المرأة، فإننا لا نغفل، بالضرورة، دور الثقافة السائدة والبنية الاجتماعية التي تشكل الذكورية المتسلطة، ودونية المرأة، محورها الأساس، في التأثير سلباً على مكانة ووضع المرأة.

وقد أضحت قضية المرأة، ومنذ زمن، تحتل مكانتها ودورها، على سلم أولويات المنظمات والنشطاء المجتمعيين، وغدا من اللافت ذلك الكم من النشريات والمطبوعات والبرامج والأنشطة الخاصة بموضوعة المرأة وقضية النوع الاجتماعي، والتي بمجملها طبعت “خطاب” تلك المنظمات بطابع خاص مميز، يمكن تسميته بالخطاب النسوي.

قبل تناول الملامح العامة لهذا الخطاب، لا بد من الإشارة إلى الحقائق التالية:

الأولى: لم تكن قضية المرأة مفتعلة، مصطنعة، مرتبطة بأجندة التمويل الغربي، كما درج إجمالاً الاتجاه الرجعي المعادي للمرأة على القول، بدليل أن المكانة المتدنية والدور المهمش للنساء حقيقة اجتماعية/ سياسية لا يمكن دحضها، وبالاستناد لعديد من الدراسات والإحصاءات الموثوقة. هذا من جانب، ومن جانب ثانٍ، فإن طرح قضية المرأة لم يرتبط حصراً بزمن التمويل الغربي!! إذ تزخر الأدبيات الفلسطينية والعربية بمحاولات عديدة، وبعضها تميز بجرأته، في طرح مكانة المرأة ودورها في النضال الاجتماعي والوطني، والمطالبة بمساواتها على طريق تحررها. وبغض النظر عن النقاش حول التوازن بين الاجتماعي والوطني في خطاب فصائل المقاومة الفلسطينية قبل أوسلو والموجّه للمرأة، فإن تلك الفصائل، واليسارية منها بالتحديد، تميزت بطرح القضية على المستوى الشعبي، لا المستوى الأكاديمي النخبوي فقط، والأهم أن طرحها كان بتحايث واضح مع تفعيل مشاركة النساء في العمل الوطني، وهو بالنهاية عمل اجتماعي بالمفهوم الشامل.

الثانية: إن الهامش المحدود جداً لممارسة التشريع، والذي نشأ في الحياة الفلسطينية بعد نشوء السلطة، فتح باب النقاش والمبادرة لطرح موضوعات جديدة لواقع جديد، ومنها مكانة المرأة في التشريع ودورها في الحياة الاجتماعية والسياسية وموقعها من سوق العمل. فكان من الطبيعي، والحال هذا، أن يجري اعتبار مكانة المرأة (وقضية النوع الاجتماعي على الخصوص) إحدى مؤشرات القياس المعتمدة لكافة الدراسات والإحصاءات التي تتناول الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، والتنموية على العموم. وإذا كانت تلك المبادرات بالإجمال، مدعومة وممولة، ولكنها بالأساس كانت استجابة لواقع جديد كان من الطبيعي أن تتصدى له الحركة النسائية، مؤسسات ومنظمات ونشطاء.

الثالثة: اهتمام الممول الغربي بدعم الأنشطة والتوجهات والبرامج والمؤسسات الموجهة للمرأة اهتمام معروف ومعلن. ويشهد على ذلك الكم من المؤسسات الناشئة بعد العام 1994، وحجم برامج المرأة في المؤسسات المختلفة، والممولة غربياً. إن هذا الاهتمام مرتبط بالتوجه الفكري الأشمل للتمويل الغربي، هذا التوجه المستند لليبرالية الجديدة حصراً.

 

مسار الحركة النسوية: التلاقي بين الطبقي والفكري

كان لليسار الفلسطيني في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي الدور الأبرز، ليس فقط في طرح قضية المرأة على المستوى الشعبي، كخطاب فكري فحسب، بل وفي طرحها أيضاً كممارسة سياسية ثورية. لقد تتوج هذا الدور أكثر ما تتوج في التالي:

· بناء المنظمات الجماهيرية للنساء والتي لعبت دوراً هاماً في توسيع مشاركة النساء في النضال ضد الاحتلال، كما لعبت دوراً تربوياً وتثقيفياً كبيراً للنساء بروح المواقف التقدمية من التقليد الاجتماعي السائد، ورسخت مفاهيم التحرر والثورة والعداء للرأسمالية لدى الآلاف من النساء. إن تلك المنظمات، فوق ذلك، كانت بمثابتها مدارس للتربية التنظيمية لتطوير قدرات العمل المنظم لجماهير النساء، الأمر الذي ظهر تأثيره فيما بعد في التطورين اللاحقين: الانتفاضة الأولى من جهة وتسارع تأسيس المنظمات غير الحكومية من جهة ثانية. إن مشاركة النساء الواسعة في الانتفاضة الأولى ما كانت لتكون بهذا المستوى ما لم يجرِ بناء مقومات هذه المشاركة وأدواتها في الجهد التنظيمي للمنظمات النسوية ما قبل اندلاع الانتفاضة المذكورة.

· الطابع الشعبي/ الديموقراطي الواسع للانتفاضة الأولى. أن مشاركة النساء في هذه الانتفاضة عمقت من هذا الطابع، الذي رسخ نفسه بديلاً للطابع السابق للعمل الوطني، ذاك الطابع الذي جسد هيمنة التكنوقراط من أبناء العائلات الأرستقراطية. وبالتوازي مع العملية المركبة: تأسيس المنظمات والعمل النسوي الوطني والاجتماعي واندلاع الانتفاضة، برز الآلاف من النسوة ككادرات وقيادات ميدانية، في ومن صفوف اليسار حصراً، وأخذن يلعبن أدواراً متزايدة، وأحياناً على المستوى الوطني العام.

 

إن مدخل التمويل الغربي لقضايا المرأة في العالم الثالث، ومنه فلسطين، يجد أرضية خصبة لتخصيب الثقافة السائدة بالفكر الليبرالي الجديد. فمن جهة، يشترك كلا الموروثين، التقليدي الشعبي والديني بنظرة دونية للمرأة، متعمداً إقصاءها من الحياة الاجتماعية إلى داخل الجدران البيتية، الأمر الذي يكسب طرح قضية المرأة “مصداقية ما”، لم يجد الفكر الغيبي بداً من التصدي الدفاعي لها تحت شعار “الفهم المغلوط للدين!”. ومن ناحية ثانية تشكلت عبر سنوات النضال، في السبعينيات والثمانينيات، شريحة نسوية منحدرة أساساً من أوساط الفئات الوسطى، وجدت في قضية المرأة كما يطرحها الفكر اليبرالي، قواسم مشتركة موهومة، مع ما تربت عليه من ثقافة يسارية تقدمية. نقول “موهومة”، لأن هذه الشريحة والتي باتت تتربع على رأس المشاريع والبرامج والمؤسسات النسوية، وجدت في الطرح الليبرالي، وأحياناً دون أن تدري خلفيته الليبرالية، ملاذها بعدما تراجعت مكانة الفكر اليساري الماركسي، لأسباب عديدة، أهمها الجبن الفكري لهؤلاء الناشطات تحديداً.

ليس هنا المجال لتحليل سلوك الفئات الوسطى بين مرحلتين، مرحلة شيوع الفكر اليساري الماركسي ومرحلة شيوع فكر الليبرالية الجديدة. إن الانتقال الصاروخي لتلك الفئات ليس مثار استغراب، ولكن حسبنا هنا أن نشير للتالي ارتباطاً بموضوعة المقالة:

نجح اليسار في صياغة ثقافة قطاعات واسعة من الفئات الوسطى في الثمانينات لتغدو مفردات الخطاب اليساري الماركسي مفرداتها. ومع ذلك يسجل تاريخ الفكر السياسي، والتحولات الاجتماعية، السرعة الصاروخية لانتقال قطاعات واسعة للموقعين النقيضين: الفكر الليبرالي الجديد والذي تجلى أكثر ما تجلى لدى اليساريين السابقين والعاملين في المؤسسات غير الحكومية والمهن الثقافية والاكاديمية، والفكر الأصولي والذي تغلغل في أوساط الفئات الدنيا من موظفين ومستخدمين…وبالنتيجة إما ارتد اليساري السابق لموقف الفكر الغيبي الرجعي من المرأة وإما تمترس خلف الفكر الليبرالي بتصوراته للمرأة وقضية النوع الاجتماعي؛ إما جهلاً للأبعاد الأيديولوجية والطبقية لذلك المفهوم الليبرالي أو ل”قناعة” خلقها التمويل المدعوم بالامتيازات والرواتب المجزية والمكانة الاجتماعية، والتي تجاوزن حدود الوطن. وبالنهاية غدت تلك الفئات المتحولة من الموقع اليساري للموقع الليبرالي والناشطة في المنظمات غير الحكومية وعلى تماس يومي مع الممول الغربي، غدت هي الحاملة الأساس للخطاب النسوي بمفهومه الليبرالي.

مرتكزات أساسية في الخطاب النسوي الدارج

من أهم مرتكزات الخطاب النسوي الدارج ما يلي:

· إنه أولاً خطاب فقير نظرياً ينهل من الدراسات والمواثيق الدولية ما يشاء ويضيفها لخطابه دون أدنى جهد حقيقي لإنتاج نظري محلي. وحتى في اللحظات التي بدا فيها أن الجهود تتجه لإنتاج نظري بتحليل واقع المرأة فإن الأساس الذي استند إليه هذا الجهد كان محدد أيديولوجياً وطبقياً: من جهة تناول سلسلة مفاهيم ليبرالية مستوردة من ترسانة الفكر الليبرالي والتي استعرضناها سابقاً كملامح للخطاب الليبرالي، وعليه كان الجهد النظري المبذول مخصيَّاً سلفاً باستناده لفكر لا ينتج إلا الإخصاء عندما يتعلق الأمر بالعالم الثالث. ومن جهة ثانية اتخذ من رزمة الحقوق والاتفاقات الدولية المتعلقة بالمرأة مرجعه النظري ومسلّمته التي لا يرقى لها الشك، دون أدنى حساسية نقدية تجاه هذه الرزمة ولا إشغال للذهن بالظرف السياسي، الاجتماعي، والاقتصادي لنشأتها.

· إنه خطاب يتمسح بأهداب الثقافة الدينية (ليصارع) منتجات تلك الثقافة على صعيد المرأة، فنكون أمام حركة فكرية بهلوانية: آية مقابل آية، تفسير نص مقابل تفسير نص، فقيه مقابل فقيه…وهكذا، يتحول الجدل على أيدي هذا الخطاب العاجز ليكون جدل سفسطائي لا يقدم ولا يؤخر شيء، دون أن يدرك أصحابه أنهم يلعبون بالذات على ذات الملعب: النص وتفسيراته. وبالإجمال فإن الجبن الفكري سمة لازمت قطاع واسع من حاملي الفكر التقدمي، في عموم المنطقة العربية.

· إنه خطاب شكلاني يتمترس عند قضايا شكلانية، لتغدو هي المحتوى الفكري، ولا شيء سواه. فإحصاء عدد البرلمانيات مثلاً مؤشر هام لهذا الخطاب، مثله مثل عدد النساء في الحكومة وفي قيادة الحزب السياسي، وفي المؤسسة أية مؤسسة… وسنأتي على ذكر ذلك تفصيلاً فيما بعد، وتبيان “مطبّاته” الفكرية.

 

إيصال المرأة لموقع صنع القرار

وبعد، بالاستناد لمرتكزات الخطاب الليبرالي على العموم والخطاب النسوي المستند للأول، صاغت المنظمات غير الحكومية على العموم، والنسوية على الخصوص، مطلبها الأعم ( إيصال المرأة لمواقع صنع القرار). وهذا المطلب بتفحصه يظهر ما يلي:

·                 إن الخطاب يروم إيصال مرأة أية مرأة بغض النظر عن موقفها الفكري أو الأيديولوجي أو حتى كفاءتها، فصياغته بهذه الطريقة القطعية ( مرأة دون أية اشتراطات) تترك المجال رحباً للتفسير الذي ذهبنا إليه. المرأة هنا توضع مقابل الرجل ضمن الثنائية العدائية للفكر النسوي الغربي، بما يشي بانحياز لتصور يعتقد أن الصراع الذي يكتسب أولوية لدى هذا الخطاب هو الصراع الجنسي المحض بين المرأة والرجل، لا اعتبار قضية المرأة جزء من الصراع الاجتماعي الأشمل. إن هذا الخطاب إذ يحدد المرأة كمرأة مقابل الرجل كرجل، فهو يفترض ضمناً أن البنية الفكرية والخلفية الطبقية والقناعات العقائدية والثقافية ( للمرأة في موقع صنع القرار) ليست ذات أهمية وإلا لما كان المطلب بهذه الإطلاقية الجنسية ( مرأة في موقع صنع القرار).

وفي هذا الشعار/ المطلب يتكثف كل ما يرومه الخطاب الليبرالي. إن انتزاع قضية المرأة من الكلية الاجتماعية ووضعها في مقابل الرجل، يعزل بالضرورة هذه القضية عن الكلية وبالتالي عن العلاقات الأساس فيها، علاقات الصراع الطبقي، فتغدو المرأة ليس فقط مذرّرة بل ومعزولة عن العلاقات الأهم التي تتحكم فيها. لذلك، يمكن فهم أن الأغلبية الساحقة من أدبيات المنظمات غير الحكومية ومخرجات مؤتمراتها وورش عملها وبرامجها ومشاريعها تخلو تماماً من الربط بين قضية المرأة وبين عاملين أساسيين لا يمكن بحث تلك القضية بمعزل عنهما: الأول، البنية الاجتماعية الداخلية، والثاني، علاقات التبعية للرأسمال العالمي والتي صاغت بالنهاية البنية كعامل أول. إن هذا الشعار/ المطلب ليس فقط لا يقول شيئاً عن المحتوى الفكري/ الطبقي لمن يشغل/تشغل موقع القرار بل والأسوأ من ذلك إنه يقول أن لا علاقة للمرأة بالكلية الاجتماعية ككل ولا بعلاقات التبعية، وبالتالي يمكن فحص ومعالجة تلك القضية دون هذه الارتباطات. إن منطق هذا المنهج يظهر محتواه الطبقي: إخراج قضية المرأة من بوتقة الصراع الاجتماعي ككل وتحويلها لقضية خاصة متفردة في مواجهة الرجل في المجتمع ما يحرف ليس فقط بوتقة النضال للنساء بل ويشوه وعيهن وثقافتهن السياسية والاجتماعية.

ويمكن الاستدلال على التطورات السياسية منذ سنوات في فلسطين للكشف عن حقيقة المأزق الفكري لهذا المطلب، ومن خلفه هذا الخطاب. كان الشغل الشاغل لنساء المنظمات غير الحكومية، وبعض الأكاديميات، ومنذ قيام سلطة الحكم الإداري الذاتي، وما تركته من هامش محدود في التشريع، هو التأكيد على حق المرأة في إشغال مواقع مسئولة على مستوى القرار. لذلك، كانت المنظمات النسوية ومن خلفها دراساتها وورشها ومؤتمراتها مشغولة بالحسابات التي تؤشر لمدى تحقق المطلب: وصول المرأة لمواقع صنع القرار. يجري لذلك إحصاء النساء في كل موقع مقرر، في البرلمان، الحكومة، الأحزاب، المواقع الإدارية العليا في الشركات، المؤسسات التعليمية…ليتم الخلوص لاستنتاجات اجتماعية بعد هذا الجرد الكمي يتوقف عليها سياسات ومشاريع وتقديم عروض إضافية للتمويل. لقد أولى هذا الخطاب أهمية كبيرة لعدد النساء في المجلس التشريعي الأول وقارنها بعدد النساء في المجلس التشريعي الثاني وهكذا دواليك، دون أن يتجرأ هذا الخطاب ويسأل نفسه السؤال البسيط: هل النساء في مواقع صنع القرار ( التشريعي والحكومي) مثلن، وبالضرورة، موقفاً تقدمياً من قضايا النساء- قانون الأحوال الشخصية، قانون العقوبات، تعدد الزوجات، التشريع المدني؟

وما عقَّد الأمور أكثر أمام هذا الخطاب هو هيمنة حماس ونسائها على المجلس التشريعي (وموقف الأصولية معروف للناشطات النسويات الليبراليات)، وبالتالي كانت النساء من حماس، كنساء، في موقع صنع القرار، وقد جرى تعيين وزيرة من حماس على رأس وزارة المرأة، فهل اختلف واقع النساء بشيء نتيجة وصول المرأة مثلاً للوزارة.؟

هل هناك حاجة لتذكير الناشطات النسويات من أصحاب هذا المطلب أنه في العديد من الحالات يكون الرجل صاحب موقف تقدمي من المرأة ودورها ومكانتها وتحررها، أكثر من المرأة نفسها؟ يبدو أن هناك حاجة للتذكير بذلك. فالمسألة بالنهاية ليست في جنس مَنْ يتخذ القرار بل في موقف مَنْ يتخذ القرار، إمرأة كانت أم رجل، تلك بديهية فحسب.

·                 إن هذا الخطاب يقيم وزناً، كما يظهر، للمؤشرات الكمية على حساب المؤشرات النوعية. بالملموس فهذا الخطاب يقيم وزناً لعدد النساء في مواقع صنع القرار، أكثر مما يقيم وزناً لمؤشرات نوعية مرتبطة بالثقافة والموقف الأيديولوجي. وتميل المنظمات غير الحكومية إلى هذا المقياس إجمالاً. انظر على سبيل المثال ما ذهبت إليه سريدا عبد الحسين( مركز الإرشاد، 2001). وعبد الحسين لا تعالج موقف المرأة بقدر ما تعالج كم النساء في موقع القرار، الأمر الذي يبدو بتصورنا شكليٌ للغاية. وفي ذات الاتجاه عالجت إصدارات مركز الإحصاء المشاركة السياسية للنساء مثلاً. أما جميل هلال فيبدو أكثر علمية إذ يدمج بين تحليل الإحصاء الكمي لعدد النساء في مؤسسات القرار مع تحليله لنضال النساء المرتبط بالحقل السياسي ككل.

إن هذا الغرام بالمقاييس الكمية له جذوره في المدرسة الأمريكية في العلوم الاجتماعية والتي تستند لمنهجية تحويل الظواهر والمشكلات لأرقام إحصائية لا تقول كل شيء بالنهاية. وطالما أن الإحصاء علم يمكن استثماره للكذب بجدارة فهو العلم المحبذ عند تلك المدرسة، والتي تنهل منها ناشطات المنظمات النسوية دون تمحيص.[7]

وبالضبط، فكما أن المؤشرات الإحصائية للفقر لا تقول مَنْ هو السبب الرئيسي، ومثلما يموه متوسط الدخل، كمؤشر اقتصادي، كل التفاوت الحاد طبقياً في المجتمع، فإن الرقم الإحصائي للنساء في مواقع صنع القرار لا يقول شيئاً ذا أهمية إلا لاستخدام الأرقام كمؤشرات احتفالية لا أكثر. للتوضيح، يمكن الافتراض منطقياً أن نساء حركتي فتح وحماس قد شكلتا نصف قوام المجلس التشريعي الفلسطيني، فهل سيكون هذا مؤشراً مثلاً على أن قضية تحرر المرأة ( لا مساواتها لان ذلك الشعار ليبرالي بامتياز) قد خطت خطوات للأمام؟ أم أننا بحاجة لثقل يساري تقدمي من الرجال والنساء داخل المجلس التشريعي لانتزاع تشريعات تقدمية.[8]

 

وبعد،

يمكن ملاحظة أن الشعار/ المطلب أعلاه يختزل ويكثف كل خصائص الخطاب الليبرالي الجديد، ويفتح بالتالي فضاء التحليل على الدور الثقافي، بالمعنى الشامل، الذي تلعبه أوساط الفئات الوسطى في بعض المنظمات غير الحكومية، والنسوية منها بشكل خاص.

 

 

 

 

 

 

[2] –  نعني هنا بالخطاب التحرري الوطني ذلك الخطاب الذي ميز خطاب فصائل منظمة التحرير لعقود، وتعبيره الأبرز ما عُرف بالبرنامج الوطني لمنظمة التحرير. وواضح أننا نستثني منه الخطاب التحرري الإسلامي الذي يميز خطاب حماس وحركة الجهاد.

[3]  ليس من ممكنات المقالة أن تناقش أسباب هذا الانتقال الفكري “والوظيفي” لأقسام واسعة من الفئات الوسطى إلى مواقع المنظمات غير الحكومية. إنه انتقال تحيل أسبابه على تراجع المشروع التحرري من جهة، وهزيمة الاشتراكية البيروقراطية في الاتحاد السوفيتي والبلدان الحليفة، وتنشيط التمويل وأجندته السياسية.

[4] في جوني، عاصي.النظرية والايدولوجيا في العلاقات الدولية منذ نهاية الحرب الباردة. معهد إبراهيم أبو لغد للدراسات الدولية. جامعة بيرزيت. 2007. ص 35.

[5] كريب، إيان. النظرية الاجتماعية من بارسونز إلى هابرماس. ترجمة د. محمد حسين. سلسلة عالم المعرفة 244. الكويت. من الفصل الثالث حتى الفصل العاشر.

[6]  غليون، برهان و أمين، سمير. ثقافة العولمة وعولمة الثقافة.دار الفكر المعاصر، بيروت-لبنان ودار الفكر، دمشق- سوريا. ص 80

[7] – من الممتع التذكير بكتاب هام معروف لجمهور المختصين بالإحصاء وهو How to Lie with Statistics

[8] الأمانة تقتضي التنويه أن يسارية المرأة والرجل في فلسطين، والعالم الثالث عموماً لا تعني بالضرورة موقفاً تقدمياً من المرأة، فالبنية الاجتماعية لها ما تقوله حتى في تركيبة اليساري ثقافياً، ونستذكر هنا حديث لينين حول القشرة الرقيقة التي تغطي رأس اليساري العالم ثالثي إذا حككتها تجد تحتها موقفاً رجعياً من المرأة ومن الدين.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق