أحوال عربيةأمن وإستراتيجيةنافذة للمحرر

تآمر إسرائيل وتركيا يهدّد الأمن المائي العربي…

 

*مصطفى قطبي

إن مجرد إلقاء نظرة على الواقع المائي العربي، وهو لا يقل تراجعاً عن واقعه السياسي، يدرك أننا في حاجة إلى أهمية قبول التحدي لننجح ولو لمرة في إدارة ملف مهم وخطير وحيوي ومصيري مثل ملف المياه لأنه ببساطة يرتبط بالحياة نفسها،  فلا يمكن أن ننتظر حتى نموت عطشاً ثم نبدأ في التفكير. فما يحدث في ملفات السياسة لا يصلح في ملف المياه! “لا أمن عسكرياً لأمة خارج أمنها الاقتصادي، وذروة الأمن الاقتصادي هو الأمن الغذائي، ولب الأمن الغذائي ومنتجه هو المياه”… هكذا يُحدد الاقتصاديون متواليات الدولة القوية، والتي تبدأ من المياه، وحسن تدبير استغلالها واستثمارها وحمايتها والحفاظ عليها.

ففي ظل وجود أثر كبير لأزمة المياه المتعمدة على الأمن القومي العربي لابد من التنبه إلى أخطر العوامل الرئيسة المهددة للأمن القومي العربي، والتي تكمن بإسرائيل ودورها في تحريك أزمة المياه المهددة للأمن القومي العربي مستغلة علاقاتها مع بعض الدول، وبخاصة تركيا وأثيوبيا باعتبارهما الخزان الرئيسي للمياه العربية (الفرات- دجلة- النيل) ولديهما تطلعات لاستغلال علاقاتهما مع إسرائيل والولايات المتحدة، والظروف الحالية التي تمر فيها الأمة العربية والمنطقة لإقامة المشاريع المائية على حساب حصة الدول العربية، لذلك لعبت إسرائيل دوراً وضيعاً في تشجيع هاتين الدولتين لإقامة السدود على منابع الأنهار المغذية للوطن العربي لحرمان العرب من حصتهم المائية في خرق فاضح للاتفاقات الدولية الضامنة لمصالح الأطراف المتشاركة في مياه الأنهار.

فالتدخل التركي وبشكل خفي وغير مباشر لصالح إثيوبيا المائية (سد النهضة) ضد السودان ومصر، ولإشغال الأخيرة عن جبهة ليبيا الساخنة، تهدد تركيا الأمن القومي المصري، عبر دعم الإرهابيين وجلب المرتزقة من كل حدب وصوب، ليس فقط لنهب ثروات هذه الدول المومأ إليها وحسب بل لتهديد الأمن القومي العربي بشكل مباشر. فتركيا الوحيدة في المنطقة التي تتمتع بمخزون كبير من المياه، ولابد هنا من لفت الانتباه إلى ما قامت به تركيا في الآونة الأخيرة في إطار الإخلال بالأمن المائي العربي وانتهاك الاتفاقيات الدولية الخاصة بتقاسم المياه بين الدول. 

فتركيا انتهزت فرصة متانة علاقاتها مع إسرائيل والولايات المتحدة، وتقارب المصالح والأهداف فيما بينها وبينهما للشروع في استغلال مياه نهري دجلة والفرات على حساب دول المصب العربية، مستفيدة من الأوضاع السائدة في المنطقة عموماً، والعراق وسورية تحديداً من أجل حرمان البلدين العربيين من حصتهما من مياه النهرين ما يعني نشوء مخاطر مائية تهدد البلدين من جميع النواحي، فالعثماني الجديد يملأ سدوده ويحرم سورية والعراق من الشريان الأساسي الذي يغذي أراضيهما، ألا وهو نهرا الفرات ودجلة.

أما أثيوبيا فهي الأخرى أيضاً استغلت الظروف نفسها للتحرك باتجاه إنشاء سدود جديدة تهدد بحرمان السودان ومصر من حصتهما في مياه نهر النيل بشكل يهدد أمنهما المائي، وها هي إثيوبيا وبالتنسيق والتعاون مع إسرائيل ومع العثماني الجديد، تبدأ بملء سد النهضة لحرمان السودان ومصر من شريان الحياة الذي يغذي هذين البلدين ألا وهو نهر النيل، وقد أعلنت أديس أبابا انتهاء المرحلة الأولى من ملء السد. وقال وزير المياه والري الإثيوبي سليشي بقلي، إنه “تم تخزين 4.9 مليارات متر مكعب من المياه في بحيرة سد النهضة خلال المرحلة الأولى للملء”، معتبرا أن “هذه الكمية لم تؤثر على حصتي دولتي المصب مصر والسودان! 

ويبدو أن الحلقة المستهدفة الأولى من كل ذلك هو الأمن القومي المصري، والماء جزء لا يتجزأ منه، فاللعب في حصة القاهرة من مياه النيل يعني أن البلد الأكبر في الوطن العربي مهدّد بالعطش والجوع وربما أشياء أخرى، فلماذا الآن ومن يقف وراء ذلك، هل لذلك علاقة بإسرائيل وحلمه المزعوم “من الفرات إلى النيل”، وما علاقة تركيا أردوغان بتهديد الأمن المائي العربي؟

نذكر هنا في سياق محاولات تركيا المحمومة للعب على ورقة المياه من أجل الابتزاز السياسي، إعلان تركيا في نهاية عام 2010 عن توصلها مع الجانب الإسرائيلي الذي يعاني أزمة مياه إلى اتفاق تبيع بموجبه خمسين مليون متر مكعب من المياه سنوياً إلى إسرائيل مدة عشرين عاماً، ناهيك بمشروع تأمين المياه للشطر الشمالي من قبرص التي تسيطر عليه تركيا المعروف بـ”مشروع القرن” وكل ذلك على حساب الحصة العربية من المياه، هذا عدا عن السدود التي تشيدها تركيا على أراضيها. 

وفي هذا السياق نشير إلى أن السيطرة على المياه العربية تعد هدفاً استراتيجياً لإسرائيل، وأن مطامعها كبيرة جدا وخطرة من حيث استخدامها للمياه كعنصر أساس في الصراع العربي ـ الإسرائيلي، لارتباط المياه بخطط إسرائيل التوسعية والاستيطانية في الأراضي العربية، ومن هنا نجد أطماعها في الموارد المائية العربية كنهر الأردن وروافده ونهر اليرموك وينابيع المياه في الجولان السوري المحتل وأنهار الليطاني والحاصباني والوزاني في لبنان.

ولابد من الاعتراف أنّ أزمة سد “النهضة” فتحت الباب مجدداً على ما يُعرف بـ “الأزمات الصامتة” في العالم العربي، أي الأزمات المتعلقة بالأمن المائي، وهي أزمات وجودية لا تقل تهديداً عن الأزمات العسكرية والحروب، بل هي أخطر، لأن العدو يستهدف الدول العربية بمياهها، وليس سراً أن “إسرائيل” وأمريكا تقفان بصورة أساسية وراء استهداف الأمن المائي المصري عبر استهداف حصتها في مياه نهر النيل… والأهداف لا تخفى على أحد. 

وإسرائيل تبقى المصدر الأكثر تهديداً على هذا الصعيد، فقد سرقت المياه العربية في فلسطين بعد استيطانها، ثم زادت في معدلات استغلالها للمياه العربية الجوفية في الضفة وغزة بعد الاحتلال إلى درجة التهديد بنضوبها وهددت وتهدد الأردن ولبنان في مياهها (نهر الأردن، نهر الليطاني) وتحاول البحث عن صورة من صور استغلال مياه النيل ومدخلها إلى ذلك الضغط على مصر عبر أثيوبيا. وجاء التدفق الكثيف للمهاجرين من دول أوروبا الشرقية ليزيد من أطماع إسرائيل في المياه العربية، ولنا أن نتصور مستقبلاً تذهب فيه إسرائيل إلى سرقة المزيد من المياه العربية، إنه لن يكون إلا على حساب على حساب مصيرنا.

هكذا تبدو اللوحة غير مشجعة، بينما يغط كثير من العرب في النوم، متجاهلين ما يتهددهم. وليس ثمة شك في وجود علاقة عضوية وطيدة بين الأمن المائي والاستقلال الكامل، الاقتصادي والسياسي، فتحقيق الأول يسهم في ضمان تحقيق الثاني، كما أن فقدان الأول يؤثر موضوعياً في  الثاني، إن دولة لا تستطيع تأمين ثروتها المائية من مخاطر التبذير وسوء التصرف اللاعقلاني في الداخل، ومن مخاطر السيطرة الخارجية على بحار ومحيطات يفترض أن تكون نقطة قوة لها هي دولة عاجزة عن ضمان أمنها الاقتصادي والغذائي.

ومن هذا المنطلق يجب التنبه للأخطار الإسرائيلية والتركية المحدقة والمتزايدة، التي تدعونا للسؤال من أين يشرب 450 مليون عربي في الأعوام القليلة القادمة إذا استطاعت إسرائيل تنفيذ مخططاتها ولم تجد من يردعها عن غيها وغطرستها تلك؟! 

لابد لنا أن نستفيق، فحروب المياه المستقبلية في المنطقة هي حروب إستراتيجية بالغة الخطورة والجدية، وعلى العرب أن يولوها الاهتمام المطلوب، ومن منطلق أن الأطماع الإسرائيلية والتركية في المياه العربية منفلتة ومن دون ضوابط، ولا نبالغ إذا قلنا إن هذا الاهتمام الإسرائيلي بخاصة بالمياه العربية قد بدأ منذ مؤتمر “سان ريمو” في إيطاليا عام 1920 والذي قُسّمت فيه سورية الطبيعية. اهتمام ما زال يتصاعد حتى يومنا هذا، ويشمل إضافة إلى مياه النيل مياه الأردن حتى جبل الشيخ وقطاع حوران، حتى نهر الأعوج جنوب دمشق، كما لا نبالغ إذا قلنا إن تركيا الحليف الاستراتيجي لـ”إسرائيل” قد استوعبت الدرس ودخلت حرب المياه مع سورية والعراق، وهي تقوم بقطع مياه الفرات ودجلة، مستغلة ظروف الحرب الكونية على سورية والعراق، ولاسيما بعد مجيء ترامب إلى البيت الأبيض حيث السيطرة الأمريكية وكسر الأعراف والمواثيق والقوانين الدولية. 

خلاصة الكلام: إن دولة لا تستطيع بناء سياسة دفاعية تؤمن حقوقها المائية، وترفع من درجة استعدادها الأمني لدرء الأخطار العسكرية البحرية هي دولة تعجز ـ تماماً ـ عن ضمان استقلالها السياسي، وحين تفقد الدولة قدرتها على تأمين الغذاء لشعبها ـ وحين يصبح مستعصياً عليها ـ بالتدريج ـ أن تستوعب الحاجات الاقتصادية المتزايدة بسبب فقدانها للحد الأدنى من السيطرة على ثرواتها فإن وجهتها عادة ما تكون هي الالتجاء للخارج للاستدانة مع ما يتبع ذلك من قبول منها ـ اضطراري ـ للتبعية والتخلي عن جزء من سيادتها، ويضعها، موضوعياً، تحت رحمة القوى الدائنة، وقد شهدنا كيف كانت الحياة السياسية لكثير من دول العالم الثالث تدار من حكومات الظل المرتبطة مباشرة بصندوق النقد الدولي والبنك العالمي، بصورة تحولت معها البرامج والمخططات الحكومية إلى تنفيذ لتوصيات هذه المؤسسات المالية المدارة من عواصم الغرب الكبرى.

باحث وكاتب صحفي من المغرب.

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إغلاق
إغلاق