أحوال عربية

المهام العاجلة للحكومة السودانية

محمد مهاجر

لقد صاحب تكوين الحكومة الانتقالية في السودان عدة أخطاء, أدت في مجملها الى انقسام واضح بين المكونين العسكرى والمدنى. والنتيجة هي ان العساكر اصبحوا يتصرفون بمعزل عن المدنيين وبحرية تامة وكانهم يتبعون لحكومة موازية. هذا الامر ليس خافيا على احد, فمثلا يمكن للشرطى في وزارة الداخلية ان يتوقف عن خدمة الجمهور فجاة وبلا مبرر واذا ساله المواطن يتعلل بضعف شبكة الانترنت قائلا:” الشبكة طشت”. والعميل يفتح هاتفه فيجد ان الانترنت تعمل فيفهم ان العسكرى انما يتذرع. لكن المواطن يصمت لان الخيار الثانى يكون ثمنه العقاب من عسكرى تحميه مؤسسته وان خرق القانون عنوة.

نعم هنالك أزمات عاجلة يعانى منها المواطنين ويقع على عاتق الحكومة امر حلها, ومع ذلك يستوجب الامر الإسراع في إيجاد الحلول الجذرية للمشاكل الرئيسية التي أدت الى الازمة الحالية. أولها ترك فلول النظام السابق يتحركون بحرية في دواوين الحكومة ومؤسسات الدولة المختلفة والأجهزة العدلية. هذا الامر أدى الى تمكنهم من تعطيل الكثير من القوانين والمحاكمات والقرارات والاجراءت والإدارات والمرافق الحيوية والقيام باعمال تخريب من الداخل. والحكومة عاجزة عن اتخاذ اى خطوات حاسمة ضدهم لان المكون العسكرى يقوم بحمايتهم.

لقد قامت لجنة تفكيك التمكين بمجهودات جبارة للتقصى في اثار تمكين سدنة العهد البائد وفسادهم وسرقاتهم لكن اصطدم هذا العمل بعدة عقبات ثم توقف في الأسابيع الأخيرة. والمعلوم ان الكثير من الموظفين والاداريين في الخدمة المدنية والعسكرية لم يخضعوا لمعايير توظيف سليمة انما أتوا عن طريق سياسة التمكين التي ابتدعتها حكومة المخلوع البشير لاحلال منتسبى الحركة الإسلامية محل الموظفين الاخرين. هؤلاء السدنة ما زالوا يتحركون بحرية في دواوين الحكومة ومؤسساتها ويعملون على تعطيل قرارت الحكومة وافشال سياساتها. وما لم يتم الإسراع في معالجة هذا الامر فان الحكومة ستصبح كمن يحرث في البحر.

ان المهمة الثانية هى قيام المجلس التشريعى والذى يعد ضرورة ملحة. وهو المجلس المنوط به اعداد واجازة وتعديل القوانين. واهم الاجندة التي تنتظر بإلحاح ان يبت فى امرها هى الوثيقة الدستورية والتي ينتظر ان تعدل حتى تنسجم مع اتفاقية السلام. ثم ياتى اصلاح الأجهزة العدلية وذلك بتعديل قوانينها وإعادة تنظيمها وتنظيفها من الذين يعطلون العدالة. وكذلك تنتظر المجلس الغاء القوانين المقيدة للحريات وتلك التي تتعارض مع مبادئ واهداف الثورة. يضاف الى ذلك تعديل قانون القوات المسلحة حتى تسهل عملية الدمج وإعادة التنظيم لان حال هذه القوات الان يستوجب ان تتم عملية دمج ممنهجة وان تحل ميليشيات النظام السابق الموازية مثل قوات الدفاع الشعبى وكتائب الظل وغيرها.

والثالثة هي وأد سياسة التمكين واثارها. ان تساهل وتعاون المكون العسكرى مع فلول العهد البائد شجعتهم على الاستمرار في تخريب الاقتصاد الوطنى بممارسة الاحتكار والتهريب وكافة اشكال الفساد. كذلك ساهم تواطؤ ذلك الثنائى في تعطيل قرارات لجنة تفكيك التمكين وتعطيل محاكمات فلول النظام. ان مرتكب الفساد لا يرعوى من تلقاء نفسه فهو عديم الضمير, ولن تستطيع ردعه سوى القوانين الصارمة الفعالة والرقابة القوية المستديمة من الدولة ومن الشعب.

أخيرا ينتظر ان تنتظم البلاد مواكبا في الأسبوع القادم. ان تسيير المواكب والاعتصامات حصرا على توفير الخبز والوقود لن يثمر الا خبزا ووقودا. وما دامت الراسمالية الطفيلية نشطة فانها سوف تختلق أزمات أخرى من اجل ملأ جيوبها المكتنزة من معاناة الشعب. لذلك فان من الخطل ان نكتفى بحلول مؤقتة لا تلمس جذور الازمة. واحيانا كثيرة يكون الصبر, رغم مرارته, افضل بكثير من سد ثغرة فتنفتح بعدها ثغرة أخرى وهكذا دواليك.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إغلاق
إغلاق