أمن وإستراتيجيةالصحافة الجديدةدراسات و تحقيقات

اللجان الإلكترونية وتطورها

حنان محمد السعيد

منذ أن انطلقت ثورة الإنترنت في القرن الماضي وصار هدف الحكومات الاستبدادية السيطرة على هذا الفضاء الرحب الذي تنتقل فيه المعلومات بسرعة فائقة، وتجد أعرق الصحف ووكالات الأنباء في بعض الأحوال نفسها عاجزة عن ملاحقة ما يتم بثه عليه من أخبار وما يتناقله رواد مواقع التواصل الاجتماعي من أحداث وأراء.
ولذلك تم ابتداع ما يعرف باللجان الإلكترونية للحد من الحرية التي منحها الإنترنت للناس، ولتوجيه الرأي العام واصطياد المعارضين لسياسات الأنظمة القمعية.
وكل معارض على مواقع التواصل الاجتماعية يعرف هؤلاء جيدًا ودخل معهم في نقاشات عبثية لا طائل منها حتى أيقن أن الحوار معهم عقيم وغير مجدي، فهم ليسو مجرد أشخاص عاديين يعتنقون فكرًا مخالفًا وإنما هم موظفون ملتزمون ببث أفكار محددة مهما كانت كاذبة وغير منطقية وغير متفقة مع العقل والواقع المعاش أو الحقائق التاريخية.
وخلال فترة قصيرة صار من اليسير على أي شخص التعرف على هؤلاء واعتبارهم بمثابة “ذباب الكتروني” لا يستحق عناء الرد عليه ولا قيمة له على الإطلاق.
ولذلك كان من الضروري أن يتم تطوير هؤلاء ومنحهم المزيد من الأقنعة للعمل من خلفها واجتذاب المعارضين للتعامل معهم بوسائل أخرى لا تخطر على بال أحد.

تجربتي الشخصية

لقد كان من السهل بالنسبة لي أن أتخلص من أغلب الحسابات التي تحمل الطابع المعتاد والتقليدي للجان الإلكترونية فأغلب هذه الحسابات تكون حديثة بأسماء مستعارة تحمل في مضمونها معاني الوطنية أو الانتماء لرئيس الدولة.
ولكن مع الوقت اكتشفت أن هناك حسابات أخرى يتخذ اصحابها طابعًا محددًا لجذب أصحاب هذا التوجه ومن ذلك الإخواني والسلفي والمسيحي والناصري والليبرالي والاشتراكي، ومن هؤلاء يقوم بتلميع نظامًا معاديًا، أو يحن إلى عصر الملكية، أو ينتمي لشخص ما.
وهؤلاء لا يمكنك اكتشافهم إلا بعد وقت، ولقد لفت نظري إليهم تواجدهم على مدار اليوم في كل يوم وعدم إغفالهم لأي حدث بدون التعليق عليه ما يعني أنه ليس لديهم وظيفة أخرى يقومون بها أو حياة إنسانية يعيشونها وإنما هم أشبه بموظف سوشيال ميديا يبث منشورات على مدار اليوم ويشارك في نفس الحساب عدة اشخاص بحسب فترة العمل.

التطور الغير طبيعي للجنة الإلكترونية

أما أكثر ما يثير الدهشة هو خروج موظفين اللجان الإلكترونية للواقع، ومطاردتهم للمعارضين في حياتهم الخاصة.
ولقد تعرّضت أنا نفسي لهذا النوع من المطاردات، فلقد سكن في الشقة التي تعلو شقتي منذ أربعة سنوات أسرة لم تتوقف لحظة لمدة ثلاثة سنوات عن إحداث ضجة غير طبيعية على مدار اليوم طوال أيام الأسبوع، وفي أحد المرات اعترفت لي المرأة أنهم موجهون من أحد الأجهزة الأمنية لإيذائي بسبب نشاطي في مجال الكتابة على الإنترنت، وبعد الثلاثة سنوات افتعلوا شجارًا معي، ثم دخلوا على منشور كنت قد كتبته على مجموعة من مجموعات الفيسبوك الخاصة بسكان المنطقة التي أعيش بها لبث الكثير من الأكاذيب والاختلاقات عنّي، وعندما دخلت على حساب الزوج وجدت حسابه بمثابة أكبر تجمع للمنتمين لجماعة الإخوان المسلمين ووجدت منشورات له يدعي فيها أن أخيه قد تم قتله في ميدان رابعة من قبل عناصر الشرطة!!
لقد كان لحساب هذا الشخص نشاطًا على الإنترنت مماثل تمامًا لنشاط اللجان الإلكترونية المطورة، ولكن المدهش حقًا أن يتم توجيه هؤلاء لإحالة حياة المعارضين جحيمًا في منازلهم أيضًا! إضافة إلى أنهم لا يتخصصون في صنف محدد من المعارضين فهم مثل الكلاب المدربة يتم توجيههم لأي صاحب رأي مخالف سواء يمينيًا أو يساريًا!
بعد هذه الواقعة رحل هذا الشخص ومن معه من الشقة، وسرعان ما استبدلوه بشخص أخر يمارس نفس الأفعال الجنونية من الطرق على الجدران وعلى سقف غرف النوم ليلًا ونهارًا والجري المتواصل 24 ساعة يوميا سبعة أيام في الأسبوع وكأنهم لا حياة لهم ليحيوها ولا يجلسون أو يأكلون أو ينامون أو يخرجون لشراء شئ أو زيارة أقارب أو للعمل!!
إن المنطقة التي أسكن فيها تكاد تكون خالية من السكان حيث أن نسبة الشقق الشاغرة فيها تزيد عن 70% من إجمالي الشقق، ما يعني أن خروج ساكن وإيجاد ساكن أخر في نفس اللحظة ليحل محله أمر يكاد يكون مستحيلًا في ظل هذه الظروف، والأن نحن مازلنا نعاني دون أن نجد من يستمع لشكوانا أو يخلصنا من اللجان التي خرجت إلى الواقع بكل ما فيها من غباء وقدرة على الكذب والافتراء والإيذاء ولم تعد إلكترونية فقط.
إن النظر إلى ما يتكلفه هؤلاء من أموال ضخمة تتمثل في رواتبهم ومصاريف الشقق التي يقطنون بها وأجهزة التجسس والتتبع التي يستخدمونها تعطيك فكرة عن حجم التبديد الذي يلحق بالمال العام لمطاردة أصحاب الرأي الحر، وعلى الجانب الآخر فإن السارق وخاطف الأطفال والنصاب والغشاش وتجار المخدرات والأعضاء يتمتعون بحرية أكبر مما لدينا نحن!

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إغلاق
إغلاق