ثقافة

الكتاب المسدس

أكثيري بوجمعة

كثيرة هي البرامج التي تتحدث عن الكتاب، وكثيرة هي المبادرات التي تعمل على تشجيع فعل القراءة لشعوب عربية أكثرها لا يقرأ، لن اتحدث هنا عن النيات، لكنني أشير إلى أن هناك من يبادر من أجل الاستفادة من الدعم الزهيد المقدم من قبل الدولة….هذه التفاصيل هي الأخرى لن أخوض فيها لأنها تثير سخط قلمي….عليك إذن قارئي الكريم، ألا تستغرب إن رأيت مثل هؤلاء يسترزقون باسم “مجتمع يقرأ”.
لنعد أدراجنا للحديث عن الكتاب، وقراءة هذا الكتاب من داخل المجتمع بعيدا عن “بروباغندا” المؤسسات والجمعيات والمنظمات التي تجعل من مسألة تشجيع القراءة، وسيلة استرزاقها. خصوصا عندما توهم بأن تخصيص يوم للقراءة كفيل بتعلم أبجدياتها. وهذا في رأينا دور غير مكتمل عندما لا تشاع ثقافة القراءة طيلة أيام السنة، وعندما تغدو هذه الثقافة حكرا على فئات معينة دون غيرها، إلى جانب تركيزها على فعل القراءة دون التفكير في توفير شروط ملائمة لممارسة هذا الفعل التعليمي التثقيفي داخل المجتمع، من قبيل: القيام بأيام اشعاعية لميزة القراءة في المقاهي وفي الشواطئ والمنتزهات والمحطات…حتى يتم التعود على جسد الكتاب بيننا نحن ساكني هذا المجتمع. علينا التأكيد على أن الكتاب ولحد الآن مازال غريبا في الأوساط العربية، فيكفي أن تحمله حتى تتوجه إليك الأعين، وكأنك تحمل مسدسا…أعلم أن الكتاب بهذه الشاكلة مسدس غير أنه محشو بالمعرفة، وطبيعته التأثيراته استفزازية تعني: اقرأ فأنت لا تقرأ أنت تضيع وقتك، وتذهب إلى قبرك بدون علم، رسالة “الكتاب المسدس” لا تخرج عن هذه الرسالة اللغم. ولك تجربتي الشخصية مع القراءة في هذه الأفضية التي تحدثت فيها آنفا عن ضرورة التركيز عليها، عندما تريد خلق مجتمع مؤهل للقراءة، مجتمع يسمح بالقراءة ويعي أهميتها لدى مختلف شرائحه…إلخ. لا مجتمع مازال بعض مواطنيه يُعيقونها، وهذا ما جرى لي في احدى المقاهي بإحدى العواصم العربية عندما ذهبت رفقة شخصين بإيعاز منهم، بحكم كوني لست من رواد جلسات المقاهي الطوال بدون معنى، فعندما استليتُ كتابي الذي يرافقني، قفزت عينا احدى رفقائي من محجريهما، وتلعثم بعدما أن أخذت الصفرة من وجهه القمحي مأخذا، فقال: عليك بإخفاء كتابك هذا، لأن صاحب المقهى يمنع تصفح الكتب من قبل زبنائه، وهذا قانونهم هنا. استقبلت كلامه هذا بذهول وضيق، أي قانون هذا الذي يمنع كتابا يقرأ؟ في قرارة نفسه هو يعلم أنني قادر على أن احتج بمغادرتي المقهى أو عدم الامتثال لقانونها المتخلف هذا…لكنه يعلم في الوقت ذاته أنني سأضع في حسباني عدم كهربة أجواء هذه الأمسية. التزمت الصمت وشرعت في التفكير، لأتوصل كاحتمال وارد أن رفيقي هذا لا يريدني أن أقرأ، لكنه يريدني مثلا: أن أنصت لحديث المقاهي، الذي يقال فيه كل شيء دون أن يقال أي شيء. صحيح أنني لم أستوعب بعد طبيعة هذا الموقف، غير أن المؤكد أن رفيق المقهى هذا لديه الجواب؛ جواب يلخص فلسفته أو فلسفة صاحب المقهى، مفاده أن كل شيء مباح إلا أن تحمل كتابا.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إغلاق
إغلاق