رأي

الفوضى الخلاقة أو فرانكشتاين :

 

 

فرانكشتين هو باحث استطاع أن يخلق مسخا بعث فيه الحياة بحثا عن التميز والإبداع وتأكيدا لعبقريته. لقد دخل فرانكشتاين حلبة الأرباب وصار ربا خالقا وككل خالق واجه تمرد مخلوقه كما تقتضي قصص الأرباب دوما. تمرد المسخ وكان أن ألحق الأذى بخالقه من خلال قتل من يحبهم. ولأنه مسخ لم يتورع عن شيء ولم يمنعه شيء من الانتقام لأن الذي خلقه رفض أن يعطيه ما يريد.

هذه الرواية التي كتبتها الكاتبة البريطانية ماري شيلي في بداية القرن التاسع عشر معبرة اشد التعبير عن الإرهاب المعولم، فالإرهاب المعولم هوالمسخ الذي الذي صنعته الفوضى الخلاقة ثم انفلت من كل عقال وصار يضرب أنى يخطر له متخذا من إلحاق أكبر قدر من الأذى بالجميع أداة للانتقام. وليس فرانكشتاين في حالتنا هذه إلا أرباب الفوضى الخلاقة الذين ركزوا كثيرا على تأجيج المشاعر الدينية والتلاعب بقضايا الأقليات والنعرات القبلية والطائفية في المجتمعات التي لم تبلغ طور الحداثة الفعلية من أجل إثبات عبقرية في التحكم بالعالم وإعادة تنظيمه بعد أن انهارت الثنائية القطبية.

وربما كان من المجدي أن نقول إننا لا نتبنى نظرية المؤامرة ولكننا ننطلق من معطيات مهمة من كتابات كتاب أمريكيين من أمثال هنتنغتن أو روبرت لايكن ومن لف لفهم من زعماء المحافظين الجدد من ارفينغ كريستول إلى صقور إدارة بوش الذين مازال أغلبهم فاعلين في السياسة الخارجية الأمريكية. لقد عملوا على أن يقسموا العالم على أساس ديني محض واعتبروا أن العلاقات الدولية صراعية في أصلها مستندين إلى فلسفة هوبس وحديث كارل شميث عن العدو الضروري. ولم يكن أمامهم إلا صناعة العدو أو صناعة المسخ الذي سيؤكد نظرياتهم. ولم تكن الغاية من صناعة العدو سوى المحافظة على التلاحم الداخلي بتخويف مواطنيهم ثم القضاء على الهجرة والتعدد الثقافي داخل المجتمعات الغربية.

لقد كانت الفوضى الخلاقة محاولة لنقل الحرب والفوضى إلى عالم العدو وفضائه الجغرافي. وقد تعالت أصوات تطالب أروبا بطرد المهاجرين فروبرت لايكن في مقال له بمجلة فورين أفارز ينبه الأروبيين إلى خطورة مواطنيهم من المسلمين من الجيل الثالث الذين يحملون جنسيات تخول لهم التجول في أروبا ودخول الولايات المتحدة بكل حرية. لقد كان المسعى نقل الفوضى إلى فضاء البربرية هناك في الشرق الأوسط ليتقاتلوا فيما بينهم بعيدا عنا. وقد نجح الأمر نسبيا فكم من الشباب الأوربي التحقوا بداعش وكشفوا عن وجوههم ومنعت بعض الدول الغربية عودتهم.

غير أنه من الحري بنا القول أن المسخ لم يولد من فراغ ولم تخلقه الفوضى الخلاقة من فراغ وإنما في ثقافتنا أشلاء ممزقة ومسوخ جنينية عرف الخالق الجديد كيف يصنع منها هذا المسخ. ففي ثقافتنا مازلت القبلية والطائفية والمذهبية والعنف باسم المقدس والذبح آليات التعامل ومولدات العنف والمعنى. ثقافة أبعد ما تكون عن الحداثة تزداد عنفا مع كل ضغط للتحديث وتزداد العودة إلى الماضي إلى الجذور. ويزداد جرحها النرجسي حين اكتشفت أنها لم تعد أنها خير امة أخرجت للناس. فإذا المسخ ليس مسخا مشوها فحسب وإنما مصاب بمرض نفسي يجعله ينتقم من الجميع وأولهم ذووه وأقاربه ولكنه لا ينسى أن يوزع الألم على الجميع.

والضحايا درجات فحين يضرب المسخ في أرضنا نكون جميعا ضحايا وحدنا فنحن القاتل والمقتول وكلنا متهمون ومنعوتون بأننا المسوخ. وحين يضرب المسخ هناك عند الكبار ويكون القتلى منهم والقاتلون منهم بالجنسية وقتها يتذكر الجميع أن المسخ في الأصل من هناك من وراء البحر . وهنا نحن أيضا الضحية والتشنيع علينا أكبر وكلنا متهم لأنه ولد في الشرق الأوسط حتى وإن كان ممن لا يؤمن بأي دين.

وتبدأ الحملة على كل من ولد في بلاد تسمى إسلامية. فتظهر على سبيل المثال حملة قف إسلام وهنا بودي أن أقول انه ليس هناك شيء اسمه إسلام وإنما هناك مسلمون، كما ليس هناك مسيحية وإنما هناك مسيحيون. وينبغي أن نقول هنا أن المسخ أيضا له أباء كثر وليس لقيطا إنه معولم ونتاج زواج التبضع. وفي أفعال المسخ وضحاياه ما يثبت أن المقصود هو الإنسانية كلها فهو يضرب الجميع دون تمييز. وحتما يكون الضحايا من غير الذين صنعوا المسخ ولا مولوه ولا يهمهم وجوده إلا من جهة أنه ينغص عليهم حياتهم. ويبلغ صانعو المسوخ غايتهم بنشر ثقافة الخوف وكراهية الآخر. وأمام حملات الكراهية يعود الجميع إلى حصونه ويتمترس الجميع دفاعا عن أناه وخوفا من الآخر. وتنطلق حملة قف إسلام فيواجهها المتهمون في دينهم فترى خبراء على القنوات التلفزية يدعون أنهم يقاومون الإرهاب يتحولون إلى مدافعين عن عظمة الإسلام بمنطق الإسلام هو الأعظم وهو الحل، وذاك منطق الدواعش، إنها منتهى السريالية.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق