أمن وإستراتيجية

العلاقة بين الاعلام والمؤسسة العسكرية من منظور الاعلام التفاعلي

سعد سلوم

في مقال كتبه كيفين اندرسون حمل عنوان “الحرب على العراق في نظر كاتبي المذكرات الالكترونية” ونشر في بي بي سي نيوز ، أشار الكاتب الى انه غالبا ما يشار إلى الحرب في فيتنام على أنها أول حرب تنقل على التلفزيون، أما الحرب على افغانستان و العراق فستعرف بأنها أول الحروب التي تصور في مذكرات الانترنت.اذ يلاحظ الكاتب ان هناك جيلا جديدا من كاتبي المذكرات على الانترنت (بلوغرز) من الجنود في الولايات المتحدة، والذين عرفوا باسم كاتبي المذكرات الالكترونية العسكريين (مل-بلوغرز)، فهم يقاتلون في الميدان ويكتبون عن خبراتهم ومشاهداتهم على شبكة الانترنت. وهذا بدوره يفتح نافذة جديدة على الحروب الحديثة ويخلق نوعا جديدا من الكتابة وهي الكتابة عن الحروب.
وفي رأينا فأن ذلك قد يؤدي الى ظهور افضل انواع السرد عن الحرب ، مباشرة من الميدان ومن قبل الاشخاص المنخرطين في النزاع والذين تبتعد رؤيتهم عن البرود العقلاني او التسجيل الانطباعي الباهت ، وسرعة التفاعل مع هذه الظاهرة وانتشارها دليل على أن القراء يفضلون الذاتية والحميمية والنزعة الانحيازية الواضحة والمباشرة التي تبدو ظاهرة في “البلوغ” على الموضوعية المزيفة والحيادية الكاذبة في الاعلام الرسمي وغير الرسمي يضاف الى ذلك ما تتيحه الظاهرة من كسر قيود الاعلام الموجه حتى ان الجمهور لايعرف مقدار الحواجز والقيود والتشويه الذي تتعرض له عملية تغطية النزاعات المسلحة ومن يقرأ كتاب بيتر يونغ وبيتر جيستر الموسوم “الاعلام والمؤسسة العسكرية” والذي قام بترجمته للعربية “مركز الامارات للبحوث والدراسات الاستراتيجية” يعرف ان المشهد الذي غالبا ما يعرضه الاعلام عما يدور في النزاعات يتميز بالمبالغة والتشوية ففي حرب الخليج 1991 على سبيل المثال ظهرت بعد الحرب ، صورة مختلفة ، فهناك معارك لم تتم تغطيتها على الاطلاق ، وان صورة التقنية الفائقة التي لعبت دورا حاسما في الحرب قد تم تضخيمها كما توجد أدلة قوية على ان الاعلام قد تم التلاعب به بدرجة لم تعرف من قبل في الانظمة الليبرالية الغربية ولقد تم تهميش دور الاعلام ومنع من المشاركة الفعالة في رصد ما يدور بالفعل في مسرح العمليات وقد تحقق ذلك عن طريق نموذج من السيطرة تم اعداده جيدا بحيث يسمح للمؤسسة العسكرية والحكومة بكسب التأييد الجماهيري .
كتاب “الاعلام والمؤسسة العسكرية” يحلل العداء الراسخ والطويل الامد بين المؤسسة العسكرية والاعلام منذ منتصف القرن التاسع عشر وحتى اواخر القرن العشرين ويصل الى استنتاج مهم مفاده ان نظام المؤسسة العسكرية للتلاعب بالاعلام الذي نشأ في حرب الفوكلاند وتم اختباره في حملة غرينادا ثم صقل في حملة بنما واستخدم على اكمل وجه في حرب الخليج الثانية سوف يكون هو الاسلوب المتبع مستقبلا .
هذا الاستنتاج صحيح بقدر كبير بالنسبة للحرب في العراق 2003 اذ جاءت المذكرات الالكترونية(البلوغ) كرد فعل او اصرار على وجود اعلام فعال وقادر في مواجهة المؤسسة العسكرية.والدليل ان الكثير من مذكرات الحرب التي كتبها عدد كبير من “البلوغرز” قد بدأت للرد على ما رأوا أنه تحيز في وسائل الاعلام وتشويه للحقائق وتحول كبريات وسائل الاعلام الى مجرد جهاز دعائي أو واجهة تضفي الشرعية وتحقق التعبئة الجماهيرية لاغراض الحرب وبالتالي عدم وجود فاصل او هوية مستقلة للاعلام عن المؤسسة العسكرية ، وربما تجاوز رد الفعل الكتابي هذا لغرض ابعد يتمثل بايصال الحقيقة للرأي العام بحقيقة ما يحدث بالفعل في الميدان وهذا تعبيرعن فقدان الثقة في عمل وسائل الاعلام وتصاعد الاحساس بمقدارالتحيز في تغطياتها و حجم الرغبة في الرد على الأكاذيب التي غرقت بها الصحافة الغربية خلال الحرب على العراق مثل امتلاك العراق لاسلحة نووية وما شابه مما أفقدها ثقة القاريء. وبذلك اخذت مذكرات الحرب تعرض نسخا تلقائية ومباشرة وغير معدلة عن “حقيقة ما يحدث” ازاء النسخة الانتقائية وغير المباشرة والمصححة عن الحرب ، والاهم انها مكتوبة من قبل جنود مقاتلين في الخطوط الامامية للحرب تتعرض حياتهم للخطر في كل لحظة وبالتالي يكون لايصال الحقيقة لديهم اهمية قصوى وليس من قبل صحفيين مرافقين للقوات يتلقون رواتبهم لاداء عمل يتعرضون فيه لشتى الضغوط وتتعرض قصصهم للتنميط واعادة القولبة .
الا ان المؤسسة العسكرية لم تقف مكتوفة الايدي ازاء هذه الظاهرة التي تتعارض مع طموحاتها الاستراتيجية اذ بدأ مسؤولون عسكريون حملة ضد كتابات الانترنت التي لا تقف عند حدود أو قيود .وتعرض بعض البلوغرز إلى عقوبات تأديبية لنشر معلومات حساسة أو مخالفة قيود عسكرية أخرى في كتاباتهم. لكن هذا لايعني ان كتابة مذكرات الحرب تنحصر في هدف تجاوز قود المؤسسة العسكرية على الاعلام فحسب مقال كيفن اندرسون فأن “البلوغرز” يكتبون لاسباب متنوعة فالكثيرون ينشرون مذكراتهم لاتاحة الفرصة لاسرهم وأصدقائهم لتقييم حياتهم في مناطق الحرب، وآخرون يفعلون ذلك كنوع من ممارسة التعبير عن الذات، وآخرون هم كتاب رائعون يبحثون عن منفذ لافكارهم ومشاعرهم.
مع ذلك فأنها من وجهة نظرنا تؤشر على الحقائق التالية :
1- “البلوغ” تفعيل حقيقي لحق الجمهور في الوصول الى المعلومة واكتشاف الحقيقة وهو الحق الذي لاتقوم حرية الرأي والتعبير بدونه
2- قد يصبح للمعلومات المنشورة اصداء دولية عندما تتبنى رواياتها وكالات الاعلام العالمية ومن ثم تصبح خطوة مهمة في الرغبة في التغيير وتحقيق التأثير المنشود
3- تكشف “البلوغ” مقدار الخضوع الذي يعانيه الاعلام من قبل المؤسسة العسكرية ومقدار التسخير والتلاعب الذي يتعرض له وانه محاصر بسياسات الاحتواء والرقابة وانه لا بد ان ينظم نفسه كهوية منفصلة عن المؤسسة العسكرية كي يؤدي دوره المنشود في رقابة الرأي العام.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إغلاق
إغلاق