أمن وإستراتيجيةدراسات و تحقيقاتفي الواجهة

العلاقة الشخصية في السياسة الدولية و القنوات الدبلوماسية

 

مروان صباح

/ قد يكون العربي تحديداً ، يغرق أو بالأحرى ينتعش عندما يقع في هذا المحيط ، محيط الشعارات الممزوجة بالأماني والعزم والبسالة ، وعلى مرّ العقود الحديثة ، حاول من وصل إلى سدة الحكم أن يمرر الشعارات ويثبتها في الفكر الجمعي ، فكانوا على الدوام يحاولون تجذير فكرة الزعيم القوي كمصطلح مرادف للدولة القوية ، لكن في الحقيقة أن كرامة الإنسان والوطن ، هما المرادف للحرية والقوة وهذا ، لكي يحصل يحتاج إلى تغيير الواقع على الأرض كما يجري اليوم في مصر 🇪🇬 ، وفي كل مرة كانت مصر تتعرض إلى خطر   يهدد تاريخها وجغرافيتها وثقافتها ، كان الشعب يأخذ زمام المباردة ويعيد بوصلة القاهرة للعروبة والإسلام وهذا بالفعل حصل في الثورة الشعبية الأخيرة والذي إنتفض الشعب المصري من أجل 👍 الإطاحة بالحقبة السابقة ، بل أكثر من ذلك ، كان الشعب العربي في تونس 🇹🇳 والجزائر والمغرب 🇲🇦 وليبيا 🇱🇾 ومصر 🇪🇬 يراهن على أن الثورات ستشمل القارة الأفريقية بالكامل وتحريرها من الهيمنة الإسرائيلية ، وبالتالى ، لم تتوقف محاولات الدول الكبرى 🇺🇳 في تأمين مصالحها فيها ، في المقابل ، سعى الجانب المصري العربي إلى مواجهة قبلئذ وبعدئذ ، الاستعمار والصهيونية في أفريقيا ، لكن الحقبتين السابقتين ، السادات ومبارك ، ساد خلالهما الكسل المؤسساتي الذي أتاح للحليف الجديد ( الإسرائيلي ) تحويل أفريقيا من مناصر وقارة داعمة لمصر إلى معادية / منخرطة في وضع الخطط الاستراتيجية التى تسمح لتل ابيب بالهيمنة على مقدراتها ومحاصرة مصر 🇪🇬 ، وهذا الانخراط إقتصر على الحكومات ، لأن سوء التفاهم بين الشعوب يمكن فكفكته عبر توسيع الترجمات أو الهجرة المتبادلة أو التعرف على ثقافات البعض من خلال الطعام وغيره ، لكن أفكار النخب تحتاج إلى أفكار مضادة وهذه الأفكار كانت مصر 🇪🇬 قد شهدتها في آواخر العصور الوسطى من مفكرين ودارسين للقوتين الصاعدتين فرنسا 🇫🇷 وبريطانيا 🇬🇧 عندما وضعوا مصر 🇪🇬 تحت المجهر من أجل  استعمارها لاحقاً ، فتدفق إليها الدراسين لكي ينقلوا بدقة كافة مناخي الحياة داخلها ، ابتداءً من الطعام والعمران والعلوم والفنون والمساجد والكنائس وبالطبع شمل ذلك مراقبة تراجع الدولة العثمانية فيها ، ورصد خلافات القوى السياسية التى وصلت آنذاك إلى حد تمزيق الدولة ، وطبعاً ، الذي فرض على فرنسا 🇫🇷 التوجه إلى الشرق هو فقدان مستعمراتها في كندا والهند ومناطق آخرى ، فوجدت بمصر الموقع البديل والأرض الخصبة والنيل والبحرين الأبيض والأحمر وخططت لإنشاء قناة السويس لكي تعوض خزينتها عن الخسائر التى تكبدتها في أكثر من مكان .

وعلى أكثر من نحو ، بدائي ورفيع في الواقع ، عكست خطابات نابليون إلهاماً ساحقاً في صفوف الشعبوية الفرنسية من خلال مفردات وعبارات خاصة ، تبنت بدورها تأمين الحملة العسكرية 🇫🇷 الأشهر على مصر🇪🇬 تحت ذرائع أخلاقية كبرى ، مثل ( إنقاذ الشعب من ديكتاتورية المماليك والمساهمة في نقل الحداثة الفرنسية ) ، وبالفعل بفضل الزراعة والنيل وقناة السويس تمكنت فرنسا 🇫🇷 في تطوير حداثتها على حساب خيرات مصر ومستعمرات أخرى ، لكن ما صنعه المستعمر إجمالاً على مدى قرون طويلة ، أحدث مظلومية واسعة في العالم الثالث وتحديداً في الهند 🇮🇳 والقارة الأفريقية، لهذا مسألة سد النهضة بالنسبة للإثيوبيين تُعتبر نقلة جوهرية ستعكس على مجمل إنحاء البلاد بالتنمية ، هناك خيرات كبيرة سيجني الاثيوبي من تخزين المياه وتحويلها إلى كهرباء ⚡ وبالتالي الزراعة ستنشط والمراعي على اختلافاتهم ستتضاعف وتأخذ منحاً تنظيمياً، فإثيوبيا 🇪🇹 ستصبح في المنظور القريب بلد مصدر كبير للكهرباء بقدرة 6 ألف ميجاوات وستوظف في هذا المجال على الأقل 15 ألف فرصة عمل ، في المقابل ، سيتضاعف الإنتاج الزراعي والمواشي مرات ، وهذا يفسر لماذا كان التصويت 📦 لصالح حزب ابي أحمد علي رئيس الوزراء / الجبهة الثورية الديمقراطية الشعبية كثيف ، لكن تبقى إثيوبيا 🇪🇹 من الناحية العسكرية متواضعة الامكانيات بالنسبة لقدرات المصرية ، جميع سلاح الجيش الإثيوبي حتى الآن كان الاتحاد السوفياتي العنصر الأهم في تمويله ، بل السوفيات ساهموا في دعم إثيوبيا بجميع حروبها مع الصومال 🇸🇴 أو ارتيريا وبلغت إحدى تمويلات السلاح ب 6 مليارات دولار ، في المقابل ، الجانب المصري يتفوق عسكرياً بجميع الجوانب على اثيوبيا خاصةً وافريقيا عموماً ، فالتسلح المصري متنوع وحديث ، أعتمد منذ زمن على السلاح الأمريكي 🇺🇸 والفرنسي 🇫🇷 والروسي 🇷🇺 ، ايضاً المسافة بين البلدين عنصر أساسي ، فالطريق برياً بعيدةً وتحتاج إلى طائرات ✈ قادرة على الوصول للأهداف وايضاً القواعد العسكرية والبحرية في البلاد المجاورة تلعب دوراً جوهرياً ، التى تفتقدها حتى الآن إثيوبيا 🇪🇹 ، عكس مصر 🇪🇬 ، فمصر أصبحت في مجال الغواصات قوة كبيرة ، رقم 16 عالمياً وسلاحها الجو يعتمد على الرفال الفرنسي وال F16 الأمريكي وهذا تفوق أخر .

هكذا تعلمنا من التاريخ ، فالبلاد التى تعتمد نظام العشوائي لا تضيء بدورها أنوارًا قبل أن تخمد سواها ، ولا تعبد طريق قبل أن تهدم شقيقه ، وفي بلد تعداد سكانه بإزدياد مستمر مثل مصر ، لا ينفع معها نظام عشوائي النهج ، طائش ، فارغ من الخطط ، لهذا ، كانت الصين 🇨🇳 مبكراً عالجت بإقتدار مسألة التصحر في مناطق واسعة ، الذي دفعها إلى الاستعانة في إدارة الموارد المائية ، وبالتالي لديها خيرة كبيرة في مجال تكرير المياه والتقطير واعتماد الري الليلي بدل من الصباحي ، لأنه يجنب تبخر الماء ، وذلك يصب كله في صالح الزراعة ، فلبلد يحتاج حسب تعداده السكاني الحالي إلى 115مليار متر مكعب وهو لا سواه يعاني بصراحة   من تصحر وهطول الأمطار ، وإذا حسنت نوايا اثيوبيا ، بالمؤكد سيستفيد السودان 🇸🇩 من كهرباء ⚡ السد وايضاً سيوقف الفيضانات السنوية التى عادةُ تقتل الزرع وتهدم البيوت والبنية التحتية ، بل السد بالنسبة للسودانيين ، إذ ما صدقت النية الاثيوبية سيكون الري في المناطق المتاخمة يسير ونافع ، لكن دون إتفاق ملزم لا أحد يضمن في المستقبل حصص المياه للبلدين ، هل ستبقى على ما هي ، أو   سيتم تقليلها تحت ذرائع مختلفة ، في المقابل ، مازال القلق مشروع حول البنية التحتية لسدد ، لا أحد يعرف بدقة جودة البناء ، بالطبع ، خيارات مصر 🇪🇬 متعددة في مسألة تنويع مصادر المياه ، وبعيداً عن الخط التقليدي لمجرى النيل ، هناك مياه   بحيرة فيكتوريا والبحرين الابيض والمتوسط يمكن مضاعفة التحلية ويمكن ايضاً تفعيل قناة وبشكل سريع موازية للنيل ، وهذا ايضاً ينطبق على حوض بحر الغزال وكذلك على قناة جونقلي بين السودان ونهر النيل .

لا عجب من جانبي للعلاقة الروسية الإثيوبية ، فإن العلاقة الدفيئة ليست وليدة اللحظة ، ابداً ، وهنا 👈 لا بد من التميز بين الإتحاد الروسي والإتحاد السوفياتي ، فالعمل الدبلوماسي المصري لا يعتمد في الأصل وهكذا يتوقع المرء أو من المفترض ، على حسن النوايا أو على الزعل أو الرضى ، بل لا بد للعلاقات الدبلوماسية أن تفهم تماماً كما هي وعلى ماء بيضاء ، لأن ببساطة موسكو اليوم ليست موسكو الشيوعيه بقدر أنها أقرب إلى الإمبراطورية القيصرية ، وبالتالي ، مراجعة التحالفات القيصرية السابقة واجب دبلوماسي ، وهو أمر فطن ومغري في ظروف متشابها لهذه الظروف ، كان التاريخ ترك في دفاتره علاقة صلبة بين موسكو واديس بابا والمسكوبية في القدس والجالية اليهودية ✡ ، وربما يبدو أو هكذا أعتقد، لأنني لا أملك معلومات دقيقة ، لكن ربما إتفاق اليوم بين الطرفين ( الروسي والاثيوبي ) مبني على إتفاق قديم كان يوماً ما ، والذي تكلل في الشروع لبناء 🔨 الطاقة النووية السلمية .

ما يفرض على الأرض 🌍 من حقائق أولية ، لا يمكن التعاطي معها إلا ضمن المنهجية الواقعية السياسية ، والذي أعنيه هو ، أن مساحة التحرك تتقلص ، في المقابل ، تتقدم البراغماتية السياسية وتشهد تفاقماً كبيراً ، أي الجميع يسعى إلى كسب من الترهل الحاصل مكاسب خاصة ، ومن ناحيتي أعتبر هكذا ، وهو بالمناسبة يظل موقفي ، بأن عبدالناصر لم يكن فقط شخصية كارازمتية ، استطاعت تحويل غضب الناس إلى انشراح أو الهزيمة إلى نصر قادم أو القمع إلى مصلحة وطنية يتوجب على كل وطني قبوله ، بل الرجل كان واحد ☝ من قلة لديهم معرفة عميقة بعلم الاستراتيجيات ، وهذا العلم جعله يعرف الفرق بين التكوين الاجتماعي بين ارتيريا وإثيوبيا ، فالارتيريون كانوا إلى جانب المصريين في جميع حروبهم ، يقاتلون جنباً إلى جانب القوات المسلحة المصرية دفاعاً عن مصر 🇪🇬 ، وهذه المواقف التى دفعت بعبدالناصر لكي يقدم كل الدعم لهم من أجل 🙌 أن ينالوا حقهم بالاستقلال عن إثيوبيا 🇪🇹 ، لأنه باختصار كان يعرف نوايا اثيوبيا وإسرائيل الساعيتين لبناء السد الذي يمكن له حبس المياه عن السودان 🇸🇩ومصر 🇪🇬 .

ولعل تاريخ من التفرد في القرار هو ما يدفعنا إلى الذهاب إلى النقض الساخن ، لم يكن السادات حراً بالكامل فيما يخص بالأمن القومي المصري ، لكن الرجل إنقلب على سياسات عبدالناصر تماماً عندما ابتعد عن أفريقيا والشؤون العربية واستسلم للحليف الإسرائيلي الجديد ، اعتقاداً منه ، أن الحلف سيؤمن لمصر مكانتها ، لكن المصائب التى ولدت من أحلام الوهم لا يمكن لها أن تتوارى أو تختبئ مهما طال الزمن ، لأن ببساطة ، هناك حقائق لا بد من مواجهتها على كافة المستويات . والسلام ✍

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إغلاق
إغلاق