رأي

العصا لمن عصا و رحم الله زمن العصا

 

سيرين فوزي

القلم والكلمة، العلم والحكمة، آيتان عظيمتان سُخرتا للإنسان حتى يُنار طريقه ليميز بين الحق والباطل، ليخرج من حلقة الظلام إلى حلقة النور، ليرى العالم بألوان مختلفة، بألوان زاهية ومتفتحة، خلق الله القلم فقال له كن فكان، ثم خلق الإنسان فعلمه البيان، وجدت الكلمة فكان معها الإبداع، تعلم الإنسان ثم اجتهد بعد كل المراحل فتوارثنا العلم جيلا بعد جيل، وصلنا للقرن العشرين ونحن نتوارث العلم ونبدع بما منه الله علينا من فضله. أبدعنا، تطورنا، زرعنا فحصدنا، ولكن هل حافظنا على موروثنا الثقافي والعلمي أم لا؟، هل توارثنا الرسالة النبوية أم جهلنا بعد وفات النبي؟، النبي الذي خلقه الله وعلمه، فلم يجحد من علمه فعلم أصحابه فأصبحوا من بعده معلمين أكفاء . حملوا رسالة التعليم علَّموا أجيالا بعد أن عُلِّموا فأتموا رسالتهم على أحسن وجه، فكانوا خير معلم لأفضل التلامذة، كانوا يعطون للعلم قيمته الحقيقية وللمعلم منزلته المستحقة، قم للمعلم وفه التبجيلا …… كاد المعلم أن يكون رسولا . هكذا حدثنا الشاعر عن فضل المعلم وعن مكانته المستحقة وصدق الشاعر فيما قاله، لان المعلم هو ذاك الشخص الذي تجرد من أنانيته وتنازل عن حياته من اجل حياة غيره، فالمعلون هم من أشعلوا قناديل النور لينيروا بها حياتنا في الظلمات الحالكات وعلمونا الفضيلة وسقوننا من كأس الأمان، المعلم هو الوسيلة والأداة التي ننشئ بها جيلا متعلما ومتحضرا، أن حذفنا منزلته ضاع المعلم وضاع المتعلم وخلقنا عداوة الجهل بيننا لنكون جيلا جاهلا، والجهل يهدم حضارة دولة كاملة، يفعل الجاهل بجهالته ما لا يفعله المستعمر في بلاد مستَعمَرَة رغم إمكانياته العتادية من سلاح وصواريخ ودبابات، ففرنسا عندما دخلت الجزائر بقوتها وغطرستها لم تحقق أي نتيجة، هدمت أصوار البنايات و أسقطت دورها ثم فشلت، فالتجأت إلى أخبث سلاح على وجه الأرض ألا وهو تجهيل الشعب وتسمى بحرب الفكر وهذا غزو ما بعد الاستقلال، فقام أبطال من الجزائر الحبيبة وشمروا على سواعدهم فانشأوا حلقات يدرسون فيها العلم وأمثال هؤلاء الأبطال نذكر عبدالحميد ابن باديس والبشير الإبراهيمي وغيرهم وهنا استوقفتني مواقف عبدالحميد ابن باديس الذي حين سئل عن عدم تأليفه للكتب قال ” إن ألفت الكتب اليوم فمن سيقرأ لي غدا ” وكان مقصوده واضحا كوضوح الشمس أي أنه كان يود ترسيخ العلم في أذهان الشعب وانشغل بتعليمهم بعيدا عن التأليف لأنه إن اشغل نفسه بتأليف الكتب لم يجد وقتا يدرس ويعلم فيه الشعب وخاصة في ظروف الحرب الهمجية وتكالب الأعداء على هذا الوطن الحبيب ، وبعدما فشلت فرنسا في هذه السياسة القذرة بفضل من وقف في وجهها استسلمت. فاخذت الجزائر استقلالها والحمد لله، تنعمنا بالاستقلال ولكننا أضعنا حق المعلم وحق المتعلم لنعيش بيننا غزوا فكريا، فالمعلم له دور كبير في تلقين العلم وتكوين الإنسان ذاتيا وتكوين حضارة الأمم . إن لم نعط للمعلم حقه كمعلم وللمربي حقه كمربي وللمدرب حقه كمدرب أهملنا أشياء كثيرة قد تكلفنا ما لا طاقة لنا به ” من علمني حرفا صرت له عبدا ” وفي المقابل نجد أن التلميذ لا يحترم أستاذه و يستصغره أمام زملائه، صحيح قد يخسر التلميذ في النهاية والخسارة قد تكون من صنع نفسه ولكن نقول ما فائدة الأستاذ و ما وظيفة المعلم وما هدفه؟ إن كان يتعب نفسه في شرح وتبسيط الدروس بينما التلميذ أو المتلقي لا يستفيد من دروسه وكأنه يصرخ في واد، أننا نعيش في زمن يهان فيه الأستاذ ويستصغر في عين التلاميذ دون الاكتراث إلى ما يقدمه من عطاء، ما الذي ننتظره بعد كل هذا؟ من لدينا يقدم الدروس ويعلم الأجيال غير المعلم إلى متى سنبقى على هذا الحال؟، ألا ننظر إلى حال أبنائنا الذين استنكرتهم أحضان المدارس بسبب طيشهم وعدم المبالاة بالمعلم، ألا ننظر إلى حال هؤلاء الأبرياء من التلاميذ، الأستاذ في المدارس يهان والتلميذ يدفع الضريبة جراء سلوكياته والسؤال الذي يطرح نفسه هو من أوصل التلاميذ إلى هذه المرحلة ؟ سنحاول أن نجيب عنه في هذا المقال، فالتنظروا إلى عظمة الرسالة التي يقدمها المعلم بكل صدق وإخلاص ، فالتلميذ مثلا في الطور الابتدائي يمر بمرحلة صعبة خاصة وانه لا يجيد حتى نطق الحروف بطريقة سليمة وجيدة فتجد المعلم في المقابل يبذل مجهودا كبيرا لتعليم هذا الولد تعليما صحيحا لان الطفل الصغير صفحة بيضاء ما كتب عليها رسِّخ ، يلازمه المعلم إلى أن تشتد عضلة لسانه فيميز بين الحروف في النطق ثم الفهم فيتكون تدريجيا إلى أن يستطيع الجمع بين الحروف ليشكل الكلمة ثم ينتقل إلى المرحلة الموالية فيستطيع ربط الكلمات مع بعضها البعض ليشكل جملة صحيحة وبعد اجتياز اختبار مرحلة التعليم الابتدائي ينتقل إلى مرحلة التعليم المتوسط فيأخذ من العلوم ما يأخذ، انتقل من مرحلة الى مرحلة، وفي التعليم المتوسط قد يقوم التلاميذ بعدة طوائش في الأقسام كالفوضى وفي هذه المرحلة يرتفع قليلا مستوى الدراسة ليلزم التلميذ ببذل جهد أكثر حتى يحقق نتيجة أفضل ولكن التلاميذ اغلبهم يكتفي بمعدل مقبول تحت شعار متداول بينهم “المهم ننجح” هذا بالنسبة للفئة المتوسطة والغير قابلة لهضم العلوم فتمر السنون مر السحاب فينظر التلميذ ليجد نفسه امام اجتياز اختبار نهاية مرحلة التعليم المتوسط. هل سينجح أو يكون من الراسبين؟ وبعد اجتياز الاختبار ينتظر النتيجة لتعلق القائمة التي تحمل أسماء الناجحين ان رسب سيعيد السنة لا محال او سيرمى خارج أسوار المدرسة أما بالنسبة للناجحين فهم مقبلون على أصعب مرحلة ألا وهي مرحلة التعليم الثانوي، ليس من ناحية البرنامج السنوي المقرر من طرف الوزارة بل من الناحية الفيزيولوجية التي يمر بها التلميذ ، لان الكثير من التلاميذ يمرون بمرحلة سن المراهقة فيرى نفسه انه اكتملت رجولته ونضج عقله وهي مرحلة خطيرة تجعل أبناءنا يعيشون في أوهام فيجب مراعاتهم، فيحتك بالكثير من التلاميذ فتكثروا الأفكار السلبية وهي عدم احترام الأستاذ وعدم الاستماع إليه يحدث هذا بتشجيع الأبناء لبعضهم البعض فيتنافسون بينهم في كل يوم ” من سيلعب دور من ؟” يحدث كل هذا بسبب عدم اعطاء للتلاميذ دروسا تحسيسية توعوية من طرف المؤسسات التربوية، لان التلميذ لا يعرف مصلحته الشخصية في هذه المرحلة ، فنجد التلاميذ يخاطبون أنفسهم في المقاهي والشوارع بنفس اللغة وبنفس اللهجة ويحفظون نفس الجملة فتجدها متداولة بينهم في كل ما إن أردت أن تطرح سؤالا يتضمن النصيحة فيقول التلميذ بصريح العبارة ” نبرد قلبي في الأستاذ وإذا ما نجحتش نقاجي وإلا نروح نخدم على روحي ” ولهذا نرى أكثر نسبة ترسب من التلاميذ في هذه المرحلة، وفي هذه المرحلة بالذات يحتاج التلميذ إلى متابعة من طرف الأسرة الأب والأم والإخوة والأسرة التربوية أكثر من مرحلة التعليم المتوسط من خلال إعطائه دروسا تحسيسة وتكوينية لا باس بتذكيره بفوائد الدراسة حتى لا يحس بالتسيب فيتبع هواه وكل ما يمليه عقله إلى أن يفشل في مساره الدراسي فينظر إلى نفسه فيجدها في الشارع تتسكع بين الأزقة يبحث عن العمل فيفشل ويلتجئ إلى طريق الهاوية فينحرف، يتعاطى المخدرات ويذهب إلى المسكرات وبعد مرور سنين من الضياع يلتفت إلى أصدقائه الذين كانوا معه في الصف فيجدهم إطارات فمنهم الطبيب ومنهم المهندس ومنهم الأستاذ ومنهم من أصبح دكتورا في الجامعة هنا تصيبه الخيبة ويندم في يوم لا ينفع فيه الندم فيعرف قيمة العلم ويتفكر ويحس بقيمة الأستاذ ويحاسب نفسه إن كان له ضميرا، آه لو أني درست آه لو أني لم أفعل كذا وكذا فأقول له عزيزي التلميذ لو فكرت في قيمة المعلم والتعليم ما وصلت إلى هذه الحال خاصة وأننا نعيش في زمن التكنولوجيا والبحث عن العلم بكل سهولة فالعلم يأتينا ويزورنا حتى وان كنا في ديارنا، انظر إلى السلف الصالح كيف كانوا يأخذون العلم كانوا يشقون البحار من اجل معلومة واحدة ينفع بها نفسه وكيف كانوا يوقرون المعلم ويحترمونه وتحضرني قصيدة الإمام الشافعي رحمه الله قال:

اصبر على مر الجفا من معلمٍ ….. فإن رسوب العلم في نفراتـه

ومن لم يذق مر التعلم ساعـة…… تجرع ذل الجهل طول حياته

ومن فاته التعليم وقت شبابـه…… فكبـر عليـه أربعا لوفاتـه

وذات الفتى والله بالعلم والتقى ……إذا لم يكونا لا اعتبار لذاتـه.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق