الصحافة الجديدةرأي

العدسة والمسدس

سعود سالم

في بعض الأحيان وتحت ظروف خاصة، هناك صور عنيدة، تجتاز الزمن وتتحدى السنوات وتتشبت بمخالبها في الذاكرة، وتبقى حية تتململ في الذهن طوال سنوات عديدة دون أن ينالها أي نوع من الضعف أو الخفوت ولا تبهت أو تفقد بريقها مع مرور الأيام. ومن هذه الصور التي رآها ملايين القراء في جميع أنحاء العالم، الصورة التي التقطها المصور “كيفن كارتر”Kevin Carter أثناء فترة المجاعة في السودان، مارس 1993 “النسر الذي ينتظر موت الطفلة الجائعة. وكذلك صورة المصور Franck Fournier “فرانك فورنييه” للفتاة الصغيرة “Omayra Sanchez أومايرا سانشيز” التي بقيت سجينة لمدة ثلاثة أيام بين الطين والأنقاض بعد انفجار بركان “نيفادو ديل رويز Nevado del Ruiz” في كولومبيا. وهناك صورة اللاجئة الأفغانية ذات العيون الخضراء “شاربات جولا” لستيف ماكوري Steve McCurry في يونيو 1984 والتي سميت ” البنت الأفغانية ” ولم تعرف هويتها إلا بعد ستة عشرة عاما. وكذلك صورة الشاب الصيني الذي يتحدى قوة الدولة الصينية ويوقف رتل الدبابات بجسده خلال الانتفاضة في ميدان “تيانانمن” في عام 1989، الصورة التقطها “Jeff Widener جيف وايدنر”. أما “إدي آدمز Eddie Adams ” من جانبه فقد صور العقيد قائد الشرطة في سايجون وهو يطلق النار بمسدسه على رأس ثائر فييتكونغي، وقد قال آدامز بهذا الخصوص “إن العقيد قتل الأسير، وأنا قتلت العقيد بالكاميرا.” وهناك أيضا الصورة الشهيرة للفتاة الفييتنامية “كيم فوك Kim Phuc ” عارية تجري هاربة من قنابل النابالم الأمريكية والتي صورها “نيك اوت Nick Ut “. وقريبا منا هناك صورة الطفل الفلسطيني “محمد الدرة” الذي صوره “طلال أبورحمة” لقناة فرنسية وهو يحتضر بين ذراعي والده في منطقة قريبة من غزة أثناء الإنتفاضة الثانية، وأصبحت عنصرا رئيسيا في الحرب الإعلامية بين إسرائيل والفلسطينيين. أما أقرب الأمثلة لنا فهي صورة الطفل السوري “إلان” على الشاطيء التركي والذي أكتشفت جثته “نيلوفر ديمير Nelufer Demir”، الصحفية التركية عندما كانت تتمشى على الشاطيء في صباح الإربعاء 2 سبتمبر 2015 ورأت جثة الطفل من بعيد بقميصه الأحمر وسرواله الأزرق ووجهه في التراب. لم يكن بالإمكان فعل أي شيء للطفل الغريق، فقط إلتقاط صورته ومشاركة العالم في صرخته المكتومة والتي لم يسمعها أحد. وفي خلال ساعات معدودة أحتلت هذه الصورة لشاطيء بوردوم التركي الصفحات الأولى لصحف العالم قاطبة .. ما عدا الصحف الفرنسية التي رفضت في الأيام الأولى نشر الصورة، غير أنها رضخت في نهاية الأمر ونشرت بدورها صورة الطفل الغريق. هذه أمثلة عن أهم هذه الصور، والتي في الغالب ما يحصل موقعيها على جوائز عالمية مثل جائزة بوليتزر وغيرها المخصصة لمصوري الأحداث والحروب والكوارث الطبيعية. ولذلك نرى أن الزوبعة السياسية التي يمكن أن تثيرها صورة ما، تندثر عادة خلال أيام معدودة، وننسى وجود هذه الصور والواقع الحقيقي لموضوع الصورة. وان ميزة هذه الصورة هو وجودها بطريقة سلبية. فهذا العدم الذي ينخر الصورة من الداخل هو الصفة الاساسية والجوهرية التي تجعل منها عملا “مؤثرا” ومثيرا للعواطف. رغم ان الصورة الصحفية كصورة “آلان الغريق” أواللوحة او القطعة الشعرية او الموسيقية لها وجود مادي حقيقي يرتكز عليه العمل الفني ذاته، فإن اللوحة بصفاتها المادية ـ الورق الكادر ـ الالوان ـ القماش ..الخ. لاتشكل الصورة ولا محتواها التعبيري في جوهره. انها المواصفات المادية التي تسمح للصورة بالظهور في لحظة معينة، لحظة التقائها بعين المشاهد، او باذن المستمع، والذي يخلق في تلك اللحظة الصورة كعمل فني ويعطيه وجوده. غير انه يخلقه بطريقة عدمية بالنسبة لقوانين الوجود المادية. يخلقه بطريقة غامضة. انه نوع من الوعي السلبي ـ الوعي الخاص الذي يخلق عالما خاصا خياليا منفصلا ومتعاليا عن العالم الحقيقي، وبمجرد ان يقفل المشاهد عينيه، يختفي هذا المحتوى الفني، وتعود اللوحة إلى شيئيتها المادية، وتغوص في صمتها وعزلتها الأبدية كشيء. ولذلك نرى أن الزوبعة السياسية التي يمكن أن تثيرها صورة ما، تندثر عادة خلال أيام معدودة، وننسى وجود هذه الصور والواقع الحقيقي لموضوع الصورة. فالصورة ليست سوى إنفعال وقتي ومؤقت للعواطف الإنسانية المباشرة. ولذلك يلجأ الصحفيون والجرائد والمجلات التجارية الكبيرة إلى “إصطياد” الصور في مهرجانات الحرب والكوارث الطبيعية بحثا عن دموع القراء والتي تتحول بفعل السحر الإقتصادي إلى دولارات. ولكن إنتشار التصوير الرقمي والهواتف النقالة القادرة على التصوير بجودة عالية، زاد في أهمية الصورة وانتشارها بين جميع طبقات المجتمع، وفي نفس الوقت قلص من تأثيرها وأهميتها في المجتمع نظرا لأنها أصبحت في متناول الجميع ولم تعد محتكرة من قبل مراسلي الحرب أو الصحفيين المتخصصين في نقل المناظر المثيرة . يجب طرح موضوع الصورة إذا كمشكلة فلسفية وفنية ونفسية تشكل حقلا صناعيا واقتصاديا وسياسيا شديد الأهمية.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إغلاق
إغلاق