ثقافة

العدالة كانتقام

الأستاذ المسعودي محمادي

“….غير أن المرء متى فكر في تلك الآلاف من السنين من تاريخ الانسان ، فإنه قد يحكم دون تردد بأن العقاب هو الذي عطل تطور الشعور بالذنب، كأقوى ما يكون على الأقل بالنسبة للذين نزل بهم عنف العقاب…و حينها بقي المتهم ممنوعا من أن يشعر بفعلته كأمر مشين في ذاته..”
نيتشه

تبدو في أحايين كثيرة أحكام و قرارات القضاة بالنسبة لفئة عريضة من الأشخاص، نوعا من الحرمان المشرعن، حرمان من الحرية، أو من الحياة ،حينها يغدو العقاب انتقاما منظما و ليس فعلا مطلقا من أفعال العدالة ، على اعتبار أن النظر إلى العقوبة من زاوية الردع و التصدي فحسب،يعبر عن رؤية ضحلة وسطحية، قد يقول قائل بأنه من الأمور الطبيعية أن تكون العقوبة رادعة للناس عن ارتكاب الجريمة، أو عاملا مساعدا في اصلاح و علاج الجرائم، لكن القول بأن الطبيعة الجوهرية للعقوبة تكمن في هذه الغايات ، ليس له ما يبرره ، كون العدالة الحقة هي التي تنظر إلى العقوبة على أنها صمام أمان ضد مشاعر الانتقام الشخصي ، لا على أنها انتقام منظم و مشروع، فالعقاب هو فعل من أفعال الارادة الكلية بتعبير هيغل و ليس فعلا من أفعال الانتقام النابع من دوافع و بواعث تسعى إلى ارتكاب خطأ جديد يضاف إلى الخطأ الأول، في زمن ما قال سيزار بكارايا بأن كل المقاربات التي تناولت العدالة نظرت إليها من الأعلى ،دون أن تعود إلى الأرض، حيث يوجد بكثرة المحرومين منها الذين فقدوا حريتم أو حياتهم ، هؤلاء هم آخر من يتكلم عنهم، فالنظرة الفوقية للعدالة لا تستطيع أن ترى بعدها المتغير، و المتعدد بحسب السياقات و الطبقات و الثقافات ، قد نجازف و نقول مع نيتشه بأن العدالة هي مساواة في القوة، فنحن نطلب العدالة لما تعوزنا القوة على ارتكاب المظالم ، ولكن حين نملكها نشيح بوجهنا بعيدا عنها ،فمع الضعف و عدم القدرة تصبح العدالة مطلبا ملحا، وتاريخ الإنسانية الطويل يؤكد هدا الزعم، ما كان لسقراط أن يعدم لو توفرت لديه القوة لمواجهة المحكمة التي اتهمته بإفساد أخلاق الشباب و اهانة الآلهة ،حينها نطق أحكم الناس مجيبا تلميذه قريطون”.أفضل الموت على أن أستجدي عفوا من أجل حياة ذليلة ..إني أرحل الآن مذنبا في نظرهم و يرحلون هم بعد أن تدينهم الحقيقة بعدم النزاهة و الجور.. ” و بهذا تصير العدالة مع الضعف ضرب من الجور و الانتقام ،فالفقراء و المهمشين وحدهم من يضحون بحياتهم من أجل العدالة، هم فقط من يتقاسمون ظلمة السجن و ضيقه، لكأننا بالعدالة ظلم متقاسم بالتساوي بين الفقراء، إنها بتعبير بلزاك شبيهة ببيت العنكبوت لا ينجو من شراكها إلا الذباب الكبير أما صغير الحجم فيعلق بها.
يبقى السجن مؤسسة ناجمة عن فقدان التوازن في مستويات المعيشة بين الناس ، لكن وحدهم الفقراء من يسجنون، و في شرق المتوسط يصير السجن مصنعا للخوف يدفن فيه الناس أحياء ليعيشوا العدم الثقيل، يكبرون و يشيخون دون أن يعرفوا معنى الزمن، و هم من أغلقت العدالة الأبواب في وجههم بحكم طائش، ليقضوا محكوميتهم في فضاء مغلق منصتين إلى الزمن يمضي بلا حركة، غير أن هذه المؤسسة العقابية و بلغة فوكو ليست سوى جزءا من كل يشمل الأيقونة الاجتماعية في لحظة تاريخية معينة، و الإنسان هذا الكائن التائه في زمانه، يمتلك جسدا يعد المكان الوحيد الذي تتقاطع فيه و حوله علومه و ممارساته كلها، إنه الجسد المسيس الذي يبرز على هامشه الجسد المعذب و المريض و المسجون.
فمن التعذيب في الساحات العمومية و سط حشود الجماهير الملتذة بتقطيع الأوصال، إلى التعذيب الناعم و الهادئ و الصامت و المنظم بالقانون و العدالة.
إن تاريخ الجور طويل و الإنصاف فيه يكاد لا يذكر، ومع راولز سيغدو مفهوم الإنصاف وصفة ينصح به فقط لمجتمع دمقراطي، ينظر فيه للمواطنين على أنهم أحرار و متساوون و عقلانيون، ولا يصلح بالطبع لمجتمعات فيها الانسان أرخص الأشياء و أقلها اعتبارا ،حيث العدالة في الغالب تسوغها العقيدة الدينية، ويتكفل المفتي في نهاية المطاف بإخراجها من الوجود بالقوة إلى الوجود بالفعل.
أي ربط ممكن بين العدالة الجنائية و العدالة الاجتماعية ؟ كيف نستنبط علاقة التلازم بين اللامساواة و الاقصاء ؟ ألا يمكن فهم السلوك الإجرامي بأنه نوع ن التمرد على النظام الاجتماعي برمته؟ مجتمعاتنا تصنع المجرمين ثم تسحقهم.
المعتقل هو أحوج الناس إلى العدالة كإنصاف ،خاصة الذي يشكو نقصا و يرى نفسه ضحية لعدالة خرقاء، تطبق في أحسن الأحوال القانون في حرفيته، دونما أن تبلغ درجة الإنصاف بما فيه من تأويل و تلطيف للعدالة، كونه ما بقي من العدالة خارج إجابات القاعدة القانونية، إن العدالة الحرفية تبقى مدخلا للحيف و الانتقام ما دامت غير معنية بأنسنة القانون.
العدالة عندنا مرجوة و مدانة في نفس الوقت، و الكثير من الناس لا يرى في العدالة غير قاض سيحكم عليه بصرف النظر عن القوانين التي تحكمه، هذه القوانين لا تعني الناس إلا بمقدار ما فيها من ثغرات و فرغات قابلة للتأويل و المناورة، هل يمكن القول بأننا في حاجة ماسة إلى ما دعا إليه أرسطو منذ ما يزيد على ألفين سنة من تعديل للعدالة بالإنصاف . في حاجة أيضا إلى إعادة النظر في أشكال المراقبة و المعاقبة، كون أن ما يسبب حرجنا كثيرا، هو أن ما هو عادل و منصف في ذات الوقت، لا يكون كذلك طبقا للقانون..

المسعودي محمادي ، أستاذ و باحث

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إغلاق
إغلاق