أمن وإستراتيجية

العالم السفلي المظلم للجيش الأميركي

 

 

 

.  يقول المؤلف مات كينارد، إن رحلته إلى العالم السفلي المظلم للجيش الأميركي، بدأت في يوم ممطر من شهر آذار 2008، إلى فلوريدا، للالتقاء بـ فوريست فوغارتي، أميركي وطني خدم في الجيش لمدة عامين في العراق، يؤمن بتفوق البيض على غرار المؤيدين جداً لهتلر.

 

لقد التقينا في مكانه المفضل، (بار وينكهاوس – ومشويات”، وكنت سألته قبل ذلك عبر الهاتف، عن كيفية التعرف عليه، قال:”ابحث فقط عن الرأس الحليقة المغطاة بالوشم”. وفعلاً تمكنت من العثور عليها حالماً دخلت المكان، واتجهت نحو الشاب ذي الوجه الطفولي، والمغطى بالوشم، مع الشعر القصير جداً، وسألني: أنت بريطاني؟ لقد رأيت شبابا سود ذوي لهجة بريطانية في العراق. أمر قذر ومجنون جداً”.

وتحدث فوغارتي عن حياته: قرر أن يصبح نازياً وهو في الرابعة عشرة من عمره (فاشياً متعصباً). ضد السود في بلاده، “لا أحب رؤيتهم من حولي ولا أريد النظر إليهم”.

وفي أعوام مرحلة الشباب الأولى بالمغنين والفرق الموسيقية، التي تطلق على نفسها اسم (النازيون)، ثم بدأ يتزين بأشكال من الوشم التي تدل على تلك المجموعات (صلبان وأدوات قتل) ثم أسس فرقته الموسيقية الخاصة (أكبر الفرق النازية) في أميركا.

وفي الأعوام الثمانية التالية، انتقل من عمل الى آخر، متجولاً هنا وهناك، انضم إلى التحالف الوطني (اكبر منظمة نازية آنذاك في أميركا)، وكان لا يرى في نفسه غير مقاتل ومحارب، وقرر أخيراً أن يفعل ما فعله جيلين من قبله: الانضمام للجيش.

إنه لم يكن المتطرف الأول الذي ينضم الى الجيش، إذ كان لحركة النازية الجديدة علاقة طويلة متوترة بالجيش الأميركي، فمنذ البداية كان قادة الحركات العنصرية من البيض يشجعون أعضاءهم على الانخراط فيه، لقد أدركوا أنها الوسيلة الأفضل لهم للتدريب على القتال والسلاح، ثم العودة إلى الوطن للاستفادة من خبرتهم في الحرب العنصرية، ولا يشترك أعضاء المجموعات المنتمية إلى أقصى اليمين ومنها مثلاً كوكلس كلان في هذه الطريقة – إذ أن أعداداً كبيرة منها ترى نفسها قوات مسلحة ومتمردة، ولذلك فان التدريب الحرفي العسكري أمر لا بد منه بالنسبة لها.

لقد كان الجيش الأميركي على علم بمحاولات تلك المجموعات التسلل، ولم تمنع المجموعات النازية الجديدة من الانضمام إليها، إلا في عام 1996 وذلك بعد مقتل اثنين من المظليين الإفريقيين – الأميركيين عام 1995 في فورث براغ – شمال كاليفورنيا، وفوغارتي، تجند في العام التالي.

لقد علم أن الوشم الذي يغطي ذراعه يسبب له مشكلة عند التجنيد، كما أن هذه الرسومات لا بد منها في عالم النازيين الجدد، وتحاط معانيها بسرية تامة وتدل ايضاً على مدى تطرف حاملها. ومن اجل التعرف على معانيها ودلالاتها، يطلب الجيش الأميركي تفسيراً لكل وشم، ويقول فوغارتي: “إنهم اخبروني بكتابة تفسير ما لكل وشم، وهكذا كتبتُ شيئاً ما، وتخلصت من المشكلة”.

وبقي فوغارتي ضمن الاحتياطي، حتى عام 2004، حيث أرسل إلى المكان الذي كان يتمناه وهو العراق، وقبل سفره إلى الشرق الأوسط، انضم إلى مجموعة نازية تعتبر الأعنف والأكثر تنظيماًً لحليقي الرؤوس في الولايات المتحدة الأميركية.

ويقول:” كان الكل في وحدتي العسكرية يعرف كوني من النازيين الجدد، وعندما كان في معسكر فيكتوري – بغداد، عرف الجميع بعنصريتي وانتماءاتي، ومع مرور الأيام تم اكتشاف العديد من النازيين الجدد في المعسكر، وأحدهم تم ضبطه وهو يرسل قطعاً من أسلحة سرقها إلى والده، وفي أوائل عام 2012، ظهرت صور لقنّاص البحرية، مع علم النازية SS في سانجن بأفغانستان ولم يكن ذلك الشعار معروفاً آنذاك على نطاق واسع.

إن حجم هذه المشكلة في الجيش كان صعباً تقديره، وأعلنت الحركة الوطنية الاشتراكية أن 190 من أعضائها هم في الجيش، فيما أعلنت (الثورة البيضاء) عن 12، وما بين 2001-2008، أعلنت الـ FBI عن 203.

ولان لـ FBI تركز على التقارير التي ترد إليها فقط، فإن هذا الرقم لا يعتبر حقيقياً، وهذه الحركة تستهدف الكفاءات البارزة في التدريب على الأسلحة والمناورات ومهارات منظمة للاستفادة منها ضمن الحركة المتطرفة جداً، وقد تم التعرف على 6 أفراد من الجيش، عام 2003، في فورت رايلي، منتمين إلى حركة عنصرية جديدة تدعى(الشعوب الآرية) مقرها في كانساس.

إن درجة الإفلات من العقوبة بالنسبة لفوغارتي وآخرين من أمثاله المتطرفين، قد سببت قلقاً ضمن الجيش وأغضبت المحققين الذين كانت نزاهتهم معرضة للشبهة والشك.

في التسعينيات كان الجيش شديداً مع الجنود، يختار من يريد ويرفض من لا يرضى عنه، ولكن الأمور تغيرت بعد الحادي عشر من أيلول، والقاعدة الأساسية اليوم هي: “تجاهل الأمر حتى يتحول إلى مشكلة”. هذا ما يقوله هنتر كلاس، المظلي في الثمانينيات والذي تحول إلى شرطي يطارد العصابات، ويضيف:”نحن في حاجة إلى القوة، وإن لم يكن التعامل مع مثل هذه الأمور بشدة، فإنها تسير وتنمو كما تشتهي”.

وفي عام 2005، كانت أميركا قد نشرت 150،000 جندي في العراق و19،000 في أفغانستان. ولكن الجيش لم يكن متهيئاً لمثل تلك العملية، وخاصة بعد عامين من الحرب في العراق، وكان الناس يتحدثون بصراحة وعلناً عن الوصول إلى نقطة الضعف.

إن القوات القليلة العدد في حاجة إلى المزيد من الجنود، وما تلا ذلك إعادة تقييم من هو الأفضل للخدمة – عملية شد الوجه تامة للخدمة في تاريخ أميركا العصرية.

ففي أيام حرب الخليج المزدهرة في عام 1990، لم يقبل الجيش تسجيل أسماء المتهمين بقضايا جنائية، ورفضت بازدراء الرجال والنساء من ذوي نسبة ذكاء منخفضة، أو أولئك الذين لا يحملون شهادة الدبلوم أو الثانوية العامة، وترفض أفراد ينتمون إلى مجموعات النازية الجديدة أو العصابات، كما يعفى أو يعالج المدمنون على الكحول أو المخدرات والمرضى العقليون، وكان بذلك يحمي ليبرالية جيش الولايات المتحدة الأميركية.

إن معظم بشاعة الحروب لها صلة مباشرة بالإجراءات المخففة التي تتبع حالياً للتجنيد في الجيش: أصحاب السوابق في الجرائم، مدمني الكحول أو المخدرات، عنصريين متطرفين، أعضاء في عصابات وآخرين. وهناك ايضاً عامل آخر وهو تأثيرات القوات نفسها، تخفيض نسبة الذكاء والوزن الجسدي، أدى الى تعريض درجة الاستعداد للعمليات الحربية إلى التدّني وعرّض أرواح الجنود الأميركيين وحلفائهم إلى الخطر، وقد دفع المئات من الجنود أرواحهم بسبب ذلك.

ويقول د. آرثر سي بلانك، الخبير في علم النفس – جامعة بيل:

:”إن الضغط الجهدي مشكلة ليست بجديدة في الجيش، ولكن إرسال جنود ما يزالون يعانون من مشاكل صحية وعقلية شديدة، إلى الجبهات الأمامية للحرب وبتلك الكميات الكبيرة هو الظاهرة الجديدة”.

أما الكولونيل إليزبث ريتجي، الخبير الصحي الأعلى، فيقول: “لم يحدث مثل هذا الأمر قط في البلاد، إن السبب الرئيس لإرسال جنود مرضى عقلياً إلى الخطوط الأمامية لجبهات القتال هو الحاجة الماسة إلى المزيد والمزيد من المقاتلين”.

ويضيف أيضا: “إن التحدي بالنسبة إلينا هو أن الجيش لديه مهمة وهو القتال، وكما تدري فان التسجيل في الجيش هو تحد آخر ولذلك السبب علينا موازنة احتياجات الجيش مع الاحتياجات الشخصية للجنود”.

والجندي برادلي مايننك، الذي انتهك سرية المصادر العسكرية التي نشرت بعدئذ في الـ ويكيليك، هو نموذج آخر على الأمراض العقلية وانتشارها بين الجنود، والتي يتم تجاهلها.

“كان مايننك يملك عقلية طفل، ولا يجوز وضعه ضمن جدول أعمال المهمات في العراق”. هذا ما قاله ضابط من قاعدة فورت ليونارد في ميسوري، حيث تم تدريب مايننك في عام 2007، وقال جيس مادار، مؤلف كتاب جديد صدر عن مايننك، “لم يكن قبوله ممكناً قط في العسكرية، لولا الحاجة الماسة إلى الجنود في عام 2007، وهو الذي تم تسجيله فيه”.

إن الذين تم تسجيلهم في الجيش في الأعوام الأخيرة، كان معظمهم يعانون من أمراض عقلية أو جسدية ولا يصلحون للجيش، ففي عام 1993، كان عدد المقبولين الذين يعانون من زيادة الوزن بنسبة k%23 وارتفع هذا الرقم إلى %27 في عام 2006 أي أكثر من ربع المنتمين الجدد، مما اضطر الكثير منهم إلى الاستعانة (بتقرير طبي) يبرر ذلك.

إن العوامل الثلاث الكامنة خلف الانضمام إلى الجيش هي:1- الفشل في الدراسة الثانوية، 2- وجود سجل إجرامي، 3- البدانة.

وقد تم التعامل مع (السجل الإجرامي) بتأجيل القضية أو التنازل عنها، أما البدانة فبتقرير من الطبيب، وبقيت المشكلة معلقة بالنسبة للشهادة الدراسية، وكان هناك طريق لغير المتخرجين للانضمام إلى الجيش، عبر الحصول على درجة متكافئة مع الثانوية العامة، حيث يمكن قبول المجند بها، إن نجح في الامتحان الذي يجرى له في الجيش، ويقبل الجيش على انخراط %15 من الراغبين، مع إعفائهم من الشهادة الدراسية المطلوبة، مع تدريبهم جيداً من اجل القتال في مدرسة خاصة.

وتلك المدرسة افتتحت في خلال مرحلة (الحرب على الارهاب)، وقد انضم إليها أعداد غفيرة من الشباب (1000 مجند) في عام واحد، تركوا مدارسهم ليصبحوا جنوداً، وقد اتسعت مجالات – مكتب الاحتياطي الأدنى لتدريب القوات، لتشمل كافة أرجاء البلاد، وفي عشر مدارس ثانوية في شيكاغو، ارتدى الطلاب الملابس العسكرية في الدوام، وخصصت لهم دروس خاصة للتدريب على إطلاق النار.

ومن العوامل المحفّزة التي قدمت لهم، كان المال – مال كثير بالنسبة لمفهوم شاب في الـ 16 من عمره.

وفي عام 2005، اتجه الجيش لزيادة المنحة التي تقدم للمجندين من 14,000 الى 17,000 دولار، مع احتمال منح 30,000 إن نجح احدهم لشغل الأماكن الشاغرة، ومن الشعارات العسكرية الأخرى، (انضم إلى القوات المسلحة، تحصل على تعليم مجاني).

وهو عرض لا يقدر على رفضه ا لأميركيون الصغار من الفقراء.

ويكشف تقرير للاتحاد الأميركي للحقوق المدنية، بعنوان (جنود سوء الحظ) وهي مجموعة تبحث في أمر (الشذوذ) في الجيش – من اجل رفع الغطاء عن أمر يحاول الكثير من العسكريين تغطيته، ففي عام 2007، نشرت تلك المجموعة معلومات تم الحصول عليها عبر، (حرية قانون المعلومات) إن الذين تم تجنيدهم من المجرمين في الجيش قد تضاعف عددهم في خلال عامين، من 824 في عام 2004 الى 1،605، في عام 2006، ومن بين أولئك مَن اتهم بالاغتصاب أو القتل، واتهم عدد يقدر بـ 43،977 منهم بالحكم عليه بجنح متعددة، وعدة آلاف آخرين بتهمة المخدرات، ومع ذلك سلّم لكل واحد منهم بندقية ليرسل إلى الشرق الأوسط.

ومن أفظع التقارير التي تتعلق بالجيش الأميركي في العراق، قتل عائلة الجنابي في اليوسفية، واتهم فيها ستيفن د.غرين، وكان قد صدر سابقاً أمر قضائي بتجريمه قبل انضمامه إلى الجيش. ولكن التعليمات السابقة التي كان يحافظ عليها الجيش الأميركي في قبول المجندين، ألغيت في الأعوام الأخيرة خلال مرحلة (الحرب على الإرهاب) وفي تلك الأعوام ازداد عدد النسوة في الجيش، وتعرضت واحدة من كل ثلاثة للاعتداءات الجنسية في خلال الخدمة، وفي الغالب فان النسوة اللاتي خدمن في الجيش تم اغتصابهم من قبل رفاقهن الجنود، ولم يقتلن بنيران العدو، ولا يدري احد كم امرأة عراقية أو أفغانية قد تعرضت لمثل تلك الأفعال الشنيعة، على الرغم من أن حالات مثل الاغتصاب أو القتل الذي حدث في اليوسفية توحي بأنها كانت اعتيادية، ولم تتم معاقبة احد عليها.

وفي عام 2009، أعاد الجيش النظر في قبول المجندين؛ وقد منع من له سجل إجرامي، مع التأكيد على شهادة الدبلوم.

وكان ذلك اعترافاً بالإثم، ولكنه بالنسبة لكثيرين في العراق وأفغانستان، كان أمراً متأخراً جداً.

في شهر كانون الأول، عام 2007، قتل كيفن شيلدز في كلورادو سبرينغز في حادثة اشترك فيها ثلاثة جنود، لويس بريسلير، كينيث إيستريدج وبروس باستين الابن، وكلهم خدموا في العراق – في الفرقة الثانية للقتال – المشاة.

وقد حكم على كل من بريسلير وباستين بـ60 عاماً لدورهما في الجريمة وايضاً سلسلة من الجرائم في كلورادو سبرينغز، أما إيستريدج فحكم عليه بالسجن 10 أعوام، وبعد إلقاء القبض عليهم، ظهرت صور لإيستريدج وهو يعرض الوشم الخاص بالنازية الجديدة، وبعد إلقاء القبض على باستين قال للمحققين معه، انه وإيستريدج كانا يطلقان النار عشوائياً على المدنيين في العراق خلال دوريات الاميركان في شوارع بغداد، وفي ضوء النهار.

رغم أن إيستريدج كان يستخدم AK-47 مسروقة وإطلاق النار منها عشوائياً على المدنيين العراقيين، وقال آخر من الفصيل، وهو جوزيه باركو”كنا سعداء جداً”، الذي يمضي الآن 52 سنة في السجن لإطلاقه النار وجرح امرأة حامل في كلورادو سبرينغز. “كنا نفتح النار نحو أي شيء حتى إن لم يكونوا يحملون السلاح، كنا نسجّل الإصابات والنقاط التي يحرزها كل واحد منا”.

وحتى اليوم لم يتم توجيه تهمة لأحد عن إطلاقه النار على المدنيين في العراق، ولم يتجاهل الجيش تطرف إيستريدج فقط، ولكنه منح بعد المعركة ميدالية، (القلب الوردي) وأخرى (للانجاز) وتقول محامية إيستريدج، إن الجيش يدرك تماماً انه قام بإرسال شبان غير متوازنين إلى أفغانستان والى العراق :”إن الجيش لم يعد قادراً على تجنيد الأسوياء للحرب، الجنود في الوقت الحالي غير مناسبين للمهمة، مرضى جسدياً أو عقلياً، ولكنهم، مع ذلك، يواصلون إرسالهم إلى المعركة”.

وفي آذار 2012، سار جندي في عملية نشر الجنود الرابعة، في أفغانستان، متوجهاً الى قاعدته وفي حالته تلك، ثملاً حتى الدرجة الأخيرة، أخذ يطلق النار كيفما اتفق، فقتل أكثر من 12 من المدنيين الأفغان، ومن بينهم تسعة أطفال، ثم جاءت الأنباء لتقول:”إن رقيباً في الجيش وهو روبرت بيلز، -المشتبه به، كان من قاعدة لويس – ماكّورد، في واشنطن، الذي قبل أربعة أشهر فقط، دان عضواً في المجموعة الأفغانية للقتل، عبر محاكمة عسكرية.

 

 

 

 

 

كان فوز اوباما في انتخابات 2008 فوزا تاريخيا لأنه أرسل رجلا أسود الى البيت الابيض، وليبراليا الى البيت الابيض، وأرسل الى البيت الابيض توقا شديدا الى دولة قوية تدفع الى الأمام بالعدل الاجتماعي.

وعبر عن القيم الجديدة وعن الهوية الجديدة لامريكا الجديدة التي طفت فجأة فوق السطح. وكان فوز اوباما في انتخابات 2012 فوزا تاريخيا بقدر لا يقل عن ذلك. فهو يبرهن على ان الاختيار الذي اختارته الولايات المتحدة قبل اربع سنوات لم يكن عرضيا. وهو يبرهن على ان الليبرالي الاسود الذي يعود الآن الى البيت الابيض يمثل حقا القيم الجديدة والهوية الجديدة لامريكا الجديدة. ففي الوقت الذي تنزل فيه امريكا البيضاء والمتدينة والمحافظة الآن عن مسرح التاريخ تحل محلها امريكا المتعددة الثقافات والمتقدمة التي تؤمن حقا بالمساواة والحرية والعدل الاجتماعي.

كان يمكن حتى السادس من تشرين الثاني 2012 ان نعتقد ان اوباما خطأ عارض. لكن حقيقة انه انتُخب الآن برغم حقيقة ان الاقتصاد الامريكي ما يزال متعثرا وما تزال البطالة عالية تتحدث من تلقاء نفسها.

وحقيقة ان اوباما انتُخب وامريكا ما تزال في الوحل ولا يوجد لرئيسها انجازات منقطعة النظير تتحدث من تلقاء نفسها هي ايضا. ان الشهادة غير اللامعة للرئيس في ولايته الاولى، خصوصا تثبت مبلغ كون انتخابه من جديد انتخابا عميقا، فهو اختيار للقيم الجديدة التي يمثلها والهوية الجديدة التي يجسدها، واختيار لامريكا التي تختلف جدا عنها في القرنين السابقين.

ان ثورة اوباما ثورة مضاعفة. ويطمح تصوره السياسي والاقتصادي الى جعل امريكا أكثر اوروبية مما كانت بأن تصبح أكثر مهادنة وأكثر اشتراكية وديمقراطية وأكثر سلامة سياسية. لكن المسار السكاني الذي يمثله اوباما يدفع الى الأمام بالقوى غير الاوروبية في امريكا وهم السود واللاتينيون الامريكيون والمهاجرون من العالم الثالث. ففي الوقت الذي أصبحت فيه ايديولوجية اوباما شبه اوروبية أصبحت نظرته الاجتماعية معادية للاوروبية. وقد كفت الولايات المتحدة بقيادته عن ان تكون بلد البروتستانت البيض الصارمين وأصبحت بلد الآخرين، كل الآخرين. كل اولئك الذين لم تمنحهم امريكا القديمة المساواة الحقيقية.

وهكذا يجب ان يكون هذا الاسبوع اسبوع محاسبة نفس لاسرائيل. ففي الماضي حرصت الحركة الصهيونية والدولة اليهودية ايضا على ان تتماهيا مع القوى المتقدمة في العالم. وحرص آباؤنا وأمهاتنا ومؤسسونا على ان يكونوا دائما في الجانب الصحيح من التاريخ. لكن في العقود الأخيرة بدأ عدد يزداد من الاسرائيليين في الاعتماد على القوى الرجعية في المجتمع الامريكي، وكانت تلك الدعامة مريحة. فالانجيليون لم يسألوا اسئلة صعبة عن المستوطنات، ولم يقل ناس حفل الشاي شيئا في شأن إقصاء النساء وحقوق الأقليات ولا في شأن ‘شارة الثمن’، ولم يتأثر الجزء الابيض والمتدين والمحافظ من الحزب الجمهوري حينما هوجمت المحكمة العليا الاسرائيلية وأصبحت سلطة القانون الاسرائيلية مداسا.

وهكذا خُيل لكثيرين في الليكود اسرائيل بيتنا وفي الاتحاد الوطني وفي البيت اليهودي وفي مجلس ‘يشع’ ان اسرائيل تستطيع ان تفعل كل مظلمة من غير ان تدفع شيئا عن ذلك. لأنه لما كان العم سام معنا فلا حكم ولا حاكم. ولما كان العم سام ينفق علينا ويحمينا فنحن معفون من كل محاسبة. ونحن نستطيع تحت رعاية امريكا اليمينية المتطرفة ان نُدير سياسة يمينية متطرفة من غير ان ندفع ثمنا عن ذلك.

أنهت ثورة اوباما حفل الشاي الاسرائيلي هذا. فمن الآن فصاعدا لن تتمتع الدولة اليهودية الديمقراطية بالحماية الشاملة التي تمتعت بها. ومن الآن فصاعدا لن يكون ممكنا الانفاق على كل عمل استيطان وكل عمل تطرف بدولارات امريكية. قال بنيامين نتنياهو أمس ان الحلف الاستراتيجي مع الولايات المتحدة قوي. ربما. لكن هذا الحلف لن يصمد اذا لم نجدد الحلف القيمي مع امريكا، مع امريكا الجديدة هذه المرة. امريكا التي يُجسدها اوباما.

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق