ثقافة

الذكاء العاطفي في القران الكريم..Emotional intelligence

مريم لطفي
“ان الله لايغيرمابقوم حتى يغيروا مابانفسهم”الرعد11

“Emotional intelligence”

1 – يعرف الذكاء العاطفي بانه مجموعة المهارات والعواطف المبرمجة بحرفية عالية تمكن الانسان من السيطرة على انفعالاته كليا اوجزئيا . وهل تبرمج العوطف؟

العواطف تخضع لقدرة الانسان على ادارتها لنفسه وللمحيطين به ،واول مرة ظهر فيها مفهوم الذكاء العاطفي عام1990 عن طريق طبيبي علم النفس (بيتر سالوفي من جامعة هارفارد،وجون مير من جامعة هامبشر) ويعتبر كتاب “الذكاء العاطفي” لدانييل غولمان الذي صدر عام 1995 بداية لانتشار مفهوم الذكاء العاطفي، لكن المثير للدهشة ان الذكاء العاطفي قد ظهر فعلا في كتاب الله قبل اكثر من اربعة عشر قرنا وتضمن منهاجا حياتيا كاملا دعت الى تطبيقه الكثير من كتب علم النفس الحديث ،وبما ان الذكاء العاطفي يتناول مهارات اساسية ويعتبرها ركائزا فسنتناولها بشئ من التفصيل وهي:

1- الادارة وهي القدرة على تسخير الحواس المادية والحسية من اجل القيام بالاعمال،والادارة ظاهرة ترافق وجود المجتمعات،فحيثما يوجد مجتمع سياسي منظم توجد الادارة والتي تتضمن بدورها (التخطيط،التنظيم،التوجيه،والرقابة) وهذه الامور الادارية يكون المكلف بها انسانا منظما مسؤولا عن نفسه والاخرين ،ومن الشواهد على فن الادارة في القران ماجاء على لسان سيدنا يوسف (ع) “قال تزرعون سبع سنين دأبا،فما حصدتم فذروه في سنبله الا قليلا مماتاكلون…”يوسف47، ولا يخفى على احد العقلية الادارية الفذة التي تميز بها يوسف(ع) وقدرته على الادارة والتخطيط والتوجيه ثم الرقابة التي استطاع بها ان يعبر عجاف السنين بشعب مصروتلك سمة من سمات الذكاء العاطفي التي دعا اليها الله في كتابه متجسدة بطول المدى الذي تميز به انبياءه ورسله ليكونوا القدوة الحسنة للاخرين.

2-الادراك ويشتمل على نوعين اولهما الادراك العقلي وهو صفة الادمية التي تميزه عن بقية المخلوقات والذي يشمل استخدام الحواس بواسطة الاستدلال والاستبصار والتفكير والبحث والاستقصاء للبحث وكشف ماهية الاشياء بصورة ملموسة”قل هو الذي انشاكم وجعل لكم السمع والابصار والافئدة قليلا ماتشكرون”..الملك23

واما النوع الثاني فهو الادراك الحسي الخارج عن نطاق الحواس او مايعرف”الاستشفاف” وهو مايبحر بالماورائيات او “الباراسيكولجي “والتي تعتمد على الحدس والذي يكون خارج نطاق الحواس وهو القدرة على الاحساس بالاشياء وادراكها حتى وان كانت بعيدة وهذا يعتمد اولا على توقع الانسان لحدوث الاشياء من باب الفعل ورد الفعل ويشترط فيه اولا الذكاء المتقد وثانيا تجاوز للحدود المكانية والزمانية وهذه القدرات الخارقة يختص بها فئة من الناس كالانبياء مثلا وهي القدرة على التخاطر او الاستشفاف او الجلاء البصري،والتحريك العقلي او ما يسمى ب “التحريك الذهني ” والذي يكون خارج نطاق الحواس المادية وهو ماحدث لسيدنا يعقوب(ع) “اني لاجد ريح يوسف لولا ان تفندون”..يوسف 94 او معجزات سيدنا عيسى(ع) الذي كان يخبر الناس بما ياكلون من طعام في بيوتهم،ومقدرته الاعجازية التي جعلت الناس يظنون خطا انه الرب!!

3-التطبيق وهو وضع الفكرة موضع التنفيذ،وهذا مادعا اليه القران الكريم بتقديس العمل باعتباره عبادة وواجب على كل انسان

ويعتبر الدين الاسلامي من اكثر الاديان التي تحث على العمل والرزق الحلال”وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون “..التوبة 105

واذا تاملنا النصوص القرانية لوجدناها تخاطب العقل والقلب واللذان هما محور المنظومة البشرية التي يعتمد عليهما علم النفس في دراسة نفسية الانسان في الاطار العام للتكوين النفسي العاطفي والعقلي وخوالجه وعواطفه وانفعالاته كالحب والكره والغيرة والبغض والوسوسة،وهذه الانفعالات تكون بمجموعها النظام العاطفي للانسان،ولان الانسان كانت تحركه الفطرة فقد كانت الحياة بالنسبة له بسيطة ومتطلباته بسيطة ايضا ومحدودة ولكن

ومع تقدم الحياة ظهرت الحاجة الملحة لعلم النفس الاستشفائي الذي ازدهر بحلول القرن العشرين حيث انتقلت الحاجات الانسانية من المتطلبات الجسدية كالغذاء والزواج والتكاثر الى المتطلبات النفسية بحثا عن الراحة والطمانينة والسكينة والسلام في وقت بات فيه النزاع الانساني ياخذ ابعادا اخرى..

واذا تاملنا موضوع الذكاء العاطفي لوجدناه يبنى على ركيزتين وهما الذكاء والذي يحدد وظيفة المجال المعرفي عند الانسان والذي يتباين من شخص الى اخر،ثم العاطفة والتي هي جزء من وظائف الذهن.

والعاطفة عبارة عن مجموعة الانفعالات القوامة او الهدامة بمعنى ان العاطفة العقلانية فقط هي القادرة على الادارة بنجاح واثبات القيم الاخلاقية من خلال السلوك ،وقد تجلت العاطفة بالنفس البشرية واختلافها من خلال الخير والشر الذي تجسده كل نفس”ونفس وماسواها،فالهمها فجورها وتقواها،قد افلح من زكاها،وقد خاب من دساها”الشمس7-10

وقد بين سبحانه وتعالى في هذه الايات كنه النفس وطريقة الانسان بالتعامل معها ،ومن الجدير بالذكر ان الله جل وعلا قد امتحن عباده بان الهم النفس الفجور اولا كطريق للتزكية ،وهنا تظهر مقدرة الانسان وذكائه وقدرته على ادارة شؤون نفسه .

ان نسب الذكاء العاطفي تختلف من شخص لاخر تبعا لشخصيته التي تتباين من شخص لاخر،فالاهتمام بالعواطف والمشاعر والحرص على احترام مشاعر الاخرين كجزء من احترام النفس يجعلنا نشعر بالامتنان لهذه العاطفة المدركة لاهمية الانسان،وتشير الدراسات الحديثة ان الذكاء العاطفي على درجة كبيرة من الاهمية للنجاح والتفوق في الحياة،حيث اثبت ان الاشخاص الذين يتمتعون بصفات شخصية تتسم بادارة المشاعر بذكاء فطري او مكتسب تحقق نجاحا كبيرا لاصحابها،ومن المعلوم ان هناك شخصيات تتسم بالذكاء العاطفي بالفطرة كجزء لايتجزا من السمات الموروثة التي تنتقل من الاباء الى الابناء عن طريق الجينات او الاكتساب ، وتلك نعمة من نعم الله.

واذا تاملنا سمات الذكاء العاطفي عند الانسان عموما بوصفه من ابداع الخالق لوجدنا انه يتمتع بسمات الذكاء العاطفي او بعضها فطريا حسب تكوينه الانساني لادارة شؤونه والاخرين”وان تعدوا نعمة الله لاتحصوها”..النحل18

وسنتناول بعض السمات العاطفية التي يحملها الانسان والتي ذكرها القران الكريم:

-ضبط النفس او مايسمى ب “الحلم” فالانسان الحليم من تمتع بالهدوء وطول البال والحكمة و سيطر على اعصابه عند الغضب

والحلم يتتؤام مع المقدرة وهو صفة ايمانية حقة لمن حملها تعبر عن خلق كريم”والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين” ال عمران134 ،واروع من دعا الى العفو عند المقدرة هو سيدنا الامام علي(ع).

-التواضع :سمة الانسان الممتلئ فكريا وثقافيا واخلاقيا فهو كالسنابل الحبلى بالخير تماما ينحني احتراما لنفسه والاخرين”ملاى السنابل تنحني بتواضع” وقد جاء في كتاب الله قمة الحديث عن التواضع والامتلاء “وعباد الرحمن الذين يمشون على الارض هونا واذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما”..الفرقان 63

-ادارة الافكار:وهي قدرة الانسان على ادارة وتدوير افكاره و ان الافكار مادامت في اذهاننا فهي مجرد فكرة قابلة للتحقيق او لا،وعليه فالانسان الذكي عاطفيا عليه ان يسعى لتوفير الظروف الملائمة لتنفيذ فكرته لانه انسان مفكر خصه الله بهذه الخصيصة وميزه “كذلك يبين الايات لكم لعلكم تتفكرون “..البقرة219

-التعامل مع الامور بوسطية لان خير الامور الوسط فالتطرف والمبالغة او السفاهة تشذ بالانسان عن جادة الطريق!

اما الانسان الحكيم الذي يعرف حدوده جيدا ولا يبالغ لان كل ما يزيد عن حده ينقلب ضده وعندما ويبالغ في امر ما يعلم جيدا ان الافراط بالمبالغة سيؤدي الى نتائج عكسية”انه لايحب المسرفين”..الاعراف 154ولا يتحدث بالترهات بل يضع نقاطه على الحروف دائما ولايثرثر،بل انه يتجنب كل ثرثار ليقينه بانه انسان فارغ”واذا مروا باللغو مروا كراما”الفرقان 72

-التسامح يعتبر الانسان المتسامح انسانا ذكي جدا لانه يحجم الامور ولايدعو الى تطورها واثارة النعرات ايا كانت ولايثير المشاكل ويميل على نفسه اكثر من ميله على الاخرين ممايجعله مغناطيس حكمة يلجا اليه الناس في حل مشاكلهم ويتخذونه قدوة لانه يمتلك قدرة على الصفح تفوق عقولهم ،ويدعو الى التصالح بالكلمة الطيبة والموعظة الحسنة “ادع الى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي احسن”النحل 125

-القدرة على اسعاد النفس والاخرين وهذه سمة تجعل الحياة سهلة يسيرة سعيدة،لان الانسان الذي يستثمر ابسط الامور ليزرع البسمة على وجهه ومن ثم تنتقل الى اسرته واصدقاءه،لان السعادة تنتقل بالعدوى! تتاثر وتؤثر بقدرة الانسان على النظر الى النصف الممتلئ من الكاس،والسعادة سمة الانسان المؤمن بقدره القانع بنعم الله”واما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين”هود108

-التركيز على الجانب الايجابي:وهذه مقدرة الاذكياء عاطفيا الذين يسعون الى تحقيق التوازن العاطفي من خلال تحسس الجوانب الجيدة وترك مادون ذلك او التغاضي عنه من خلال توقع الافضل دائما”وعسى ان تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا”النساء 19

-سعة الصدر وتقبل النقد وهذه سمة الشخصية القوية الذكية عاطفيا التي تسعى الى تصحيح الهنات والاخطاء الصغيرة ليستقيم السلوك”فبما رحمة من الله لنت لهم ولوكنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم”ال عمران 159

-الصبر على المكاره:والصبر سمة الانسان المؤمن بقضاء الله وقدره،وقوة الصبر تعكس قوة الايمان والمؤمن من يتعامل مع الابتلاءات على انها اختبار وامتحان سيجتازه المؤمن ولو بعد حين،وقد وعد الله عباده الصابرين بالجنة لان العفو هو صبر عن الانتقام، والحلم صبر عن الغضب،والكرم صبر عن البخل والصبر جهاد واكبر جهاد هو جهاد النفس”وبشر الصابرين الذين اذا اصابتهم مصيبة قالوا انا لله وانا اليه راجعون”البقرة118

كما وتظهر قوة الارادة والتحمل والصبر جلية في الذكاء العاطفي للانسان.

ان الية الذكاء العاطفي التي جسدها القران انما تضع الانسان المؤمن على الطريق الصحيح بلا تكلف ،وتهيا له سبل العيش بسلام في مجتمع تسوده وشائج المحبة والتسامح وتلك كلمة الله في خلقه،فالقران دستور الحياة وقبسها والاغتراف من علمه انما ياتي تلبية لله بالتفكر وتدبر معانيه السامية من اجل حياة افضل.

واخيرا اقول: من الظلم ان تغمض عينيك في وضح النهار ..

مريم لطفي

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إغلاق
إغلاق