أحوال عربية

الدولة الصغيرة … ومتوالية الأمن والسلم الداخلي ..

 

ياسر قطيشات

نتابع بقلق شديد ، وكل أطياف المجتمع الأردني، الارتفاع المتزايد في نوعية وعدد الجرائم الوحشية الواقعة على الجسد بغرض التصفية ، والمرتبطة بشكل ملحوظ بالمخدرات، تعاطي واتّجار، ونستغرب أن يتعرض الأمن الاجتماعي والسلم الأهلي لهذا الشكل من لشرخ والانشقاق مع فقدان هوية الأمان الاجتماعي بعد أن كان المجتمع الأردني من أكثر المجتمعات العربية استقراراً قبل عقود مضت !
لقد أثار قانون المخدرات والتعاطي الكثير من الجدل، وهناك تساهل حد الاستهتار في تطبيق القانون على كل من يتعاطى أو يرّوج للمخدرات، والقانون الأخير بعد التعديل، ألغى صفة القيد الجرمي على المتعاطي للمرة الأولى، وكأن المسألة أصبحت مكافأة لكل من تطاوعه نفسه بالتجربة ، بل وكأنه تسهيل لسوق جديدة في الأردن ولمصلحة تجّار المخدرات !!
وحسب الأرقام الرسمية كل عام نسجل جرائم مخدرات تزيد عن (20) ألف جريمة سنوية بين تعاطي ومتاجرة، وفي هذا العام زادت الجرائم بنسبة (3%) عن السنوات الماضية !!
كنا قبل عقود قليلة بلد ممر للمخدرات، واليوم أصبحنا بلد مقر، حيث نتابع يومياً أخبار أمنية متنوعة حول تجارة وتعاطي المخدرات في الداخل، واخبار أخرى حول كمية ونوعية المخدرات التي يتم اتلافها عبر الحدود البرية أو التصدي لمحاولة ادخاالها عبر حدود الأردن المختلفة.
المسألة أصبحت جدا خطيرة وتؤثر على السلم الداخلي والأمان الاجتماعي، والجرائم بازدياد، والقضية لم تعد ترتبط بالبعد الصحي بل تجاوزته الى مروحة من الأبعاد الأمنية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية ..الخ
لنقرأ عن حرب الأفيون في شرق آسيا وعلاقتها بالاستعمار، ولنتابع تجربة مصر قبل مائة عام، ومن ساهم في نشر المخدرات والحشيش فيها حتى باتت الصورة النمطية تصوّر “الحشيش” بصفته جزءً من الحياة المصرية للأسف!! وهو تحريف وتزوير تاريخي مقصود تقف خلفه أصابع الاستعمار الداخلي، استعمار منحناه الشرعية باسم الاستقلال والقومية والحرية!!
قبل أكثر من اثني عشر عاماً حذرنا في مقال تحليلي حول التداعيات المترتبة على انسحاب الدولة من دور الرعاية الاجتماعية والاقتصادية وما سيترتب على ذلك من انتهاء أو تحوّل منهج الدولة الوظيفي من الرعوي الى نظام السوق المفتوح، حيث ستكون الكلف الأمنية والاجتماعي والاقتصادية أعلى وأغلى بكثير مما يتوقع راسم القرار المحلي!!
واليوم لدينا متوالية أمنية لا تنفك تتسع دائرتها في مختلف المجالات، فأصبح الخلل جلياً في متوالية الأمن (السياسي والاقتصادي والاجتماعي والتعليمي والتربوي والصحي والغذائي والمائي ..الخ) فضلاً عن ارتفاع حالات الانتحار والعنف الأسري …. وما زال العقل الرسمي يعيش حالة انكار للتداعيات المترتبة على سلسلة متوالية الأمن القادمة !!!
الدولة الصغيرة ..ليس لديها من الترف ما يكفي للتفكير في اجتراح الحلول من خارج الكوكب، ولس لديها الوقت الكافي لاستنساخ تجارب الدول الكبرى، لأن العمود الفقري وربما القلب المحرّك للدولة الصغيرة هو الأمن الداخلي والاستقرار، وفي سبيل ذلك، ضحّى الملك الباني الحسين بن طلال رحمه الله، بالكثير من المصالح الخارجية والمكاسب الآنية في سبيل الحفاظ على ديمومة الاستقرار الداخلي والسلم المحلي وأمن المواطن وكرامته وحياته.
علينا جميعا أن نتحرك … حكومة ومؤسسات مجتمع مدني وأحزاب ونقابات ومجتمع واعي .. علينا أن نتحمل مسؤولية انقاذ متوالية الأمن الداخلي قبل أن تزداد الفجوة ويتسع “الفتق على الراتق” !!
حفظ الله الأردن من كل مكروه ..

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إغلاق
إغلاق