أمن وإستراتيجية

الخداع الاستراتيجي في المخابرات

بشير الوندي

ان من ابرز اعمال الاستخبارات وافضلها هو اخفاء النوايا على العدو بخداعه وتضليله وجعله لا يفهم المغزى والهدف وتشتيت انتباهه عن النوايا الحقيقية وعرقلة جهده في تركيب احجية عملياتنا والغرض منها , وهذا هو لب حروب الذكاء التي تحتاج فيه الاجهزة الاستخبارية ان تجيب بثقة عن نوايا العدو وماذايريد ؟ وبماذا يفكر؟ وماذا يقصد ؟ واين يرنو ؟ , وان تعتمد في معرفتها تلك على معلومات دقيقة وليست استنتاجات.

مفترق الطرق
النوايا او النيات جمع نيه , جاء في الحديث النبوي ” انما الاعمال بالنيات ولكل امريءٍ مانوى ” , فالنية المذكورة في الاحاديث وفي القرآن الكريم(كما في سور كثار كسورة البقرة 225) تعبر عن المقصد النهائي للفعل , فمن زار شخصاً بنية قتله فهو ليس بقاتله لكنه مجرم في نواياه , بينما من قتل شخصاً بالخطأ فهو قاتله لكنه ليس مجرماً بنواياه , وكما نلاحظ من الآيات الكريمة انه تعالى يحكم بالنوايا لأنه عالم بها تماماً , بمعنى انه يعلم القصد من افعالنا , ولو طبقنا الامر على الاجهزة الاستخبارية في رصدها لأفعال العدو سنجد انها تقف في مفترق طرق امام نوايا العدو :
طريق التحليل , وهو جهد عقلي يعتمد على “تفسير” تحركات العدو دون وجود معلومات كافية حاسمة لما يبغيه , ومثالها ان العدو يضرب اماكن ويستثني اخرى , فحينها يسعى المحلل الاستخباري لمعرفة مقصده من الضرب والاستثناء ويبحث عن الجامع المشترك بين الاماكن التي يستهدفها , ولكن يبقى مايصل اليه المحلل قابلاً للخطأ والصواب لأنه معتمد على معطيات وبعض المعلومات الضئيلة .
طريق المعلومة , وهو جهد استخباري ينتج عن اختراق لصفوف العدو , ويعتمد على معلومات “مؤكدة” وواسعة لاتحتاج الى تحليل , مثالها ان يتم الحصول على وثائق من قلب العدو تؤكد انه يضرب اماكن في الشمال للتشتيت , لكن مخطط هجومه هو في منطقة في الجنوب , فهنا لايحتاج الامر الى استنتاج – شريطة دقة المعلومة من قبيل كسر شفرة العدو والاستماع اليها- وحينها تكون معرفة نوايا العدو قاطعة ونهائية لأنها لم تكتف بالمعطيات وانما اضافت اليها معلومات مؤكدة فسرت كل ماكان يبدو قبلها وجعلت تحركات العدو الجزئية منطقية .

خطط التضليل

في المقابل يعمد العدو عبر دوائره الاستخبارية – دائماً – الى اخفاء نواياه الاستراتيجية , والى اعتماد خطط مستمرة لتشويش العدو وخداعه , كي يضلله ولايدعه يصل الى حقيقة اهدافه النهائية (انظر مبحث 96 الخداع والتضليل ) , ومن هنا يتضح لنا ان اهم واجب لجهاز استخبارات المحترف هو معرفة نوايا العدو , وماذا يريد ان يفعل ؟ وان يميز تحركات العدو فيما اذا كانت تكتيكية ام استراتيجية .
فداعش الآن تقوم ببعض العمليات في ضواحي كركوك وسامراء , الا انها لاتقوم بذلك في اماكن اخرى , مثل الموصل والرمادي , وهو امر يحتاج الى تفكير لاسيما وانها قادرة هنا وهناك , فهذه الفعاليات الميدانية البسيطة على الظاهر ترد عليها القوات العسكرية ميدانياً وتسعى الى اسكاتها والقضاء عليها وتدمير جهدها اللوجستي الذي يديم زخم هذه الاعمال , الا ان واجب الاستخبارات هنا هو في الاجابة على التساؤلات الغامضة حول نوايا داعش – ونوايا من هم وراء داعش – ومعرفة خططها , ولماذا هذه المنطقة وليس تلك ؟ وما الهدف من هذه العمليات الصغيرة ؟ ولماذا لا تسعى لعمليات اكبر , وكيف تفكر , واين محطاتها الصامتة المدخرة للاهداف؟ .
وبالرغم من اهمية التفكير والتحليل الاستخباري , الا انه يبقى في نهايته استنتاجات تحتمل الخطأ , ومن هنا صار من اهم واجبات الاستخبارات , بل اول واجب , هو جمع المعلومات لإكمال المشهد والصورة عن ما يجري , ولتكون بيانات متكاملة , تتحول بتراكمها الى معرفة , فيتم حينها معرفة حقيقة التهديد والنوايا والاهداف.

اهمية معرفة النوايا

في المشاريع الكبيرة قد تكون النوايا اسهل ويمكن فهمها من قبيل الاستعداد للحرب وتعاظم القوة والتصعيد الاعلامي المصاحب , وسبب سهولتها هنا لأنها مما لايستطيع العدو اخفاءه على الارض الا بجهود جبارة ولفترة قصيرة للغاية , ولكن في المشاريع الاستخبارية , والحرب النفسية , والحرب الناعمة , وحروب الهيمنة المغطاة بالعمل السياسي الثوري , ومشاريع التجنيد , والتجسس , وصناعة الراي العام , والتأثير في عقل الشعوب , و برامج الاطاحة السرية , وغيرها , فكلها تُعَتَّم بهالة كبيرة من السرية , والادوار الثانوية , والخداع والتضليل , والقيام بمهام غير اساسية , و نشر معلومات مغلوطة , وشحن معلومات كاذبة الى الفضاء الاعلامي والفضاء المجازي , وكل ذلك من اجل اخفاء النوايا ولجعل الأمور ضبابية غير واضحة , كما هو استخدام قنابر الدخان اثناء تغطية الحركة , فانت تضرب قنابر تنوير لمشاهدة ارض المعركة , والعدو يستخدم قنابر دخان للتعتيم , او ان يستغل ليالٍ مظلمة وممطرة لحجب الرؤية , ويصمت لاسلكيا حتى لا يلتقط العدو شيئاً من اتصالاته , او أن يقوم بفعالية وهمية من خلال الاتصالات و,يعرف تتنصت عليه , ليضيع عليك الهدف , فهو صراع مستمر في اخفاء النوايا مقابل كشف النوايا.
ان معرفة النوايا يوفر الكثير من الجهد الاستخباري والامني والتحليلي والسياسي , فإن كنت تعرف ان شخصاً مطلوباً سيخرج من مكان ما ويذهب الى مكان اخر معروف لديك كرجل امن , فحينها لاتحتاج الى مطاردة صاخبة بسيارات الشرطة وارباك الشارع والتعرض للحوادث , يكفي ان تذهب وتضع كميناً في مكان مقصد الشخص المطلوب لتمسكه عندما يصل , ومن هنا فإنّ احد افضل اساليب معرفة النوايا زرع جواسيس في مصدر القرار او في مؤسسة صناعة القرار ( انظر مبحث 116 الاحاطة , مبحث 213 التقرير الاستخباري) فمعرفة النوايا يعني استكمال الفكرة وماذا يريد العدو , وهنا تكون الدفاعات والاجراءات متناسقة ومرشقة , ويمكن القيام بعمليات تضليل على العدو واستثمار خططه ضده , مع مراعاة ان هنالك نوايا استراتيجية و اهداف تكتيكية ويجب التفريق بين الاثنين , ففهم الاول يختلف عن التعرف على التكتيك.
ان معرفة النوايا تسهل عملية الرد واستيعاب الموقف وفهم خطط العدو وفرز ماهو وهمي ومشاغل عن ماهو حقيقي ومقصود بذاته وليس للتشتيت , ومن هنا اخفقت الاستخبارات الالمانية في فهم نوايا الحلفاء عن مكان الانزال (انزال نورماندي) رغم معرفتها بوجود انزال لكنها معلومة ناقصة كان لابد ان تملأ بالتحليل , فقامت استخبارات الحلفاء بمد الالمان بوثائق مزورة تحدد مكان وهمي للانزال , فابتلع الالمان الطعم وكلفهم ذلك انهيار الجبهة الغربية , لذا فان معرفة النوايا لابد ان لايركن اليها مالم يتم القطع بصحة المعلومة .

بين النوايا والتنبؤ

ان اكبر مخاطر عدم معرفة نوايا العدو هو في عدم الاحساس بالخطر الداهم , اي الوقوع بمازق اكبر من الخطر نفسه , فإن كان الخطر كبيراً وانت غير مستعد حينها تقع الكارثة مضاعفة بالمفاجأة وبعدم الاستعداد (انظر مبحث 183 مخاطر اخفاق التنبؤ ) , والاكثر من ذلك ان اخفاق التنبؤ بنوايا العدو قد يرهق الاجهزة الاستخبارية والجيوش , كمثل من ادت به تحليلاته فقط الى ان عدوه سيهجم عليه , لكنه لايعرف في اية ساعة ومن اي اتجاه , فتراه مرتبكأً ولاينام وقلق على كل الاتجاهات .
ان النوايا تضيع بمحورين رئيسيين هما ذكاء صاحب النية من جهة , واخفاق الطرف المستهدف من جهة اخرى , وعلينا هنا التفريق بين التنبؤ الاستخباري وبين معرفة النوايا , فالتنبؤ هو وضع مصفوفة المعلومات المستحصله ثم افتراض اتجاهات العدو , اي ترجيح فرضية على اخرى من خلال اتجاه المعلومات , ومن خلال عملية تحليل ما مستحصل من معلومات (انظر مبحث 184 اسباب اخفاق التنبؤ), اما النوايا فهي شيء اكبر وادق من التنبؤ , اي اننا نعرف الاتجاه بلا احتمالات او فرضيات ’ فنعرف ما يريد العدو دون الحاجة الى استنتاج او تحليل وذلك لإمتلاكنا المعلومة المؤكدة الموثقة , فهي لذلك اهم من التنبؤ , فالنجاح بالحصول على النوايا يعني لدينا معلومات من داخل العدو , ولدينا من يأتي بخططه الاصلية والبديلة , بل وطرق خداعه وتضليله , فلا حاجه للفرضيات او للتحليل , وكل مانحتاجه هو فقط التأكد من ان المعلومة ليست مرسلة لدينا لغرض الخداع , فحين نطمئن منها تصبح تحركات العدو معروفة ومفهومة مهما بدت مشوشة , وقد ذكرنا في مبحث سابق ا(انظر مبحث 184 اسباب اخفاق التنبؤ) , ثمانية اسباب لفشل التنبؤ بنوايا العدو , وهي :
1- العمى الاستخباري المعلوماتي , اي فشل الاستخبارات في جمع المعلومات اللازمة.
2- العمى التحليلي , فشل مركز التحليل من فهم المعلومات بشكل صحيح.
3- الشعور بالأمان نتيجة الزهو , فالقوي لايستخبر بل يشعر بالأمان , فلو كنت قد قلت لأحدهم في الCIA , ان ابراج مانهاتن ستضرب وتتهاوى لسخر من توقعاتك .
4. الصراع الداخلي للاجهزة الاستخبارية , الصراع الداخلي سواء بين الاجهزة المختلفة او داخل الجهاز الواحد يجعل الاجهزة تغفل عن العدو .
5- علاقة الاستخبارات السيئة بصناع القرار , فوجود حاجز بين اجهزة الاستخبارات وصناع القرار المحيطون بالقيادة يبتلع الاهداف .
6. دكتاتورية القرار الحكومي , أحياناً هنالك دكتاتور لا يصغي للاستخبارات حتى ان جاءت بأدلة وبراهين , مثاله حالة ستالين قبل الغزو الألماني للاتحاد السوفيتي , حيث رفض تقارير الاستخبارات عن حشود الالمان ضد بلاده.
7- الخداع والتضليل , فكلما كان العدو بارعاً في الخداع المنظم والدقيق , كلما صعب كشف نواياه , مثاله عملية هجوم اليابانيين على ميناء بيرل هاربر .
8- فوضى المعلومات , اي اشباع واغراق سوق العمل الاستخباري بالمعلومات الكاذبة والصحيحة والملفقة والمضخمة , مما يربك الاجهزة الاستخبارية .
والواقع ان نفس النقاط السابقة فيما عدا فقرة التحليل تكاد تنطبق مع اسباب اخفاق الاجهزة الاستخبارية بمعرفة نوايا العدو , لكون التنبؤ يعتمد على التحليل بالربط والتفكيك والاستنتاج , فيما ان معرفة النوايا لاتحتاج الى تحليل وانما الى المعلومة الجاهزة , ومن هنا نقول ان زرع عميل في غرفة عمليات العدو ومصدر قراره يعادل جيشاً من العسكر وجيشاً من المحللين الاستخباريين .

للتحليل اهميته ولكن !!

علينا هنا ان لانقلل من اهمية التحليل الاستخباري , فهو الآخر يعتمد على المعلومات والتقارير , الا انها معلومات لاتصل الى قلب ملفات العدو وليست فيها معلومات موثقة عن نواياه الاستراتيجية , وعند تضارب التحليلات , تعجز الاستخبارات عن التنبؤ واختيار افضل الفرضيات , ويكون فشلاً كبيراً في قراءة الواقع , ومثال ذلك ان جهة استخبارية تكلف شخص بقيادة مجموعة شباب لاحداث احتجاجات والتركيز على جانب من مفاصل الحكومة , هنا لابد من ان تعرف الاستخبارات ان تلك الجهة لديها نوايا وغايات , ولايشترط بالمنفذون على الارض وقادة المجموعات ان يعرفوا بالنوايا , بل ان المخطِّط والمحرك الرئيسي لايفصح لهم عن نواياه حتى لو استنتجوها بأنفسهم , اما افراد المجاميع فلا تعرف شيء سوى تنفيذ ما كلفت به , سواء بالأموال او بخداعهم وتعبئتهم بأنصاف الحقائق المخلوطة بالأكاذيب , وهو نوع من التجنيد بالايحاء والالهام , حيث تغلف الاكاذيب بسوليفانات من انصاف الحقائق ليتم ابتلاعها وكأنها سكاكر , فكم من اعلامي وكاتب جرى تجنيده لصالح مخططات استخبارية اجنبية دون ان يعرف , وتراه يكتب وكأنه يتناول خبطة صحفية , وقد تمر عشرات السنين قبل ان يعرف انه هو ومؤسسته الصحفية كلها ممولة من قبل استخبارات معادية لايعلم بها الا رئيس التحرير !!!! , وان كل ماكان يفعله كان تمويهاً استخبارياً ضد بلاده الغرض منه المشاغلة اصلاً , وان النوايا شي اخر تماماً.
ومن هنا فان التحليل الاستخباري مهم , الا انه مؤشر على عدم اكتمال المعلومات , فالتحليل يعني في جوهره كشف المخفي ومحاولة الكشف عنه لسد نقص المعلومات , الا ان معرفة النوايا من خلال طرق فنية او اختراق استخباري لمركز قرار العدو يغني عن جهد التحليل ويجعل العدو امامنا صفحة مفتوحة لالبس فيها , ومن هنا كانت الحاجة الى الاستخبار والاختراق والتجسس وسرقة الوثائق والتنصت هي لب العمل الاستخباري ومعيار نجاحه , لأنها طرق تمكننا من الوصول الى نوايا العدو الحقيقية .

ان معرفة نوايا العدو وفهم حقيقة اهدافه بصورتها الشاملة هي منتهى آمال الجهاز الاستخباري , الا ان هنالك معادلة لابد من فهمها واستيعابها وجعلها معياراً لنجاح الجهاز الاستخباري وهي , كلما قلت المعلومات وتبعثرت فإن الحاجة الى التحليل لفك اللغز تكبر لسد ثغرات نقص المعلومات الرئيسية حول نوايا العدو , وكلما كانت المعلومات شاملة ومن مصدر القرار للعدو , فان مساحة التحليل تضيق , لأن الاستنتاج شيء والمعرفة الاكيدة شيء آخر , والله الموفق.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إغلاق
إغلاق