رأي

الحقائق درجات!

 

سعيد تيسير الخنيزي
قبل عدة أيام، كُنت أتأمل جيداً مفهوم (الحقيقة)، وأبعادها أفقياً وعمودياً، بالطول والعرض. وحيثً إنني وجدت عمق وغزارة مُخيفة لـذلك المفهوم نظرياً، وجدت أيضًا مدى تسطيحنا العملي واللغوي الساذج له نسبةً لـحدودنا المعرفية، وإفتراضاتنا الجاهزة والأولية، وأحكامنا القطعية، وأدبيات مجتماعتنا؛ مجتمعات الحق والحقيقة الكُلية. وما أعظم شمولية تلك الكلمة وما أسطح نقاشاتنا الإبتدائية! وبالتأكيد، مَا أُبَرِّئُ نَفْسِي ۚ إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي.

فـالمفاهيم المختزلة والمختصرة كـمفهوم (الـحقيقة) عادةً مايكون سهلٌ وممتنع في آن؛ فـهو ظاهراً يبدو بسيطاً إن قام أحدنا بإخـتزال مبادئه في كُوَيْكب صغير (ومُجْمَل واحد) يتناسب مع حدوده المعرفية، أما باطنًا: فـالكثير مِنَا يغفُل مدى عمقه الجذري والمتناقض (أحياناً) والمُتباعد سَبَبَاً لِكثرة سياقاته وشموليته وسِعَة أطرافه وضواحيه. وهذا تنبيه لـنا جميعاً من إبراز هذا المفهوم (سواء صراحةً أم في المضمون) في كل وقـت وحين— وفي تفاعلاتنا مع الآخر— وكأنه مفهـوم يُـرادِف محـدودية عـقولنا وأوهامهـا الضيقة والسـيريالية!

وهذا الموضوع يستثير في ذاكرتي أيضًا ولحـدٍ كبير السنة الأخيرة لـي في كــلية القـانون (بـأمريكا) من بداية الفصل الدراسي الثاني في دروس البراهـين والأدلة (Evidence Course)، إستذكارًا فكاهيًا لـمدى سذاجة أُفُقي للموضوع (بدايةً) وفي أول أسبوع، ومدى غزارة وعمق الموضوع في حد ذاته (نهايةً).

الحكاية يامُنيـر أن البروفيسور سانچي آتى لنا— في أول يوم من أول أسبوع— لكي يستعرض لنا المفاهيم الأساسية والبُنية التحتية للفصل الدراسي أجمعه، وقال لنا وبـشكل مُختصر في نهاية الدرس وبنغمة خادعـة: أرأيتم كيف إن تلك الدروس (القادمة) سـتكون سهلة ومريحة جداً؟ هذه هِيَ مُجْمَل المفاهيم ببساطة، والتي سـتشـمل، إنشالله، جميع الدروس القادمة. فـإذا أدركتموها جيداً فـستدركون خـريطة الطريق مستقبلا. انتهى الدرس، ياسادة.

انتهى الدرس، وغادر جنابي من القاعة: مبتهج، ومسرور، وواثـق لِـمدى أحادية المبادىء وعدم تعقيدها. ولكن ياسعيـد لا تفرح حتـى يوم العيد: ما أن أخـذت المواضيع تتدحرج تعقيداً الواحدة تلي أختها، والبُعد يلي البُعد الآخر، إلا والتشعبات إزدادت وتفـرعت، وإستثناءات (الإستثناءات!) بدأت لـتتراكم وتصرُخ: أأدركت الآن! نُحن إنعكاس ومقياس أدق وأوسـع لـحقيقة تلك الدروس وليس مفهومك الأولي المُبَسَط لها. فـنحنُ المفهوم الناضج ومـفهومك أنت كان هو المفهوم الناقص. فـكُنت أنت مثل المراهـق الذي لا يدرك أنه لا يدرك، ولو إعتدمت إعتماداً كبيراً على تلك المفاهيم (المُختزلة) يوم زفـة (الإمتحان) لم تسعفك تلك المفاهيم إلا قليلا. حـتى أنهم قالو لي: [] ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ. نعم، حَسِيرٌ لِـضحالة معرفتي بـحقائق الآمور آنذاك! فـشتانٌ بين محدودية الإنسان وعَظَمة سِعَة وشمـولية هذا المفهوم الضخم، مفهـوم (الحـقيقة).

والرحمة على روح الشـيخ إبن عربي حيثُ قال: العجز عن إدراك الإدراك إدراك في حد ذاته! والرحمة على روح القرآن حينما صَرَح: [] لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا. والله يرحمنا حيثُ قال أنه: وَاسِعٌ عَلِيمٌ. فالسـعة عكس الضيق، والسعة تشمل الجميع. والعلـم عكـس الجهل، وهو منها بعيد! أما الواقع العربي اليوم، فلا يوجد إتساع فكري ولا علم موضوعي، ولكن يوجد كثيراً: كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ. ولكن فَرِحُونَ، بماذا؟ فَرِحُونَ مثل جنابي إنذاك: في أول درس من أول إسبوع! فـ يالـيت شعري، وياليـت قومي يعلمون.

ولِكي تدرك جيداً سِعَة المبادىء الأولية المختزلة لابد لَكَ من جولة في مغارات الموضوع وتناقضاته، ومفهوم (الحـقيقة)—حـقيقة أي شيء— يترأس قِمةَ ذلك الهـرم، بالتأكيد. وهذا الموضوع يذكرني أيضًا بأول فصل لـي في الكـلية حينما كُنا وبـشغف نتبادل الآراء لـقضـية ما في العقود والموجبات (Contracts). القضية كانت غير عادلة لِدرَجة إنها تَصْدُمُ الضمير الإنساني الحيّ، خاصةً لهؤلاء الذين لم يتبحروا في نظريات القانون المُتَعدِدَة ويجتازوا إدراكهـا جيداً بعد.

الزبـدة إنني بعد النقاش أرسلتُ للبروفيـسور رسالة أُعْرِب له عن إستيـائي (العاطفي) الشديد من النتيجة النهـائية للقضية، وقلت له وبكل ثقة وعنـجهية: إذا كان المغزى من (القانـون) هو العدالة، فكـيف لــهذه القضية الواضحة للعيان تَحكُمُ للطرف الآخر؟ فأنا بدأت (حقاً) أفقد المصداقية في هذا النظام من أول أسبوع لي في الكلية! رد قائلاً: أنت أفترضت ضمنياً في سؤالك المُرَكـَب هذا أن المغزى من القانون هو العدالة، وهذا جزئياً (ولكن ليس كليـاً) صحيح. فالقانون أكبر من العدالة ذاتُها، والعدالة جزء واحد من القانون نفسه. وأستـمر ليقول: من الممكن أن يكون كلامـك صحيح في أول درجـة من التحليل، ولكن لو ذهبت أكثر بُعداً لـدرجات أعمق من التحليل والتمحيص، ستـدرك جيداً أن المحكمة قضت للطرف الآخر لِكَـي تكون هنالك موضوعية وإتساق في المجرى القضائي (Judicial Process)، والتي من خلالها تستطيع المحكمة أن تُديـر الأمور بأكثر شفافـية ووضوح على العموم. نهايةً قال لي: إذا فهمت جيداً النظرية الموضوعية (Objective Theory) في الشهر القادم والنظرية الذاتية (Subjective Theory) في الشهر الذي سـيلـيه، ستدرك جيداً ما أعنيه وربما ستـضحك. من يعرف؟

وبالفعل، انتهينا من الفصل الدراسي وضحكت كثيراً. هذا لإنني كنتُ أنظر للقضـاء من بُعد واحد فقط، غافلاً أو غير مُدرك لـلأبعاد الآخرى، والتي لاتقل أهمية من العدالة (ذاتها) على أي حال من الأحوال. فالمحاكم القضائية تريد أن تنشأ قوانين تستطيع من خلالها تَتَبُع سيّر المركبة وجودتها، والا أصبحت الدنيا فوضى والكُل ســيزعم واثقاً… العدالة، العدالة، هات العدالة يارجُل! ولكن العدالة لا تأتي بالعشوائية والتخمين، بل بالتطبيق الإجـرائي الصحيح (Methodical Application). وأن تتحمل أحياناً ظُلماً (صغير) أفضل من أن تكون مُثقلاً بالمرض العـشوائي المُقيت والإعتباطية في مُجْمَل التحكيم— فـهذا أكبر ظُلم لأي مجتمع، بالتأكيد. وأن تنظر للأمور من خلال درجات أشمل للحقيقة أفضل من أن تنزوي دائماً في زاويتك الإبتدائية الضيقة. هذه هِيَ تناقضات الحياة (الظاهرة) ولكن هذا هـو (أيضاً) لُبّ وجوهر اللؤلؤ الأصيل!

وهذا يذكرني لحدٍ كبير في الطفل عندما يصيحُ ويريد شيئًا: فهو لا يهمه تمحيص وتفكيك الواقع الشامل من حوله على أي حال من الأحوال. كُل همومه وآهاته تكمنُ في (الحلوى) التي يريدها. أما نتائج هذه (الحلوى)، (فـخليها على جنب). وكلنا نحنُ ذلك (الطفل) في بعض الأحيان، ولا أنكر أن (الحلوى) مفيدة (أيضاً) في بعض الأحيان! لـيس تناقضاً، ولكن اللبيبُ بالإشارةِ يستطيـع غالباً أن يـزِنُ الأشياء. فـهذا الكوكب كله مبني على الإتـزان، وإن إخّتل شيء من هذا الإتزان، إخْتلّ هذا العالم بما فيه. الأهم من كُل هذا وذاك يـاساده هو أن: لَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ. وما أعظم تلك الكَلِمتان، وما أبسط إدراكُ الإنسان! وبالأخص تِلك الجماعات، جماعات التطرف والطغيان: فـهي لا تهمها كثيراً سوى زواياها الضيقة وتزكيتهـا المستمرة لحدودها المُبتَذِلة واليـسيرة. أما أنا، فلا يهـمني كثيراً ماهو إتجاهها (الظاهري) على أي حال من الأحوال. المتطرفُ في فكـره مُتَطَرِف في سـلوكه، سواء أَأعتقد في سريرته أنه (مُنْفَتِح) أم هو ذاك (الديني) المُتَعجرف! وربما المتطرف حقاً يُفَكِر، ولكن لا يُفَكِر إلا ضمن مُعْتَقَلِه المكبوت: يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ سَحَابٌ ۚ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْض.

وهذا أيضاً الى حدٍ كبير يعكس الفرق الشاسع بين تصورات الطفل الصغير للواقع مقابل، أباه، الشيخ الكبير؛ فالطفل الصغير— كما قلنا سابقاً— لا يهمه سوى ظاهر الأمور وآنيتها المحدودة، أما الشيخ الكبير فهو يحاول جاهداً أن يقفز فوق الحقائق المادية والجلية؛ فهـو أدرك حتمية الموت، وتعاسة الغرور، وسخرية القـدر، وأهمية الحِكمة، وضـرس العقل والفِطنة. أما الطفل، فيأبى أن يسمع لك شيئاً وإن تكلمت معه من المَهدِ إلى اللـحد. وهذا تماماً يحاكي المثل الشعبي الدارج: (اللي ايده بالميه مش زي اللي ايده في النار).

ألا ترى أن الحـكيم (في ذاتِك) دائماً يصرُخ ويقول: فكر بِسِعَة! أو (!Think Big). فـهذه العبارة ليست فقط مـيتافور طوبائي يحاول أن يحاكي الواقع المُتَصَنِع، بل جُملة موضوعية مِئةٌ بالمِئة. والحقائق المعرفية والفـلسفية لا تختلف كثيرا عن أختها الفيزيائية (الصلبة) سوى في الإنموذج والنوع؛ فنحن ندرك جيداً على أن الأرض واقعاً دائـرية لأننا قفزنا خارج حدود تلك الأرض وقمنا بِرصدِها من الخارج، ونحن استطعـنا أن نقيس طول وعرض المكان لإننا قفزنا حول حـدود ذلك المكان ذاته، وإذا أراد أحدٌ منا أن يلقي نظرة على سماء مدينةٌ ما، فما عليه إلا أن يتخذ الهـوليكبتر (Helicopter) سبيلا. أولم يكفي أن الإلـه خلق سبع سماوات طِباقا وإختار أن يتصدر الأمر فوق تُلكم السماوات السـبع لِـسِعَة وشمولية ذلك العـرش؟

‏(Think Big) أو فكر بسعة، ياسادة، ليست فقط مجازٌ مُبتذل، (Think Big) أو فكر بسعة، ياسادة، جملة واقعيـة مِئةٌ بالمِئة!

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إغلاق
إغلاق