أمن وإستراتيجية

الجاهزية والاستعداد الأمني في اجهزة الأمن والاستخبارات

بشير الوندي

ان الاستخبارات من خلال هذا المبحث تعني العمل الدائم المستمر قبل وبعد اي حدث , فالقاعدة الذهبية التي قلنا بها دوما انظر صح لتفكر صح لتقرر صح لتنفذ صح اولها هو الاستخبارات .
والواقع ان العمل الاستخباري مطلوب قبل اي عمل وفي اثناءه وبعد تنفيذه , فحتى الطبيب يبدء باستخبار( تحاليل وفحوصات طبية) ثم يعطي العلاج ثم يعطي فترة ويقوم بفحوصات جديده ليستخبر عن النتائج , ولايمكن الركون لتقارير الاستخبارات في أي مجال في بداية الحدث او الفعل , وانما لابد من المتابعة اثناء الفعل وبعده .
———————————
الهجوم بين استخبارين
———————————
ان اي فعل امني او عسكري او سياسي او اقتصادي خطير , يتقدمه جهد استخباري وينتهي بجهد استخباري , اي ان البداية والنهاية تكون استخبارية.
في الجبهات , توضع حقول الغام , ودوريات قتال , وكمائن , وحجابات متقدمة , وسواتر , وشقوق للحركة , وتنشر انواع الاسلحة , وتُحصّن المواضع , وتُعبّد الطرق , ويتم استبدال الشيفرة بإستمرار , بالإضافة الى مراصد ومراقبة فنية مستمرة .. ومع كل ذلك , يرسل القائد العسكري بطلب ضابط الاستخبارات يوميا ليستفسر منه عن موقف العدو , وهل من معلومات جديدة , وماذا يفعل العدو , وهذا يعني اننا يجب ان نرى ما يفعله العدو وتحركاته حتى نكون في مامن , ونعرف ماذا يريد , وكيف نتصدى له.
فإذا قررت القيادة العسكرية القيام بمعركة وهجوم في قاطع ما فإنها لا تحدث متغيرات او جلبة كي لاتلفت انتباه العدو , بل تبدء الاستخبارات قبل فترة من الزمن (شهر مثلاً) حسب ظروف الجغرافيا والانواء الجوية , القيام بعمليات استكشاف واستطلاع عن العدو ,والارض الحرام , وحقول الالغام , ومشاعل العثرة , والمعرقلات , والموانع الطبيعية والصناعية , والدفاعات الاولية , وكثافة النار , وكتائب المدفعيه , وخطوط الامداد , والقوة الاحتياط , والقيادة والسيطرة , والمعلومات الدورية عن العدو , وشيفرة العدو , والغطاء الجوي , ومعنويات العدو , واقرب القطعات التي ممكن ان يزجها في هجوم مضاد, وعملية التمويه قبل الهجوم
ويبدا الاستطلاع من اول نقطة من دفاعاتنا , ويستمر الى اعمق نقطة خلف خطوط العدو يمكن الوصول اليها , اي من اقرب نقطة الى ابعد نقطه , وبكل الوسائل الممكنة والمتوفرة , بشرية كانت او فنية او طائرات استطلاع او مصادر في جانب العدو ورعاة الاغنام واسرى ولاجئين وغير ذلك .
ويحمل الاستطلاع في طياته مخاطر كبيرة قبل المعركة , ولابد من توافر السرية التامة , وعدم جلب انتباه العدو, وتجنب مخاطر الوقوع بيد العدو والاعتراف اثناء التحقيق , والحفاظ على سرية النشاط المتزايد للتحضير للمعركة.
وعند انطلاق المعركة , ترافق الاستخبارات جميع القطعات اثناء المعركة وتشترك معها , وبعد نهاية المعركة تكون الاستخبارات قد تقدمت امام القطعات للتثبت من موقف العدو ومواضعه الجديدة وانتشار قطعاته الجديدة واسلوبه الدفاعي وحجم قوته وغيرها وآثار الهجوم.
وفي أيّة ممارسة امنية داخل البلد , سواء كانت أمن وقائي او أمن إحترازي او أمن معلوماتي , لابد من جهد استخباري قبلها وآخر بعدها في كل من الانواع الثلاثة , فيكون قبلها للتثبت والتاكد والتهديف , ويكون بعدها لدراسة المستجدات والتقييم ومعرفة الفوائد والاضرار.
ولنا ان نتخيل ان نبدأ بمعركة بلا استخبارات , او داهمنا مكان بلا معلومات , او نصبنا سيطرة بلا بلاغات , او فتشنا منطقة بلا مخبرين , او وجهنا اتهامات لشخص بلا ادلة , او قمنا بالتجهيز لصد هجوم بلا استكشاف قدرات العدو , ان كل تلك المواقف تكون عبثيه وخاسرة وفاشلة ومحمله بالخسائر والكوارث لان المقدمة الاساسية لم تكن موجودة , وهي الاستخبارات , فالاستخبارات هي روح الامن , وبلا استخبارات لا يمكن القيام بأيّة فعالية امنية من اي نوع .
————————
قصة ذات مغزى
————————
ان ابرز مثال على الاستعداد الاستخباري هو مافعلته بريطانيا قبيل انزال النورماندي بعملية استخبارية اسمها (الحارس الشخصي), ففي عام 1944 ، عرف النازيون ان هجوم الحلفاء امر حتمي، ولكنهم لم يعرفوا موعده أو مكان انطلاقه , فكانوا يعتقدون أن الهجوم سيتم من اضيق منطقة في القنال على ساحل مدينة كالي.
نتيجة لذلك تركزت أقوى قواتهم هناك. وضع الالمان العوائق والتحصينات والاسمنت المسلح وزرعوا ملايين الالغام على طول الساحل وقاموا بنشر ثلاثة جيوش على الشاطيء أي ما يقارب 1.5 مليون جندي ووضعت هذة الجيوش تحت قيادة المارشال رومل (ثعلب الصحراء).
اما الهدف الفعلى فكان من أفضل ماحفظ من اسرار الحرب، إذ كان الهجوم سيكون على طول 50 ميلا من شاطيء مقاطعة نورماندى .
ولإخفاء السر الخطير لمكان الانزال (النورماندي ) , قامت الاستخبارات البريطانية بما يلي :
1- تجنيد عملاء مزدوجين كقنوات تضليل للعدو.
2- صنع آلة ألترا لفك الرسائل المشفرة آلياً بين (الاستخبارات الألمانية) والقيادة الألمانية العليا التي كانت تشفر عبر جهاز تشفير معقد يدعى (انجيما)، واشارت الرسائل التي تم فك شفيرتها إلى فاعلية تكتيكات الخداع .
3- مهاجمة محطتى رادار خارج نطاق منطقة الغزو الحقيقي المزمع , بخلاف محطات الرادار المُعرضة للهجوم في نطاقها.
4-كان الجنرال جورج باتون أكثر قائد يخشاه الألمان، ويعتبرونه أفضل جنرالات الحلفاء ,لذا ظنت القيادة الألمانية العليا أنه سيقود الهجوم , فتم وضع القائد الشهير على رأس قطعات وهمية في جبهة غير تلك المخصصة للهجوم الحقيقي , كي يتصور العدو ان هذا هو مكان الهجوم .
ان عملية الحارس الشخصي التي نفذتها الاستخبارات البريطانية ببراعة من خلال خداع العين الالمانية مكن الحلفاء من تشتيت قوة الالمان , الامر الذي جعل تحشيد ٣ جيوش بتعداد مليون ونصف جندي على ساحل الاطلسي من قبل الالمان عملية تشتيت وفشل وخسارة كم هائل من الامكانيات لصالح المعركة , فالعمل الاستخباري قبل المعركة بالتضليل الناجح حقن الكثير من الدماء وقرب النصر.
———————————————–
الاستعداد الاستخباري في كل اتجاه
———————————————–
لايقتصر التحضير والاستعداد الاستخباري على القرارات العسكرية والامنية , وانما يشمل كافة الانشطة الهامة والمصيرية .
ففي القرارات السياسية الخارجية التي تمس الأمن الخارجي , يجب التحضير لها استخبارياً بمعرفة نقاط قوة وضعف البلد المستهدف ونقاط قوتنا وضعفنا , ومعنويات الشعب , ويتم ذلك بعملية مسح استخباري دقيق قبل اتخاذ قرارات سياسية كبيرة ومهمة.
حتى في القرارات السياسية او الاقتصادية المهمة الداخلية , فإن الحكومات بحاجة الى جس نبض الشارع قبل البدء بها , فأغلب الاستبيانات واستطلاعات الرأي هي نوع من فهم رغبات وميول الشارع كي يتم اتخاذ القرار الصحيح والمناسب لها وهو نوع من الاستخبار , وبعد اصدار القرار لابد من وجود عمل استخباري يشير الى النتائج وردود الافعال.
فرغم ذكاء الاستخبارات البريطانية لكنها فشلت في الوئام بين القرار السياسي ومزاج المواطن في قضية البقاء او الانفصال من الاتحاد الاوروبي (البريكست) , فهنالك اقاليم ترفض الخروج واخرى تؤيد ذلك , وفي العموم كانت النتائج صادمة ولاتزال تأثيراتها تتوالى .
ولذا تلجا بعض الدول الديمقراطية الى استفتاء شعبي كبير لحسم القضايا المهمة الاستراتيجية وزيادة حجم الدعم الشعبي للقرار المراد اتخاذه , كنوع من حماية النظام.
وحتى بعد التنفيذ لأي مشروع او قرار او تشريع يجب إعمال الاستخبارات لاحقا لبيان الفائدة والتاثير وسلبيات وايجابيات القرار, فأي مشروع اقتصادي مهما كان حجمه , يجب ان تسبقه بيانات واحصائيات ومعلومات ليكون مشروعاً صحيحاً موفقاً , فدراسة الجدوى في حقيقتها هي عمل استخباري يحلل كافة العوامل ويتوقع النتائج .
—————————–
الاستعداد المستقبلي
—————————–
في مبحث المحطات الاستخبارية المنشور ضمن حلقات المباحث , ذكرنا المحطات الصامتة , وهي محطات استخبارية يتم تجهيزها , وتعتبر بنى تحتية استخبارية كاملة وجاهزة عند الحاجة , ثم تكون بلا عمل وساكنة لحين الضرورة , والضرورة هنا مثل (عند ترك ذالك البلد او سقوط النظام او الانسحاب او حدوث انقلاب او تراجع ) , حينها تبدء تلك المحطات الصامته بالعمل اولاً .
كما هو الحال عندما تركت اسرائيل جنوب لبنان فانها بالتاكيد تركت جيش من العملاء المكشوفين , لكن الأهم من هؤلاء هي المحطات غير المكشوفة والصامتة .
وهذا يدلل ان العمل الاستخباري هو عمل استباقي قبل الاحداث , ويهيء الظروف فيما بعد الاحداث وهو ما اشرنا اليه في معنى الاحاطة (مبحث ١١٦ الاحاطة ) بمعنى التمكن من المعلومات واستباق الحدث حتى لا نغفل ولا نُفاجأ ونكون دوما على استعداد , فمن يمتلك المعلومة يمتلك القوة والقرار والمبادءة في اي مجال عسكري او تكنولوجي او امني او سياسي او اقتصادي او اجتماعي.
————-
خلاصة
————-
الاستعداد الاستخباري من شروط النجاح في تحقيق الهدف وبناء القوة , فأول بناء القوة هي المعلومة عن اي هدف صغر او كبر , بعيد او قريب .
فالاستعداد الاستخباري هو تفكير استراتيجي يجعلك دوماً تحسب حساب المستقبل , ويجعلك دوماً مهيئاً للمفاجئات وممتلكاً للمبادرة , فمن لايستعد ينكسر, فرغم ان التدريب يقلل من دماء المعركة , لكن إستعدادك لجمع المعلومات يجعل معركتك رابحة ويمنحك الفوز والغلبة , والله الموفق.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إغلاق
إغلاق