ثقافة

التعليم والعملية التعليمية وشبكات التواصل الاجتماعي … المعلمون وفيسبوك !

هيا فريج

يفرضُ الأسلوبُ النمطيّ القديمُ على المعلّمِ أنْ يتعاملَ مع طلبتِه بكثيرٍ من التحفظِ والتزمّت, كما تحيطُ المعلّمَ هالةٌ من الغموضِ حول حياتِه الشخصيّة, وأفكاره, وآمالِه, وطموحاته, فلا يعرفُ المتعلّمُ عن المعَلِّمِ أكثر من اسمه الأوّلِ (وفي حالاتٍ أفضل يعرفُ اسمَ العائلةِ), والمادّة التي يدرّسها, وكذلك بالنسبةِ للمعلّم, فلا يعرفُ عن طالبِه أكثرَ من مستواهُ التحصيليّ.
والطالب ينبغي أن يتعاملَ بأقصى درجاتِ الاحترامِ والانضباطِ والطاعةِ, ولا تتجاوزُ العلاقة بين المعلّمِ والمتعلّمِ حدودَ الغرفةِ الصفيّة, قد تمتدُّ إلى بعضِ الأنشطةِ اللاصفيّةِ التقليديّةِ جدًّا, مثلَ تلكَ المتعلّقةِ بمختبَرِ العلومِ بالمدرسةِ, أو المكتبةِ, أو الإذاعةِ المدرسيّةِ.
أمّا عن العلاقةِ بين المعلّمِ ووليِّ الأمرِ, فهي لا تتجاوزُ حدودَ السؤال عن الطالب وتحصيله, دون التطرّقِ إلى حاجات الطفل المتعلّمِ, وجوانبه الشخصيّة والنفسيّة للمتعلّم, لكن مع تطور المجتمع, وانفتاحه على الأساليب التربويّة الحديثة, فإن المعلّم ووليّ الأمر أصبحا على اطّلاعٍ ومعرفةٍ ووعيٍ بطبيعةِ العلاقة بين المتعلّم والمعلّم, ومع ظهورِ وسائلِ التواصل الاجتماعيّ, وخاصّةً الفيس بوك, وتويتر, والواتس آب, التي يستخدمُها الشعبُ الفلسطينيّ بشكلٍ واضحٍ وملفتٍ, أدركَ الجميعُ ضرورةَ تنمية العلاقة بين المعلّمين والمتعلّمين وأولياء الأمور والمجتمع المحلي, مستغلّين هذه الوسائل المجانيّة والمتوفّرة عند أغلبهم, معَ وجودِ بعض الإشكالاتِ والتّحَفُّظات والخلافات حول طبيعةِ التواصلِ الاجتماعي.
وقبل أن نخوضَ في تفاصيل التواصل بين المعلّمين والمتعلّمين, ينبغي التطرّق إلى الإطار القانوني الذي يحكم التواصل, فقد تفرضُ بعض المؤسّسات قيودًا وشروطًا على موظّفيها حول ما يُمْكِنُ للموظّف نشرُه, مثل ضرورة الالتزام بمعايير الحياديّة, وتبنّي رؤى المؤسّسةِ وآرائها في المواضيع المختلفة, وخاصةً السياسيّة, وهنا ظهرت إشكاليّة الخلطِ بين الأمور السياسيّة (التي فيها وُجهةُ نظرٍ يمكن تجاهلها), وبين القضايا الوطنيّة (التي لا يمكنُ إنكارُها, أو تجاهلُها, أو التّخَلُّص منها), وهنا تزعزَعت فكرة الوطنيّة عند البعض, فأصبحَ يتجاهل القضايا الوطنيّة وكأنها مهدّدةٌ لوجوده موظفًا في المؤسسة!
وقد ظهرَ منذُ فترةٍ حديثٌ حول مؤسّساتٍ معيّنةٍ تجبرُ الموظّفين على مشاركةِ المحتوى المنشورِ على الصفحات الرسميّة للشركة أو المؤسّسة أو الجهَة على صفحات الموظّف الشخصيّة, وفي حالة رفضه لذلك, فإنّه يتعرّض للمساءلَةِ والاستجواب من إدارته.
وبالتّالي يبقى الموظّفُ في حالةِ تخوّفٍ دائمٍ من طبيعةِ منشوراته, وإعجاباته, وتعليقاته, وحتّى تفاعلِه مع الأحداث على الساحة الدوليّة والإقليميّة, والقضايا الوطنيّة والقوميّة.
ويظلّ الشعور بالرقابةِ المخابراتيّة هاجسًا عند الموظّف, وخاصّةً بعد وصول بعض التحذيراتِ, ولفتِ النّظر للموظّفين, والحديثِ عن خصوماتٍ من الراتب, أو الملاحقة القانونيّة, أو الفصل –في بعض الحالات.
على أيّةِ حالٍ, فإنّني كمطّلعةٍ عن كثب بالموضوع, أعتبرُ ذلك تهديدًا للحريّة في التعبيرِ عن الرأي, وانتهاكًا لخصوصيّة الموظّفِ, وتدخلًا غيرَ مشروعٍ في حياة الموظّف وأفكاره واهتماماته.
أمّا من ناحية محتوى المنشورات التي ينشرُها المعلّم على صفحته الشخصيّة المتعلّقةِ بجوانب عمله, مثل تصوير الطلبة في الأنشطة المختلفة, فإن المعلّمَ مُلْزَمٌ بعدَ موافقة المؤسّسة بإذنِ وليّ الأمرِ, وموافقةِ الأخير على نشرِ الصوَرِ الشخصيّة لابنه أو ابنتِه على صفحات المعلّم أو المدرسةِ, ويحِقُّ لوليِّ الأمر مقاضاةُ المعلّم في حالة النشرِ دون أخذِ إذنه.
ينشئُ بعضُ المعلّمين الصفحات والمجموعات باسم المعلّمِ أو الصفِّ أو المدرسةِ, ويوثّق فيها نشاطاتِه الصفيّةِ واللاصفيّةِ والمجتمعيّةِ؛ ليراها الطلابُ وأولياؤهم, كما أنه يشاركها مع الزملاءِ والمسؤولين, والمجتمعِ المحلّي.
تُحرّكُ المعلمُ دوافعَ مختلفة حول قيامه بعمليّة النشرِ, يمكنُ محاولةُ تفسيرها بما يأتي:
بعضُ المعلّمين يرى أنّ نشرَه للصور والفيديوهات والمنشورات حولَ ما يقومُ به من نشاطاتٍ في الصفِّ والمدرسةِ, هي من جانبِ التّوثيق الرسميّ للأداء, وإشراكِ المعنيّين بالممارساتِ التي تنفّذُ في الصف والمدرسة, كما أنّها تصويرٌ للذكرى, ولزرعِ الفرحةِ في وجوه الأبناءِ وأولياءِ أمورهم.
وقد يكونُ النشرُ على الصفحات الشخصيّة من باب رغبةِ المدرّسِ في التواصلِ, وتبادل الأفكار والاقتراحاتِ والخبراتِ, فيتشاركُ الأساليبَ التربويّةَ, والتجاربَ المختلفةَ مع زملائه المعلّمين, والإدارةِ والمختصّين, وأولياء الأمور, ما يعودُ بالنفع على العمليّة التعليميّة والتعلّميّة, ويصبحُ المعلّم بذلك أكثر من ناقلٍ للمعلوماتِ والخبراتِ, ويكونُ موجّهًا ومرشدًا ومشاركًا للطلبةِ في عمليّة التعلّمِ, مطوّرًا لخبراتِه باستمرارٍ من خلالِ ممارساتِه العمليّة, وتواصله الدائم معهم.
يرسلُ بعضُ المعلّمين من خلالِ ذلك إشاراتٍ للإدارةِ والمسؤولين حول ما ينشرونه, وقد تحدثُ المبالغةُ وكأنّنا أمام علامةٍ تجاريّةٍ تبحث عن التسويق والترويجِ للمنتج! فيبحثُ المعلّم من خلال النشرِ عن الشهرةِ, ويمكن له بذلك الاستفادةُ على مستوياتٍ مختلفةٍ.
هناكَ من يرى أن بعض الإدارات التربويّة, وبعض أولياءِ الأمور يبُثّون إشاراتٍ سلبيّةً حول عملِ المعلّمين, مقلّلين من جهودِهم في الدّوام وبعده, فيلجَأ المعلمُ إلى إظهار ممارساتِه وأنشطته الصفيّة واللاصفيّة مع الطلبة على وسائل التواصل الاجتماعيّ, كإثباتِ دليلٍ على مجهوده وتعبه في التدريس, يبدو أنّها تمثّل جانبًا من أزمةِ الثّقةِ التي يعاني منها المجتمعُ بكافّة طبقاته.
جميعنا نبحثُ عن التّقدير والاهتمام, والمعلّم ليس بدعًا من القومِ, فهو مثلُنا يبحثُ عمّن يقدّرُ جهدَه, ولا شكّ أنّ الكلمة الطيّبةَ والتعزيزَ الماديّ والمعنويّ لهما أثرهما على النّفسِ والروح, ولأنّ كثيرين لا يقدّرون جهود المعلّم فإنّه يبحث في منصّة التواصل الاجتماعيّ عن الإعجابِ والتقدير والاهتمام.
بعضُ المعلّمين ما زالوا يتحفّظون على التواصل مع الطلاب وأوليائهم عبر الإنترنت, لكنّ المعلّم حين يقرّر إشراك المتعلّم ووليّ أمره فإنه يضحّي بجانبٍ من الخصوصيّة, فقد يصبِحُ الطلبةُ وأولياؤهم مطّلعين على كثيرٍ من الجوانب الشخصيّة للمعلّمِ, مثل: صورِه الشخصيّة, وأفكارِه, وتطلّعاتِه, وأحوالِه الشخصيّة, ومناسباتِه الاجتماعيّة.
ويبقى للمجتمعِ تحفّظاتُه, وخاصّةً في التعامل مع الجنسِ الآخر, ولذلكَ فإن بعضَ المعلّماتِ يمتَنِعْنَ عن التواصل الاجتماعيّ مع الطلبةِ وذويهم, حتّى إنّ المعلمات يرفضنَ إعطاء رقم هاتفهِنّ خوفًا من المعاكسات, أو الاستغلال, أو الإزعاج, أو الابتزاز, أو التحرش الإلكتروني.
كما يرى بعض المعلّمين أن هذه الوسائلَ مضيعةٌ للوقتِ على حسابِ عمليّة التعليم, حيثُ ينشغِلُ المعلّمُ بالتوثيق, ويصبحُ هدفُه وشغلُه الشاغل التصوير, وكذلك إهدار الوقتِ وشغلُ المعلّمِ في غيرِ وقت الدوامِ في التواصلِ مع أولياء الأمورِ, على حسابِ الأمورِ الشخصيّةِ الأخرى للمعلّمِ, فللمعلّم حياتُه الأخرى خارجَ المدرسة والإطار التعليميّ.
اطّلعنا عن كثبٍ على بعضِ التجارب الرائدة في التواصل الاجتماعيّ على مستوى فلسطين, وتواصلْنا هاتفيًّا وعبر الفيس بوك, مع الأستاذ عبد الرحمن خليفة- معلّم سابق للصف الأول في مدرسة بلعا الأساسيّة قضاء طولكرم منذ عام 2007 حتى 2018, ويشغل حاليًا منصب مدير مدرسة قرية فرعون الأساسية, عضو أساسيٌّ مشارك في وضع الخطوط العريضة لمنهاج اللغة العربيّة الوطنيّ الجديد, وأحد مؤلفي كتبِ اللغة العربيّة من الصف الأول إلى الرابع, قدّم عدّة دوراتٍ مع وزارة التربيّة والتعليم؛ لتعريفِ المعلّمين والمعلّمات بالمنهاج الوطنيّ الجديد, والمهارات الجديدة, وكيفيّة تدريسها, محاولين تعويضِ النقصِ الواضحِ في الخبرةِ والتدريب حول التعامل مع المنهاج الجديد, يُعَدّ أحد روّاد التواصل الاجتماعي في فلسطين على مستوى المدرّسين, تقدّم لجائزة الرئيس محمود عبّاس للتميّز والابتكار العلمي, باسم المجموعة الخاصّة به على الفيس بوك (صفي النشط “أ. عبد الرحمن خليفة) التي يتجاوزُ عددُ متابعيها من المعلّمين وأولياء الأمور الثلاثةَ عشر ألف متابعٍ, أي ما يقارب ربعَ معلّمي فلسطين, كما أن هنالك متابعين له من دولٍ عربيةٍ شقيقةٍ, يتواصلون يوميًّا معه, من الأردن وسوريّة والعراق ومصر وتونس والجزائر والسودان وعُمان.
أنشأ الأستاذ عبد الرحمن المجموعة بناءً على طلبِ زملائه المعلمين الراغبين في الاستفادة من تجربته في التعليم, وخبرته في المنهاج, وقد لاقت هذه التجربة استحسان المعلّمين على مستوى فلسطين, فهو لا ينشرُ شيئًا تقليديًّا إنما هو مبتكِرٌ ومجدّدٌ في الطرحِ وفي النشر.
لا يدّعي الأستاذ عبد الرحمن أنّه السابق في هذه المبادرة على مستوى فلسطين, إنّما يقرّ بتميّزِه عن البقيّة, فقد غيّر المطروح على مواقع التواصل الاجتماعيّ, محاولًا أن يبتكر نمطًا جديدًا في التواصل عبر الإنترنت, فلمْ ينشئ هذه الصفحة لنشرِ الأشياء النمطيّة التي تريح المعلّم, مثل: التحضيرات والخطط وأوراق العمل, فمثل هذه الأمور تنتهي بزوالِ الحاجةِ إليها, فلم ينشر يومًا تحضيرًا لدرسٍ.
أخذ على عاتقِه نشرَ معرفتِه وخبرته, وتبادل الخبرات والمعارف مع الأساتذة والمعلّمات, فقد استفادَ كثيرًا وأفاد على حدّ وصفِه.
حاول أن يركّز على نشرِ تجاربه الحقيقيّة في الغرفة الصفيّة كما هي, دون تمثيلٍ أو رياءٍ أو تملُّقٍ, فكان يوثّق كلّ فعالياته التعليميّة اليوميّة داخل الغرفة الصفيّة وخارجه, منوّعًا بين المنشورات الكتابية, وبين الصور والفيديوهات, التي تشعرك وكأنكَ داخل الصفّ, وكان الجميع من معلّمين ومعلّماتٍ وأولياء أمورٍ يتابعون ما يقوم به, الأمر الذي لاقى استحسانًا وارتياحًا.
تغلّبَ من خلالِ هذه التجربة على معيقاتِ التواصل الحقيقيّ في الواقع, فقد عمل مدرّسًا في منطقةٍ محافظةٍ جدًّا, وكان يجد صعوبةً في التواصل مع أولياء الأمور, الرجال لا يحضرون إلا نادرًا إلى المدارس, ومعظمهم مشغولٌ في أعماله داخل الخطّ الأخضر, بينما السيّدات لا يحضرن لمتابعة أبنائهم؛ بسبب عاداتٍ شرقيّةٍ محافظةٍ تمنع حضورهنّ إلى مدارسِ الذكور, وتعدّ ذلك “عيبًا” على حدّ وصفِه, ولا تزالُ هذه الظاهرة موجودةً, وإن كانتْ تقلّ تدريجيًّا, فلا تزال هناك مشكلة في التواصل الحقيقيّ (وخاصة في القرى مقارنةً بالمدينة) , فقد كان يدعو أكثر من مئة وعشرين وليِ أمرٍ إلى ندوةٍ معيّنة, فلا يحضر سوى أربعةِ رجالٍ, وعشرِ سيّداتٍ!
بينما الأمرُ على الفيس بوك يكادُ يكونُ أفضلَ بكثيرٍ, فالجميعُ يتفاعلُ معه, ويشاركُ المدرّس الآراء والأفكار, مستقبلًا التعليقات الإيجابية التي تشجع وتدعم المعلّم, وتوجّهه وتقوّم بعض ممارساتِه.
أما عن بعض ما واجهه من زملائه من تثبيطٍ أو إنكار لجهوده, فقد قال إنه كان متجاهلًا لبعض الأساليب التي تمارسها بعضُ المدرسين حسدًا أو غيرةً, أو رغبةً في البقاء على النمطيّة والتقليديّة, كما كسرت المجموعةُ حاجز المواجهة, وخاصّة في التعامل مع الجنسِ الآخر.
وعن التمثيل أو التصوير المبالغ فيه, يرى الأستاذ أنه كان يصوّر الطلبةَ في حالتِهم الطبيعيّة في الصفّ, بتميّزهم وإبداعهم, وبأخطائهم, وتعثّرِهم, يقودهم ويوجّهم للمعرفة دونَ قيدٍ أو تحَفّظٍ, وعن بعضِ مخاوِفه حول الموضوع, فقد قالَ إنه كان يتوجّس من معارضةِ الأهل لذلك, لكنّ تجربته أزالتْ هذا التوجّس, كما أنّه يثقُ بممارساتِه الصفيّة, فصفّه صفّ مرحٍ وفرحٍ, ونسبةُ الغيابِ فيه صفر! حتّى في أيّام البردِ والثلج, ونسبة التحصيل فيه مئة بالمئة, ويخرج الطلاب من صفّه, يعرفون –جميعهم- القراءة والكتابة.
حاولَ خليفة من خلال هذه التجربة أن يُضَمّن أسلوبه الخاص في التربيَةِ وآراءه في الجانب السلوكيّ, فكان يوَضّح للطفل وللأهلِ المطلوبَ منهم, مراعيًا مستوياتِهم وقدراتِهم جميعًا, وكان يرشدَ الأمّهاتِ إلى دورِهم في المتابعةِ والدعمِ للطالب, وكان يركّز على مراعاةِ جانب التنظيم والنظافة الشخصيّة, تاركًا مسألةَ التعليم لهُ, فهو يرى أنّه من الضروريّ مراعاةُ مستوى التعليم للسيدات, وكان يتخوّف من تعارضِ طريقةِ تدريسه مع طريقة تدريسِ وليّ الأمر؛ لذلك حاولَ الاستئثار بذلك لنفسه.
تستمرُّ متابعة المعلّم عبد الرحمن للطلبة وأوليائهم, حتّى بعد انتهاء الدوام المدرسيّ, وبعد انتهاء العام الدراسي, فهو يكرّس جلّ وقته لمتابعةِ الطلبةِ وأولياءِ أمورهم, الأمر الذي شكّل له في البداية بعض الإحراجِ العائليّ, وبعضَ الإزعاجِ, فبعضهم لا يراعي الوقتَ المناسبَ للحديث مع المعلّم, ولا يستخدم الأسلوب اللبق المناسب مع المعلم, وبعض المعلّمين وأولياء الأمور يسألُ لغرضِ التحدّي أو الاختبارِ, لا الفائدة, لكنّه تجاوزَ ذلك الأمر, فهو يستقبلُ الرسائلَ ويجيب عنها في وقتٍ محدّدٍ؛ ليوفّقَ بين ظروفِ حياتِه الطبيعيّة, وظروفِ عمَلِه, ورسالةِ المعلم التي يؤمن بها, ولا تقف عند حدود الغرفةِ الصفيّة, ويتجاهل أقوال المحبطين وأسئلتهم.
في نهايةِ العام الدّراسي, يقدّم خليفة للطلبة استبانةً حول أدائهِ, وممارساتِه, ودورِ المجموعةِ على الفيس بوك, وبعضِ ملاحظاتِهم وآرائِهم ونصائحهم.
وعن نصائحه التي يقدّمها للمعلّمين ومرتادي الصفحاتِ أن ينشروا ما يمكنُ الاستفادة منه, وأن يتجنّبوا توافهَ المنشورات المضيّعة للوقت, كما يوصيهم بنشرِ كلّ ما له قيمةٌ وفائدة, والصفحات كثيرةٌ لكنّ تأثيرها متفاوتٌ, كما أنّ أداءها متفاوتٌ أيضًا, وأن يبحثَ عن التجديد والابتكار, ونشرِ إبداعاتِه لا الأمور النمطيّة (التي يمارسها معظمنا).
وعن سؤالنا له إن كان يندم على التجربة, أو يحاولُ التّهرّب من مسؤولياتها, قال إنّه يفخر بالتعرف على شريحةٍ كبيرةٍ من المعلّمين والمجتمع الفلسطيني, ويعتزّ بعلاقاتِه معهم, ومستوى الإفادة والاستفادة, ولا يندم أبدًا على التجربة, كما أنّه يسعى إلى مشروعٍ أكبر, وهو المدرسة النشطة, فلا يقتصر أداؤه وتجربته على الصف الأول فقط, بل يمتدّ إلى الصفوف الأخرى, بناءً على خبرته كمدير مدرسةٍ وكمشاركٍ في تأليف منهاج اللغة العربيّة, كما أنّه يريد أن يوسّع تجربته إلى مباحثَ أخرى, كالرياضيات, والعلوم, واللغة الإنجليزيّة.
كما قد أخبرنا الأستاذ عن انتهائه من تأليف كتابٍ حول تجربته في التعليم, وعن أدائه في الصفحة الخاصّة به, ويتضمن كتابه الألعاب التربويّة المنشورة على صفحته, وقد جمّع في الكتاب أكثر من مئةٍ وخمس لعبةٍ تربويّةٍ, ستكون مرفقةً بالصوَر, مع شرحٍ كافٍ للعبةِ التربويّة.
وعن تجربةٍ أخرى, تواصلنا مع المعلمة مرام فريج, معلمة لمادة تكنولوجيا المعلومات, مدرسة بنات إبراهيم الخواجا الثانوية- مدينة طولكرم, منسّقة مشروع جائزة المدرسة الدوليّة في المدرسة, ومشاركة دائمة في معرض فلسطين للعلوم والتكنولوجيا, حصلت بالشراكة مع النادي العلميّ للمدرسة على مراكز متقدّمة على مستوى المديريّة والوطن, مدرّبة للأنشطة اللامنهجية مثل: الكورال والمناظرات وفن الحوار, وهي قائدة فريق المرشدات الكشفيّات, شاركت في العديد من المخيّمات الكشفيّة والدورات التحضيرية مع المجلس الثقافي البريطاني, ومع مؤسسات دوليّة عديدة.
تحدّثت معنا عن مناصرتِها للتواصل الاجتماعي مع الطالبات وأولياء أمورِهِنّ, خاصّةً أنّها متوفّرة ومنتشرة بشكل كبير ومتداولة بين الطلاب وأهلهم, وبالتالي ينبغي على المعلّمين استثمار هذه الفرصة, من أجل تواصلٍ أفضل مع طلابهم, مع مراعاةِ تنبيه الطلبة للاستخدام الأمثل للإنترنت ولمواقع التواصل الاجتماعي.
المدرسة التي تعمل فيها مرام لديها العديد من المجموعات المتنوّعة بين أنشطة منهجيّة ولامنهجيّة, وصفوف معيّنة, وكذلك مواد معيّنة, بإشراف المعلّمات أو الطالبات, إضافةً إلى مجموعةٍ لأولياء الأمور بإشراف مديرةِ المدرسة؛ لمتابعة المستجدات بالنسبة للطالبات, والمدرسة والعلاقات مع المجتمع المحليّ, وكذلك مجموعة خاصة ببنات التوجيهي, ومجموعة أخرى لمشروع البرمجة.
تناقش مرام مع الطالبات في المرحلة الثانويّة عبر المجموعة الموضوعات المتعلّقة بالمنهاج, والحصص الدراسية, فتقوم بنشر بعض المعلومات عن الدرس قبل شرحه على المجموعة, ووضع تمهيدٍ له مثل الفيديوهات التوضيحيّة وأوراق العمل, وعروض البوربوينت المختلفة, كما قد تتابع بعض الواجبات المدرسية معهنّ, وتقوم بمتابعة فهمهنّ للمواضيع المختلفة, فهي تتقبل أي تساؤلٍ من الطالبات, وتعالج أيّ قصورٍ في الفهم عبر مراجعة الحصص معًا في المجموعة, فتستكمل ما لم يكتمل فهمه في الحصص المدرسيّة, كما تذكّرهنّ بمواعيد الامتحانات والنشاطات المدرسية المختلفة.
تنشر عبر المجموعة إبداعات الطالبات ووسائلهنّ ونشاطاتِهنّ, معزّزةً ومشجّعةً إياهنّ, كما تشرك أولياء أمورهنّ في متابعة ذلك, كل ذلك ساهمَ في الرقيّ بالعمليّة التعليميّة والتعلّميّة, وجعلها قادرةً على التواصل بشكل أفضل مع المجتمع المحلي.
أما عن الوقت المقتطعِ لمتابعة المجموعات المشرفة عليها: ترى مرام أن تخصّصها قد فرضَ عليها المتابعة المستمرة لكل المستجدات على الساحة التقنيّة, فهي تقضي وقتًا طويلًا وتستهلك جهدًا كبيرًا في متابعة المجموعات, ومتابعة الاستفسارات والتساؤلات, واختيار الروابط المختلفة, فهي تشعر أنّها “مجنّدة للمدرسة 24 ساعة” , فهي مسئولة عن مجموعةٍ خاصةٍ بالبرمجة, وكذلك المجموعة الخاصة بالثانوية العامّة, اللتين تحتاجان لجهد أكبر, ووقت متفرّغ واطلاع دائم.
تطرّقت مرام للفروق بين تدريس المرحلة الأساسيّة والثانويّة (فقد عملت سابقًا في أكثر من سبع مدارس مختلفة في الضفة الغربية), فتدريس الابتدائيّ يتركز الجهد على المعلّمة في المدرسةِ فقط, بينما في المرحلة الثانويّة فإن الجهد المبذول في المدرسة أقل (نظرًا لاهتمام الطالبات, ووعيِهِنّ), بينما العلاقة معهنّ تستمر إلى خارج المدرسة, وتستمر معها العمليّة التعليميّة عبر التساؤلات والتفاعل معهنّ عبر الإنترنت, الأمر الذي يزيد من متعة التدريس رغم التعب المضاعف المرافق لذلك.
وعن الحدود التي ينبغي أن يضعها المعلم مع طلابِه, ترى مرام أن حدود التواصل مع طالباتِها تعليميّة بحتة, فهي تفتحُ أفق الإبداع والتطور, وترشدهنّ إلى كلّ ما يفيدهنّ في ذلك, وترفع مستوى آليات البحث عن المعلومات, والاعتماد على النفس في الحصول عليها.
بالنسبة للتواصل الشخصيّ والاجتماعي, ترى مرام أنّ التعليم مهنة إنسانيّة قبل كلّ شيء, فإنّه بفعلِ علاقاتِها القريبة مع الطالبات وتواصلهنّ الدائم معها, تلجأ كثير من الطالباتِ إلى طرح بعض مشكلاتِهنّ النفسيّة الشخصيّة والأسريّة, تتابع المعلّمة المشكلة مع الطالبة, وتزوّدها قبل كل شيء بالثقة بالنفس, ثم تحوّلها للمرشدة التربويّة في المدرسة.
تنصح مرام ألا يتداول المعلمون مع طلابهم أخبارهم الاجتماعيّة الخاصّة أو مشكلاتهم عبر مواقع التواصل, وأن يكون هذا نهج الجميع في الحياة, وأن نستثمر مثل هذه المواقع فيما يفيد فقط.
وعن سؤالنا إذا كانت قد عانت من تجاوزاتٍ إلكترونيّة, أجابت أنّها لا تعاني من تجاوزات الجنس الآخر, على عكسِ كثيرين من المتخوفين, فهي في مَدرسة ثانويّة, وتحضر السيدات فقط من أولياء الأمور, ويتوجّهنَ للسؤال والاستفسار عبر مديرة المدرسة في مواعيد محدّدة, ويكون التواصل إلكترونيًّا معهنّ فقط, ونادرًا ما يحضر ولي الأمر (الأب) إلى المدرسة, ويكون التواصل معهم عبر المديرة أو المرشدة, فالوالد (حسبما قالت) يُستَدعى في حالاتٍ نادرةٍ, ولا يصل إلى المعلّمات, وهكذا لاحظت في مناطق عملها في الضفة.
أما عن سلبيّات التواصل الاجتماعيّ, فالإدمان على استخدام المواقع يبعد الطالب عن واقعِه, ويشكل فجوةً بين الحقيقة والحياة الافتراضية التي يعيشها الطالب إلكترونيًّا, كما أن الاستمرار لساعاتٍ طويلةٍ يؤدي إلى التقاعس عن الدراسة, وتراجع المستوى التعليمي, إضافةً إلى التأثير الصحي على العين والدماغ من الجلوس الطويل على الهواتف أو الحواسيب.
لذلك فإنّها توصي طالباتِها بأوقاتٍ محدّدة للتواصل عبر المجموعات, أو التواصل الإلكتروني بشكلٍ عام, وتوصيهنّ أيضًا بتحرّي الفائدة المرجوّة, والابتعاد عن الملهيات.
لا أخفيكم في نهاية لقائنا مع المعلمين مدى فخرنا واعتزازنا بلقاء معلمين, مميّزين ومتفانين في خدمةِ العمليّةِ التعليميّة والتعلميّة في فلسطين….
بالتوفيق لهما ولجميع معلمينا في الأراضي المحتلّة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إغلاق
إغلاق