رأي

الإنسان وتغيُّر السّنين

 

ازهر عبدالله طوالبه
رحلَ رقَم وجاءَ رقَم آخر، هكذا يجِب أن نتعاملَ مع هذه الحياة، التي لا يتغيَّر بها وفيها شيء ؛ سوى الأرقام، أمّا أهمّ ما فيها، وأقصد هُنا “الإنسان”، يبقى ثابتًا، لا تُغيِّرهُ كُلّ الظُّروف التي تمرّ بهِ قاصدةً تغييريه . فهو قَد اعتادَ على الثّبات، بَل على الجُمود، فتراهُ يُجمِّد نفسهُ في قالبٍ فكّريّ واحِد، ويرّفُض كُلّ القوالِب الفكريّة الأُخرى، وإن تكسَّر هذا القالِب، تراهُ يصرّ على أن يُجمِّد نفسهُ في قالبٍ آخر، أيًّا كانَ هذا القالِب . فهو لا يهتمّ بالجانبِ الموضوعيّ للقوالِب التي يُجمِّد نفسهُ داخلِها، بقدرِ ما يهتمّ بالجانبِ الشّكليّ لها.

هكذا هو الإنسان، لا يُجيد شيئًا أكثرَ مِن إجادَته لتحطيبِ ذاتِه، وسلّخِها عن كيّنونتها الأصليّة والأصيلة، إنَّه إسّتهلاكيّ، بكُلّ ما تحمِلهُ الكَلمة مِن استهلاك.. فها هو اليوم أمامَ سنةٍ أقّبلَت وسنةٍ أدّبَرت، وهو، أي الإنسان، ما زالَ يُصارِع نفسهُ، وما زالَ يُغرِقها في كوبٍ مليء بلُعاب الحياة، وما زالَ يُريد أن يُراقصَ غِصّنًا هشًّا لشجرةٍ مبّتورة السّيقان، وما زالَ يتقوّى على جُدران أعمارهِ التي امتصَّت عتمةَ حياته، لكنّهُ أفشلها، وما زالَ يُعيب على طائرٍ جريح، كُلّ محاولاتهِ للطّيرانِ في سماءٍ تكادُ تُثقِلهُا الرّيح .

هكذا، هو الإنسان، متى ما عجِزَ – ودائمًا هو عاجِز- عن خلقِ حياته الخاصّة، التي تُرضيهِ مِن داخِله، وتتوافَق مع مصالحهِ الذاتيّة، الّتي لا تتعاَرض مع مصالِح الآخرين، ولا تعتَدي عليها ؛ سارعَ لإخراجِ سيوفهُ – وما أكّثرها- مِن أغمادها، ليقّتُلَ مَن يُشارِكهُ الوجودَ في هذه الحياة .

لذا، ثمّة تصوُّر داخليّ، لَيسَ بمقدوري، إلى هذه اللّحظة، أن أتخلَّص منهُ..تصوُّر يؤكِّد لي، بناءً على ما نشّهدهُ مِن وضاعةٍ وسُخفٍ وانحطاط للقيمية الإنسانيّة، بأنَّنا نرجسيّونَ،وأنّنا استهلاكيّون جدًا، وأنَّهُ لا قيمةَ للإنسانيّة ما لَم تكُ في صالِحِ “الفردانيّة” وليسَ ” الفردانيّة الإنسانيّة” ، وهُنا أقصُد العيشَ في قصورِ “الفرديّة المُطلَقة”، التي تهمِّش الوجودَ والعالَم في سبيلِ “الأنا”، وأنَّ خزائن أعمارنا تمتلئ بالقَذارة، وأنَّ أعمارنا كُلّها أنفاق طويلة ما عرفَت الضّوءَ يومًا، وإن بقينا ندّعي الضّوءَ في حياةٍ أظّلمناها، فلَن تعرِف نهايَة أنفاقنا الضّوء، بَل لَن نعرِف نحن نهاية أنفاقنا.

ثمَّة مقولة أردِّدها على نفّسي، دائمًا، أقول فيها ” إنَّ الإنسانَ يُحبّ أرضه، لكنّهُ لا يُريد أن يعتني بها، ويُحبَّ نهره، لكنّهُ يكرَه التّجديفَ فيه، ويُحّب عُلوّ الجِبال، لكنّهُ يخاف مِن الوقوف عليها، ويُحبّ الأودية، لكنّهُ يعتَبِر نفسهُ غير كامِلٍ إن أقامَ بها، فهي ذات قيعانِ كبيرة، وهو مهجوسٌ بقمّةٍ لا يصلها..الإنسان يعيش بلا رمزيّة تذكَر ؛ حيث أنَّه “يتغزَّل” بالطّبيعة، أو “يلتَمِس ذاته” مِنها، لكنّه، سُرعان ما يُسلِّم نفسهُ لكُلّ ما هو صناعيّ، متذرِّعًا بالتطوِّر والتقدُّم “، وبعدَ كُلّ هذا يُحاول أن يُجمّلَ نفسه، فيهمّ بالبحثِ عَن الخُلود، لكنَّه يفشَل، ليسَ لشيء، وإنَّما لأنَّه مُفرطٌ بالاستهلاكيّة، كما قالَ “ليبوفتسكي”.

إنّ هذه المقولةٌ، آنفة الذِّكر، قَد كشَفت لي، عن الحجَم الهائل للقُصورٍ المادّي في داخلِ الإنسان، وأنَّ تكوينهُ الذّاتي ما زالَ قاصِرًا على فهمِ الحياة، ولا يسّمحَ لهُ بالإنخراط الواعي والحقيقيّ . كما أنّها، أي المقولة، قَد أعانتّني وما زالَت تُعينني، على فهمِ الإنسان، وعلى الوقوف عِند كُلّ جزئيّةٍ في حياته، إذ أعطتّني القُدرة الكافية لفهمِ التّركيبة السيكولوجيّة للإنسان، وكيفَ أنّهُ محكومٌ مِن العواطِف الزّائفة على حسابِ الحقائق ولو كانَت صعبة. فالإنسان لا ينظُر لنفسهِ إلّا إذا همَّش إنسانيّتهُ، ولربّما هذه نظرةٌ عصريّة، لَم يكُ يعرِفها مَن عاشوا، بكاملِ وعّيهم، ولو عقدًا واحِدًا مِن القرنِ الماضي.

وخِتامًا، أقول: إن أردّنا أن نُكسِّر كُلّ القوالِب، وأن ندوسَ بأقدامنا على “الاستهلاكيّة” التي أفّرطنا بتناولِ حبوبها، حدّ الانتحار القيميّ للإنسانيّة، وإن أردّنا أن نُغيِّر أعمارنا واقعًا لا رقمًا فقط ؛ فلا بُدَّ مِن أن نكثِّف كُلّ قيميةٍ وجوديّةٍ تؤمّن لنا وجودًا مستقرًّا، كما لا بُدَّ مِن بناء جُدران ضخّمة بيّننا وبينَ كُلّ ما لا يُريد منّا إلّا نبقى تحتَ “الإستهلاكيّة” التي سلبَت أعمارنا، وقزَّمت وجودنا، وحطَّت مِنا، كثيرًا.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إغلاق
إغلاق