رأي

الأمازيغية… (حصان طروادة)

عبد العالي زغيلط

لقد نجحت الانتروبولوجية الميدانية الفرنسية حيث فشلت مدافع الجنرالات، واستمرت فرنسا بالقلم والكتاب حيث توقف المدفع، ونالت فرنسا بالمدرسة والكنيسة ما لم تنله بالثكنة.
استطاعت فرنسا بالتدريج وعلى مراحل ومنذ هانوتو، ولافيجري وأوجين دوماس،وكاميل ساباتيي،وكي دو سانت ايمور،وإميل ماسكوراي وإلى أندريه باسي الذي تتلمذ عليه الضابط الفرنسي جاك بينيت(1915- 2009) الذي أشرف على ثمرة جهود فرنسا ممثلة في “الأكاديمية البربرية” استطاعت أن تجعل من موروث شعبي بمحدوديته الفكرية والنصوصية لغما مدمرا للجزائر، كما استطاعت أن تجعل من “دولة” تفوقها مساحة بأضعاف مضاعفة مجرد ولاية تابعة لها ومؤتمرة بآوامرها.
لقد كان الاحتواء الثقافي هو الكنز الثمين الذي راهنت عليه فرنسا أكثر من أي شيء آخر، وتحرسه اليوم أكثر من أي وقت آخر من خلال جيش من المؤمنين بـ”رسالتها التمدينية” ومنهم معربون انطلت عليهم الحيلة، وفي طليعة هذا الجيش المؤمن بفرنسا الثقافية في الجزائر التيار الفرونكوبربري،لتأتي مصالحها الأخرى تباعا، وبرعاية هذا التيار الوفي.
لم تكتف فرنسا باتفاقية “ايفيان” الراجحة كفتها لصالحها،والتي من بنودها في مجال التعاون الثقافي أن ” يشجع كل من البلدين في أرضه دراسة اللغة والتاريخ والحضارة الخاصة بالبلد الآخر” بل سارعت بالعمل على تفعيل البند بمفردها فمنحت الضوء الأخضر لجاك بينيت كي يجمع شتات البربريست في مؤسسة حاضنة لهم، وها هو أحد مناضلي الأفافاس القدامى وأحدُ مؤسسي الأكاديمية يكشف لنا عن التقدير الذي يحظى به جاك بنيت، وعن مكانة الرجل في أوساط البربرييست، حيث يقول عنه “محند أعراب” في اهدائه لكتابه ذي المنحى السيرذاتي “تاريخ الأكاديمية البربرية 1966- 1978”:
“أيها الإخوة إذا ما توجب على البربر أن يتذكروني يوما ما تقديرا لي، فسأطلب منهم أن يشركوا معي اسم جاك بينيت لأنه لولا مساعدة هذا الصديق الكبير للبربر فربما لم يكن لنشاطي لمصلحة هويتنا أي نجاح يذكر ،فالفضل يعود اليه، فمن الإنصاف إذن القول :محند اعراف -جاك بينيت كما نقول ايركمان شاتريان”
لم تنتظر فرنسا إذن ذات التاريخ الاستعماري حبر الاتفاقية المُذلة حتى يجف، بل واصلت ما بدأه الآباء البيض والأقدام السوداء، وأنشأت الأكاديمية عام 1966 واحتضنت اجتماع خمس وعشرين رجلا وامرأة لأول مرة على أرضها بـ”لوفالوا بيري” يوم 16 جوان وسمحت لمؤسسيها بالنشاط العلني وذلك استكمالا لما بدأته وانسجاما مع ما وقّعته، وكان جُلُّ هؤلاء ممن باع دينه، أو باع وطنه، أو باعهما معا، ونذكر منهم مارغريت طاوس عمروش أخت الكاتب جان عمروش التي تنصرت عائلتها والتحقت بتونس، ومنهم يوسف عاشور الذي كان رئيسا شرفيا لها وقد كان سيناتورا “فرنسيا”من 1959إلى جويلية 1962، أي كان في الطرف الآخر من المعركة لما أختار الجزائريون سبيل الكفاح المسلح ضد أسياده، ومنهم خليفة محند أمقران الذي انتسب إلى حزب الشعب ثم إلى الحزب الشيوعي واجتهد في ثلاثينات القرن الماضي في اجتراح ابجدية للبربرية، ويُعد العقل المفكر للأكاديمية، أما رئاسة الاكاديمية فقد أسندت إلى أستاذ الصيدلة بفرنسا والمهتم بالبربرية محند سعيد هانوز ،بينما عادت الأمانة العامة إلى هميسي حميد شعبان الذي أسس راديو باللهجة القبائلية. …
كان العمل منسقا مع جاك بينيت زميل فرانسوا ميتران وصديقه في الدراسة والحرب والكيد والسياسة.
كانت الأكاديمية البربرية تعمل في خريف نهاية السبعينات لتندلع أحداث الربيع البربري الذي استثمر في جهود الأكاديمية وحولها إلى ارضية يعكوران الشهيرة في 31 أوت 1980 والتي تلخصت في :
√البحث عن الهوية الجزائرية الفعلية
√إرادة تفعيل اللغتين الوطنيتين: الأمازيغية والعربية الجزائرية
√ التعطش إلى الثقافة.
√ الحق في حرية التعبير.
ومع التعددية الحزبية تحول المشروع الفرنسي إلى واقع سياسي في تشكيلات حزبية جعلت من المطلب اللغوي مشروعها ورأسمالها ورهانها في الضغط للتمدد في دواليب السلطة وتحقيق مكتسبات لم تكن تحلم بها في عهد الحزب الواحد أو لم تكن مهيئة سياسيا بما يسمح بالضغط.
إن تصريح السكرتير الأول للأفافاس في يوم احتفال الجزائريين بعيدهم الوطني عام 1998 بالقول: ” ها انا ذا أتحدث باللغة الفرنسية لأقول بأننا لن نطبق القانون” كان بمثابة إيذان بتراجع “الدولة الوطنية” عن أحد أهم ركائز وجودها والذي ما فتئت تؤكده في دساتيرها منذ 1963 ألا وهو أن اللغة العربية هي اللغة القومية والرسمية للدولة، وأن اللغة العربية هي اللغة الوطنية والرسمية.
لم يكن تصريح السكرتير الأول للأفافاس إلا تناغما مع سلوكيات المسؤولين الذين فهموا لعبة السلطة العميقة وأنها منحة فرنسية، وأنها الأداة المثلى للحفاظ على المنصب واسترضاء مانحه هناك في الإليزي وأن الأمر لا يتم إلا بالفرنسية وبها فقط، وهو ما عمل على ترسيخه بوتفليقة قولا وعملا فكان كنزا استراتيجيا لفرنسا في الجزائر.
اليوم نحن في مفترق طرق خطير للغاية تحولت فيه الأطروحة البربرية بدعم فرنسي إلى قنبلة قد تأتي على الأخضر واليابس وتعصف بجهود المخلصين منذ الأمير عبد القادر وبن باديس إلى أبي القاسم سعد الله وعثمان سعدي وأحمد بن نعمان وغيرهم …
إن دسترة ما يسمى بالأمازيغية التي طبخت في مخبر أكاديمية جاك بينيت سيفتح الشهية إلى دسترة الراية، وكما تدرجت المدرسة الفرنسية وطوعت الجزائر لغويا فالتدرج فيما دون ذلك أهون.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إغلاق
إغلاق