إقتصادفي الواجهة

الأزمة الاقتصادية وفيروس كورونا

عامر رسول

اتسعت خريطة انتشار فيروس كورونا المستجد لتشمل بشكل سريع معظم أنحاء دول العالم ويتزايد معه الخوف والقلق الذي ينشره. وقد سبقت آثار هذا الوباء ازمة اقتصادية عالمية خانقة، تعود ملامح ومؤشرات ظهور هذه الأزمة إلى فترة طويلةسابقة ، واعتقد ان كلتا الظاهرتين لهما علاقة وثيقة ببعضهما البعض، وان انتشار الوباء ليس السبب الحقيقي للازمة كما يدّعى ، لكنه كانت مقدمات واعراض لسياسة حركة الاقتصاد الراسمالي. وعدم القدرة والجاهزية لمواجهتها من قبل الانظمة الصحية العالمية هو احدى النتائج المترتبة لهذه الازمة. وان النظام الرأسمالي العالمي يحاول بشكل منظم من توظيف الوباء لتغطية انهياره الاقتصادي. وهناك حقائق عن سياسات النظام البرجوازي المستند على تنبي سياسة التقشف والإفقار وخفض الإنفاق العام على الصحة.
ان مكافحة الاوبئة والاجراءات الوقائية كما مألوف في الانظمة الصحية وحسب لوائح منظمة الصحة العالمية تمر بمراحل، المرحلة الاولى استعمال نُظم الإنذار المبكر الخاصة بالاوبئة وبعد مرحلة الاستكشاف والتعرف على الوباء الجديد تتخذ التدابير الفورية لمكافحتها في غضون أسبوعين من بدئها على اقل تقدير. وفي حال اذا لم يتم الاستعداد الكامل لهذه الحالات، سوف تتفشى بشكل واسع في ارجاء المعمورة كما عليه الحال الان. بحيث وصل الى مراحل متأخرة وهو الان في ذروة انتشاره وغير قابل للتوقف. وسوف نفقد الكثير من الارواح و البشرية واقفة امام تراجيديا مأساوية.
وهذا مستند على تصريحات رؤوساء وقادة العالم، حيث قالت ميركل اننا نتوقع ان يصاب ـ60ــ70 بالمئة من سكان المانيا اي ثلثي سكان البلاد، صرحت وزارة شؤون الصحة في النرويج بتوقع الاصابات ان تصل الى مليونين ومئتي الف من سكان الممكلة من المجموع الكلي للسكان الذي لا يتجاوز 6 مليون، قال رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون، في مؤتمر صحفي”ان الكثير من العائلات سيفقدون احبائهم في وقت مبكر” وكانت هذه التصريحات اثارت الذعر والهلع في نفوس مواطنيها. هذه نماذج قليلة مما تدل على عدم المبالات والاستهتار بحياة الملايين من البشر. وان هذا التصرف اللامسؤول لاتنبع من عدم قدرتهم على احتواء الوباء ومواجهتها، وانما نابعة من مصالح اصحاب الرساميل بعدم توقف تجارتهم وشركاتهم العملاقة في جني الارباح. وفشل مواجهتهم للوباء توضح لنا وتفند جميع تلك الادعاءات الكاذبة فيما يتعلق بالنظام الصحي والرعاية الاجتماعية. تبينت بان الحكومات البرجوازبة الاوربية والامريكية لم تخصص في استراتيجاتها بعيدة المدى مخصصات مالية لتطوير النظام الصحي، وتقوية ودعم مراكز البحوث العلمية والدراسات البيولوجية. وهذا ليس اتهام، هم يقرون ويعترفون بهذه المسالة، هناك ارقام واحصائيات مروعة حول عدد المشتشفيات القليلة التي لا تلبي حاجة سكانهم، عدم توفر الاجهزة والمعدات الطبية اللازمة، نقص حاد في التوظيف في ملكات الطبية، هناك عواصم في دول اروبية ليس باستطاعتها من استيعاب 200 شخص مريض، اضف الى ذلك نقص حاد في الدواء الضروري وخاصة لذوي الامراض المزمنة. ووصل بهم الحال بانهم يعطون اولوية العلاج والرعاية للمرضى ذوي الاعمار الاقل من المسننين. والسياسية اللانسانية تجاه المسنين ليس في عدم توفير الاحتياجات الخاصة والمتطلبات الضرورية لهم، بل يواجهونم بالموت في كل لحظة وفي كل ثانية من خلال زرع الهلع في نفوس تلك الشريحة الكبيرة التي تشكل من 20 الى 30 بالمئة نسبة الساكنين وبالاخص في امريكا والدول الاوربية وخاصة ايطاليا حيث ان كبار السن يمثلون نسبة 23% من السكان . هذه المؤشرات هي غيض من فيض، ترشدنا هذه الوقائع المؤلمة بان قيمة الانسان في ظل النظام الراسمالي ليس الا احدى ادوات انتاجها للمزيد من الربح. هذا ناهيك عن مواجهتهم للحالات المرضية المزمنة الاخرى التي بامكانهم بكل سهولة من علاجها، انظروا الى احصاءات منظمة الصحة العالمية على عدد الوفيات في العالم نتيجة الامراض التي تتوفر لها العلاج. وكمثال “بلغ اجمالي عدد الوفيات بالعالم حسب الاحصاءات الرسمية في عام 2016 الى 15.2 مليون وفاة وان نصف الوفيات التي تصل الى (54%)” كانت اسباب الوفاة حالات مرضية مختلفة. “وفي كل سنة تتوفى 000 536 امرأة بمضاعفات مرضية أثناء الحمل أو الوضع، وتحدث 99 ٪من تلك الوفيات في البلدان النامية”.
وقدر عدد المعرضين لخطورة الاصابة بالملاريا بنحو 3300 مليون نسمة في عام 2006 ،من بينهم 1200 مليون نسمة من الفئة الاشد تعرضًا لهذه الخطورة” المصدر الامم المتحدة.
حدوث الازمات الاقتصادية ليست بجديدة على العالم، فقد شاهدنا كيف تطفوا تلك الازمات على السطح في الثلاثين سنة الماضية وتعصف النظام الراسمالي ازمة في كل عشر سنين تقريبا.
يحمل النظام الاقتصاد الرأسمالي في جوهره مقومات يدفعه بشكل دوري الى خلق الازمات وعدم التوازن في تحقيق التناسب بين طاقاتها الانتاجية، وهو فوضوي بطبيعته، وهي صفة متلازمة معه لان اليات عمل هذا النظام تستند على شروط تحقيق اكبر هامش ربح مما يمكن والتي تنتجها القيمة الزائدة وهي تعرف على انها القيمة المسروقة من العامل التي تنشأ بواسطة العمل غير مدفوع الاجر، في ضوء نظام المنافسة في السوق الحر. ويمكن مشاهدة هذه الفوضى بشكل يومي المتمثلة بتزايد نسبة البطالة الى ارقام قياسية، الهبوط والصعود المستمر لأسعار السلع والمواد المنتجة، تغير دائم في قانون العرض والطلب، فرط الإنتاج والتضخم. وهذه المتغيرات تعطينا صورة واضحة عن رسم خريطة التناقضات الكبيرة لحركة راسمال العالمي.

في آخر المطاف، سيتعافى الاقتصاد الرأسمالي من ازماته المتكررة و يحاول دائما وبخطى حثيثة، السير نحو الاستمرارية وديمومة حياته واستعادة القدرة على تناقضاته التي يواجهها. ولاتعني بان حلولها جذرية ونهائية وانما تكون سطحية ومؤقتة، والدليل نرى من خلال رؤيتنا لمنحى الازمات قابل لتكرار الازمات، وليس هذا فحسب، وانما تزداد وتتسع الفجوة بشكل كبير في المجتمع البشري الى طبقات (مالكة)مستغلة وأخرى كادحة (منتجة) ومستغلة. وهذا التاريخ مرتبط مع ظهور الملكية الخاصة والدولة.
لان طبيعة النظام الاقتصادي القائم، لا تتجه كما ذكرنا نحو انجاز التوازن العادل على الصعيد العام، وان ماهية وجوهر الرأسمالية تعني عدم الاستقرار الدائم ومحفوف بالمخاطر، والسبب يرجع الى طبيعته الاحتكارية الجشعة المستندة على الربح كما يطلقون عليها الاقتصاديين بشكل مهذب وهو في الحقيقة سرقة و استغلال. وان تعميق الصراع الطبقي والتناقضات التي يحملها “فإن الرأسمالية تحمل في طياتها بذور فنائها و زوالها”.
ان إعادة تنظيم الاقتصاد العالمي، بحيث يعيش العالم بسلم وامان مرهون بالنشاط الثوري للطبقة العاملة. عليها ان تطرح نفسها هنا مرة أخرى بقوة وبكل زخمها ونضالها في كل محاور الصراع ضد النظام الرأسمالي، وتعي بمصالحها الطبقية وبمخاطر ساسية البربرية للنظام الرأسمالي. وان تتصدر المشهد بانتزاع السلطة واقامة النظام الاشتراكي التي تسعى إلى إعادة تنظيم المجتمع بما يضمن تحقيق العدالة الاجتماعية وتوفير الرفاهية للجميع. والغاء وقع الملكية الفردية لوسائل الإنتاج.
وبقي ان نقول بان الفيروسات والبشر في معركة تاريخية وجولات هذه المعركة تكلف ارواح بشرية هائلة في ظل النظام الرأسمالي القائم. و ينحسر الوباء بشكل او باخر وفق مقتضيات الضرورة التي يراها النظام الراسمالي من بقائه او عدمه وتوقفه مرتبط بتداعيات الازمة الاقتصادية، ويشهد علاجه في ظل النظام الرأسمالي ونظام السوق الحر اكبر عملية تجاربة يشهدها العالم، فهم المنتفعون في ظهورها وايضا في انحسارها.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إغلاق
إغلاق