إقتصاددراسات و تحقيقات

الآلة والدولار والزمن

سعود سالم
كاتب وفنان تشكيلي

أركيولوجيا العدم
12 – الآلة
مكافحة الضجر، صناعة أمريكية مثل مكافحة الإرهاب ومكافحة الترهل وزيادة الوزن والأرق والقلق وغيرها من “الآفات” التي يعاني منها المجتمع الأمريكي والرأسمالي عامة. هذه الصناعة قائمة كما سبق القول على إحتلال “الزمن” وتصنيع وحداته وتكريرها ثم تعليبها وتصديرها في صور مختلفة. “Time Is Money” كما تقول إحدى آيات الكتاب المقدس الرأسمالي، تمثل هذه الفكرة العبقرية في إحتلال الوقت، بعد الإستحواذ على كل القارات الأرضية وبداية الإستعمار الفضائي. ففي بداية نشأة الرأسمالية كان الهدف الأول هو كسب الوقت عند نقل البضائع من مكان إنتاجها لأماكن تسويقها، ثم تطور الأمر لكسب الوقت في أثناء التصنيع ذاته، وتدريجيا أحتلت الآلة المنتظمة محل العامل البشري البطيء. وكنتيجة طبيعية لإستخدام الآلة، يتواجد اليوم المئات من الآلاف والملايين من هؤلاء العمال، يهيمون في شوارع المدن الكبرى، يرتادون مكاتب العمل ويبحثون عن وسيلة لكسب قوتهم وقوت عائلاتهم. كسب ووفر الرجل الرأسمالي “الوقت”، وخسر العامل كسرة خبزه التي يقتات منها. بعد كسب الوقت كان على مهندس الرأسمالية أن يواجه مشكلة تراكم هذا الوقت ونموه لدرجة أثارت في نفسه نوعا من التخمة الزمنية ونوعا من القلق، فكان لا بد من إيجاد وسيلة للتخلص منه أو لقتله. فأخترع ما يسمى بـ “صناعة الترفيه”، والتي تطورت تدريجيا لتصبح من أكثر الصناعات إنتشارا في عالمنا المعاصر، ومن أكثر الصناعات تنوعا شكلا ومضمونا. وقد تفتق ذهن بعض علماء النفس والإجتماع في سويسرا – المتفننون في صناعة أجهزة قياس الزمن الدقيقة – عن برنامج ثوري لمساعدة العاطلين عن العمل الذين يتزايدون يوما بعد يوم، وذلك بإنشاء شركات ومؤسسات ومكاتب وهمية، حيث يقضي العاطلون عن العمل عدة ساعات يوميا وهم يمثلون دور الموظفين والفنيين، فيعقدون الصفقات وينظمون الإجتماعات ويحسبون الميزانية العامة، ويديرون المكالمات الهاتفية والمشاريع والمعاملات المختلفة مثل أي مكتب في شركة أو مؤسسة عامة. الفرق الوحيد هو عدم وجود أي شيء خارج هذه المكاتب، إنها مجرد مسرحية سيئة يمارسونها كل يوم لقتل الوقت وحتى لا يفقدوا إتصالهم بالواقع الإجتماعي العملي، وحتى لا يشعروا بعدم ضرورتهم وبأنهم زائدون عن الحاجة. هذا يحدث في الغرب المتطور، أما في عالمنا المتخلف فيبدو أن الضجر كلمة لا ترجمة لها ولا تحتوي نفس المضمون على الأقل. المواطن العادي في عالمنا الثالث يمتلك من وقت الفراغ ما يجعله مليونيرا حسب المثل القائل “الوقت من ذهب”. إنه يستيقظ عادة في السادسة صباحا دون أن يعرف بالتحديد ما الذي سيفعله وكيف سيجتاز هذه الصحراء الزمنية التي تمتد أمامه حتى غروب الشمس. قد يذهب إلى العمل، إذا كان له عملا، أو إلى إحدى الدوائر الرسمية، حيث الحصول على شهادة ميلاد أو أية ورقة من هذا القبيل تحتاج إلى ساعات طويلة من الإنتظار ومن النشاط الجسدي والعقلي الذي يجعله يعود إلى بيته منهوكا، فيلقي بجسده على الأرض ، يشرب قهوته أو يأكل وجبته ويتعارك مع أفراد عائلته وجيرانه وسكان المدينة المجاورة. له الإختيار في كل يوم بين عمل لا يحبه ويعتبره تضييعا للوقت وبين الطوابير الطويلة من أجل الخبز والدقيق والمكرونة أو الجلوس على كرسي أمام بيته ليراقب المارة والسيارات.. أو الإتكاء على مرفقه محللا تفاصيل السياسة الدولية والإقليمية، وإعطاء رأيه في غزو الفضاء وخطورة الأسلحة النووية وقوة أمريكا وخطط إسرائيل للإستيلاء على مزيد من الأراضي. وقد فطن – وإن متأخرا – رأس المال إلى هذه الثروة الضائعة وهذه المناجم الزمنية الغير مستغلة، وتدريجيا بدأ في محاولة ملء هذه الآبار بمنتوجاته الصغيرة المتنوعة. ولكن هناك من يقول بأنه لولا هذا الفراغ القاتل لما تمكن آلاف المواطنون من إحتلال ميدان التحرير وغيره من الميادين لأسابيع طويلة وإجبار السلطة على الهروب. أما في الغرب المتقدم فإن المواطن يفتقر لهذا الوقت العدمي ولا يستطيع أن يتظاهر ضد السلطة خارج أيام نهاية الأسبوع، وخلال ساعات محدودة ومحددة. يبدو أن الثورة تحتاج إلى الوقت كما تحتاج النار إلى الحطب أو الوقود.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إغلاق
إغلاق