أمن وإستراتيجية

اساليب حفظ الأمن ..الأمن الاحترازي في الدول

 

بشير الوندي
طرق حفظ الامن في البلاد هي بثلاثة اشكال او طرق وهي :
1. الامن الوقائي .
2. الامن الاحترازي .
3.الامن المعلوماتي .
وهي ليست اشكال تنتقي منها الاجهزة الامنية النوع الذي يلائمها , وانما هي طرائق تعمل بها تلك الاجهزة بقدر مايتوافر لديها من معلومات استخبارية .
————————-
مثالان توضيحيان
————————-
المثال الاول :
لو ان مدير شركة اقام حفل افتتاح فيها وحضر المدعوون من كلا الجنسين , وبعد انتهاء الحفلة ثم اكتشف ان درج مكتبه قد فتح عنوة وسرق منه مبلغ من المال , وكانت الشركة مزودة بكاميرات مراقبة تحيط بالممرات المؤدية لمكتب المدير , حينها من الطبيعي ان يرجع المدير الى الكاميرات ليعرف السارق , وهنا سيكون امام ثلاث احتمالات :
1- اما ان يجد ان الكاميرات معطلة , وحينها سيوضع كافة المدعوين في دائرة الشك ويجري تفتيشهم جميعا وهو عمل مرهق وقد يتيح للسارق ان يفلت , وهو مانسميه بالامن الوقائي.
2- ان يجد صور تبين بعض ملامح السارق , من قبيل ان شكله واضح انه رجل وليس امراة وانه طويل القامة وانه شاب لكن لايتبين ملامحه , وحينها ستكون المعلومات منقوصة لكنها مفيدة , فتستبعد النساء وقصار القامة وكبار السن من دائرة الشك , اي ان التفتيش سينحصر بعدد محدود يسهل مهمة الامساك بالسارق , وهو مانسميه بالأمن الاحترازي.
3- ان تلتقط احدى الكاميرات وجه السارق بوضوح لايقبل الشك , وحينها يتم ايقافه وتفتيشه ومواجهته بالصور واستعادة المسروقات , وهو مانسميه بالامن المعلوماتي
مثال توضيحي رقم 2
لو توافرت معلومات الاستخبارية عالية ودقيقة وموثقة من قبيل (ان هنالك سيارة نوع مرسيدس خصوصي لونها ازرق ورقمها كذا ومحملة بمواد متفجرة وقد انطلقت متجهة الى بغداد من جهة ديالى) , حينها تستخدم الاجهزة طريقة الامن المعلوماتي في سيطرة مدخل ديالى , فلايضطرون لتفتيش كل السيارات الداخلة وانما يعملون كمين لسيارة محددة يعرفون مواصفاتها , كما تجري مراقبة الطريق الواصل بين ديالى وبغداد بطائرة درون بحثاً عن السيارة ومسارها وعمل كمين لها حتى قبل السيطرة بكل هدوء واقل مشقة على الاجهزة وعلى المواطنين .
اما ان كانت معلوماتك الاستخبارية متواضعة وغير متوفرة او غامضة , من قبيل ( ان هنالك سيارة تحمل متفجرات ستدخل بغداد من خارج العاصمة) لكنك لاتعرف نوعها ولارقمها ولا لونها ولا وجهتها ولا موعد محدد لوصولها , حينها ستضطر اللجوء الى طريقة الامن الوقائي وهو عمل اقرب للتنجيم وتأمر سيطراتك في مداخل العاصمة كافة بتشديد التفتيش لعشرات الوف السيارات يومياً في عمل مرهق للاجهزة الامنية وللمواطنين , وغالباً لاتصل الى ماتريد.
اما لو توافرت معلومات جيدة لكنها منقوصة , من قبيل (ان سيارة مرسيدس خصوصي ستدخل بغداد هذا اليوم من جهة المدخل الجنوبي) لكنك لاتعلم رقمها ولا لونها , هنا ستلجأ الى طريقة الامن الاحترازي فتقوم بنصب نقاط تفتيش مؤقتة مفاجئة على الطريق الجنوبي وتفتش سيارات المرسيدس الخصوصي حصراً , فيكون العمل اقل ارهاقاً ومحدداً بوقت محدد وضمن محددات محددة .
نستنتج من المثالين السابقين , انه كلما زادت المعلومات واصبحت دقيقة , كلما تم اعتماد الامن المعلوماتي , وكلما كانت المعلومات منقوصة فانك تتجه الى الامن الاحترازي , اما اذا كانت المعلومات الاستخبارية ضعيفة او منعدمة فليس امام الاجهزة سوى الاتجاه الى الامن الوقائي الدائم.
—————————————
بين الامن الوقائي والاحترازي
—————————————
يخلط الدارسون بين الأمن الوقائي والأمن الاحترازي بسبب تداخل الاثنين في أعمال متشابهة كثيرة ، ذلك ان الأمن الاحترازي هو حالة مشددة ومتقدمة من الأمن الوقائي , ولأنه حالة مشددة منه فيجب ان يكون لوقت ولمكان محددين خلافاً للأمن الوقائي الذي يأخذ صفة الدوام , وكثيراً ما يرتبط الأمن الاحترازي بحدث معين، وبالتالي فإنَّ الأمن الاحترازي يحتاج لتبرير يساق الى المواطن فيما لا يحتاج الأمن الوقائي لإعطاء تبرير لأنه دائمي.
ان الأمن الاحترازي هو عمل أمني يبدأ بتحسس خطر داهم وينطلق من استعداد وجاهزية ومبادرة ومباغتة ، ويؤطر بتحديد وبزمان ومكان , ويكثر الأمن الاحترازي في المناسبات والاحتفالات والشعائر والطقوس الدينية , فالاحتراز يتم من خلال عوامل اساسية هي التوقي والمباغتة والتخصيص , كما يمتاز بأنه مؤقت.
ان كل أشكال الحماية هي من الأمن الوقائي، ولكن كل استثناء مشدد مؤقت سيحيله الى أمن احترازي , ففي الجيوش , يكون دوام الجيش بمثابة أمن وقائي دائمي , ولكن اصدار الانذار ( أ ) و(ب) و (ج) من إجراءات ضمن الأمن الاحترازي , وكذلك الامر في المطارات فإنَّ وجود السونار الثابت هو من اشكال الأمن الوقائي , ولكن حين يشك الموظف بحقيبة ما ويفتشها بدقة فهو هنا يطبق الأمن الاحترازي (اي الأمن الوقائي المشدد والمحدد) .
وتعد بعض اعمال المراقبة من الاعمال الاحترازية كما في الاجراءات الاستثنائيّة المؤقتة لمراقبة الاجواء واعمال منع السفر والسيطرة على حركة الوافدين (الإقامة للأجانب)، وكذلك الامر في منع الدولة مواطنيها من السفر الى بعض الدول , وغلق الاماكن ومنع التجوال والسيطرات المفاجئة والحجز المؤقت ( كحجز النشالين المعروفين أيام العيد ) والقطع المؤقت لبعض الطرق .
ان الأمن الاحترازي يحتاج الى تبرير , كما هو الحال في الاعمال الاحترازية التي جرت في بغداد وفي محيط طريق المطار والمنطقة الخضراء خلال انعقاد القمة العربية اواخر اذار مارس 2012 ، حيث استدعى الامر اجراءات احترازية قطعت فيها حتى شبكة الهاتف المحمول وقطعت الكثير من الشوارع , وتم استخدام اكثر من مئة الف رجل أمن في شوارع بغداد مما اضطر رئيس الوزراء الى الاعتذار شخصياً من الشعب بسبب الاجراءات، مما يعني ان الأمن الاحترازي يحتاج احياناً الى تبرير واعلام مرافق يوضح الاسباب سواء كانت أسبابا حقيقية ( كما في انعقاد القمة ) او اسباباً كاذبة (كما في محاصرة منطقة بحجة انتشار وباء ولكن أجهزة الأمن في الحقيقة تبحث عن قيادي في تنظيم داعش في تلك المنطقة، وهو مافعلته الاستخبارات الامريكيّة لاكتشاف مقر بن لادن ).
ويصبح الاحتراز فعالاً في المدن الكبيرة خلافا للأمن الوقائي , لأن الأمن الاحترازي مفاجئ ومحدود زمنياً لذا لا يصبح عبئاً فهو رشيق العدد وفعال جداً , فالإرهابي يستطيع , بسهولة , تجنب سيطرة ثابتة في مكان محدد لأنه يراها كل يوم ولا تشكل لديه عنصر مفاجأة ، ولكن السيطرة المفاجئة التي تقام (بنت ساعتها ) لا يستطيع الإرهابي والمجرم تفاديها فهو لايعلم بها , وهذا يكسب الأمن الاحترازي فرصة التغلب بعدد أقل من الاعداد الهائلة للأمن الوقائي الذي قد ينجح خارج المدن وفي مداخلها ومخارجها بين المحافظات وفي المناطق الزراعية والبعيدة عن مركز المدينة.
ان اعتماد طريق الأمن الاحترازي يعد ضرورياً لخفض اعداد منتسبي قوى الأمن , رغم انه لا غنى معه عن المعلومات الاستخبارية عن العدو , فالأمن الاحترازي يعد استعدادا وتحضيرا أمنيا ضد خطر يشعر به رجال الأمن ، فيقومون بخطوة استباقية محددة ضد هجمة محتملة للعدو، وبالتالي فإنَّ الأمن الاحترازي يعد من مظاهر الدولة الحديثة خلافاً للأمن الوقائي داخل المدن .
بالرغم من رشاقة الأمن الاحترازي ومحدداته الزمانيّة والمكانية والتوقيت والتبرير المصاحب لكل حالة فيه , ولكن لا يجب الوقوف عنده , لانّه يعد أمناً بلا معلومات أمنية محددة وفعلية عن العدو وانما يبنى على تكهن بطريقة تفكير العدو وسد الفرصة امامه ، كما ان الاحتراز يبنى على المصادرة ، كمصادرة حرية او مصادرة اموال .
وقد أثبت الأمن الاحترازي فعاليته في مكافحة الفساد المالي وسرقة المال العام وتبييض الاموال ، بل ان بعض الدول تجري اجراءات احترازية تمنع فيها أي مسؤول في الدولة من فتح حساب مصرفي له دون موافقة مسبقة من المدعي العام , وبذلك فان مراقبة حركة الاموال تعد من الاجراءات الاحترازية الفاعلة لأن الاحتراز هو اجراء أمني مخصص يحد من الحركة والحرية سواء بالمنع عن او بالإجبار على فعل فقد يجبرك على اخذ موافقة أمنية لفتح حساب وقد يمنعك من السفر.
——————————–
اللجوء للامن الاحترازي
——————————–
ان الامن الاحترازي شكل متقدم من اشكال الامن , وهو يشبه الامن الوقائي من حيث بعض آلياته , الا انه افضل وارشق واكثر جدوى , فاجراءآت الامن الاحترازي تكون محددة بزمن قصير نسبياً ومسبباً بسبب محدد ودون سابق انذار مما يؤدي الى مفاجأة المجرم والارهابي دون سابق انذار .
ويتم اللجوء الى الاجراء الاحترازي في حال شحة المعلومات الاستخبارية او حدث سريع وطارىء او تضارب المعلومات وعدم دقتها , او لاجراء وقائي آني , فيتم اللجوء الى طريقة الامن الاحترازي المفاجيء والسريع بقوة خاصة ودون سابق انذار , من قبيل نصب سيطرات مفاجئة , وتعد قوات التدخل السريع (swat) من اشكال الامن الاحترازي حيث تمتاز بالرشاقة والسرعة والأمن الاحترازي يحافظ على المدنية في المدن وعدم عرقلة الحياة ولاتعطيل المواطنين وبقدرته على تحقيق نتائج افضل وأسهل من الامن الوقائي .
ولابد لتطبيق الامن الاحترازي من اسباب خاصة معينة , كإغلاق طريق مفاجيء لتوقع مرور ارهابيين , او محاصرة محلة من محلات بغداد وتفتيش منازلها بشكل مفاجيء محكم لايعطي للمجرمين فرصة الافلات , ويشمل الامن الاحترازي المداهمات وحماية اماكن محددة بسبب عقد مؤتمر , او التحرز على اصحاب السوابق في الاعياد وغيرها من الاجراءات الوقتية السريعة المسببة .
ونشير هنا ان هنالك بعض الاجراءآت الامنية الاحترازية تأخذ صفة الوقت الطويل من قبيل احتفاظ جهات الأمن العسكري بجواز سفر منتسب الجهاز الأمني ، وكذلك الامر في احتفاظ اصحاب المصانع بجواز سفر العامل والخادم الاجنبي , وكذا اعمال ومراقبة حركة تصريف العملة الاجنبية , او قطع الاتصال بين السجناء المحكومين بالإرهاب وزعماء العصابات بالعالم الخارجي , وفي بعض الاحيان يجري تنفيذ الامن الاحترازي كاستراتيجية وتكتيك امني مطلوب وطويل المدى , فمثلاً ما يحصل شمال بغداد ووقوع حوادث امنية باستمرار يوشر لفقدان السيطرة الاستخبارية ونقص المعلومات لذا يتم اعمال الغارات وعمليات الامن الاحترازي باستمرار لارباك العدو واخذ زمام المبادرة منه .
كما يستخدم الامن الاحترازي لحماية مصدر المعلومات , فعندما نريد ان نداهم مكان محدد لوكر ارهابي دون ان يشك التنظيم الارهابي بمن سرب لنا المعلومة , تقوم القوات بفعالية امنية لتفتيش كل المنطقة حتى يتم الايهام بأن الوكر ليس المقصود بذاته , وكذا عندما يراد حجز عجلة محددة دون الكشف عن مصدر المعلومة فيتم الامر بحجز عدة مركبات ضمن فعالية امن وقائي شاملة للتستر.
————————
التفتيش المباغت
————————
ان المباغتة هي من الاساليب والاعمال الامنية ضمن خطط استخبارية , ونعني بها كافة اجراءآت الامن الاحترازي كالسيطرات السريعة المفاجئة والتفتيش وغلق المناطق والتدقيق والاعتقال والايهام , فكلها اجراءت امنية وعمليات مبنية على معلومات تؤدي الى مباغتة العدو , فقد ثبت بالتجربة والارقام ان الامن الاحترازي المباغت فاعل وموثر ويحبط الكثير من الاحداث والمخططات بشكل غير مسبوق , فقد يتم تفتيش سيارة وتوصلك الى وكر , او دراجة توصلك الى مخزن مخدرات.
فالتفتيش الاستخباري , وهو من اعمال العمليات الاستخبارية في مجال الامن الاحترازي , له نتائج ممتازة بفضل عنصر المفاجأة حيث يساهم في كشف المخدرات والاسلحة والمتفجرات والوثائق المزورة ولوحات العجلات المزورة والمطلوبين والاموال المزورة والمراسلات السرية والمخازن والاوكار واجهزة الاتصال والخرائط والمخططات ومصانع المتفجرات ومراكز التدريب والعجلات المسروقة والسجون السرية , وغيرها كثير عبر تفتيش منطقة او قرية او مدينة او حي سكني او سجن او شركات او بساتين او مخازن او معامل وغير ذلك.
ان المباغتة تؤدي لضربات استباقية في العمل الامني , والتي هي اساس الصراع بين العصابات والارهاب واجهزة الامن , فالتفتيش المباغت و تطبيق الامن الاحترازي يدفع اجهزة الاستخبار الى النشاط واجهزة الامن الى التفاعل , وتتطلب اعمال المباغتة في العمل الاستخباري منتهى السرية والخداع واستخدام كافة الامكانات الحكومية لتصدير صورة غير حقيقية عن بلادنا للعدو كي يبني عليها حسابات خاطئة تؤدي الى هزيمته .
ان عنصر المباغتة في العمليات العسكرية والامنية مهم جدا وهو من واجبات الاستخبارات اي انها من تضع البرنامج المناسب لهذا الامر بسرية تامة , وتترجم المباغتة الى اعمال قتالية تفاجيء العدو بتوجيه ضربة او تنفيذ طوق امني او مداهمة او تفتيش او كمين او اغارة او تسلل او اعتقال واي انواع من الاعمال الامنية والعسكرية المحاطة بالسرية التامة في مكان وزمان لايتوقعهما العدو , وتتضمن المباغتة السرية والخداع والابداع والجرأة في العمل الاستخباري.
————-
خلاصة
————-
ان الامن الاحترازي مرحلة وسط بين الامن الوقائي الذي يطبق على الجميع والامن المعلوماتي الذي يصيب الهدف بدقة , فهو في المنتصف فلا معلومات دقيقة وافية غالباً لكنه حدس واخبار و تحليل واستنتاج او معلومات منقوصة.
ان العراق يستخدم الامن الوقائي بشكل مفرط دون جدوى منذ قرابة عقدين , مما ادى الى عسكرة البلد وذلك بسبب ضعف المعلومات الاستخبارية تجعل قواتنا معمية عما يخطط له العدو ومن ثم تسهل مهمة العدو في المباغتة , وهنا تحاول اجهزة الاستخبارات الضعيفة الى ان تداري ضعفها من خلال اطلاق الانذارات المستمرة الغامضة للقيادة بتقارير ترهق قواتنا من قبيل (ينوي العدو الهجوم بعجلات مفخخة في العاصمة بغداد )دون تحديد نوع العجلات ولا ارقامها ولا اتجاهاتها , وهو امر يؤكد كذب المعلومات .
وهذا النوع من المعلومات المربكة يزيد الطين بلّة ويؤدي الى ان تبقى قطعاتنا بانذار مرهق مستمر وغير حقيقي , وهو بالضيط ماحصل لقواتنا طيلة 18 عام , وكان من نتيجته ارهاق قواتنا مقابل راحة العدو الارهابي الذي كان يعمل وفق معلومات دقيقة ومحددة سهلت عليه مباغتة قواتنا باستمرار .
وبالرغم من ان الامن المعتمد على المعلومات الدقيقة اي الامن المعلوماتي هو المطلوب دوماً , الا ان الامن الاحترازي يبقى مهماً وحيوياً ولابد ان يحل محل الامن الوقائي الاعمى , وللمقاربة وبعد انتشار فايروس كورونا دخل العالم اجمع في الامن الاحترازي الصحي المتمثل بالكمامة والتباعد والتعقيم ومنع التجمعات و….. والله الموفق.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إغلاق
إغلاق