ثقافة

أول قصيدة إباحيّة

 

عضيد جواد الخميسي

في القرن التاسع عشر الميلادي ؛ توجّهت مجموعة كبيرة من علماء الآثار الغربيين إلى منطقة بلاد الرافدين ؛ بحثاً عن أدلة مادية تثبت صحة الروايات التوراتية في كتاب العهد القديم .
إلاّ أن الحقيقة ؛ لم يكن هذا هو هدف العلماء في البداية ؛ بل كانت حاجتهم الماسّة التي دفعتهم بقصد التمويل المالي ( على اعتبار تقديم المصلحة العامة لتبرير هذا التمويل) ، ولكن سرعان ما أصبح هدفهم الأول ، وذلك عندما بدأ عالم الآثار “أوستن هنري لايارد” أعمال التنقيب في كالخو أو كالح/ النمرود ( 30 كم جنوب مدينة الموصل ) خلال عام 1845 م ، بمساعدة القسّ الموصلّي “هرمز رسّام “. وقد كان لايارد قد تعرّض إلى ضغوط كبيرة في العثور على مواقع وردت أسماؤها في كتاب التوراة ، مما جعله يتسرّع في إعلان اسم المدينة التي اكتشفها ضمن سلسلة المواقع المُحتملة .
المدينة التي كشف عنها لايارد ، هي (نينوى ) ، وروايته المنشورة عنها في أعمال التنقيب عام 1849 م ، كانت بعنوان “نينوى واطلالها ” ، وبسبب شهرة نينوى المعروفة في التوراة ؛ فقد أصبح الكتاب الأكثر مبيعاً في سوق الكتب . فقد أثار نجاح الكتاب ؛ المزيد من الاهتمام في تاريخ بلاد الرافدين كوسيلة لإثبات الروايات التوراتية . لذلك ؛ فقد توالت المزيد من البعثات إلى المنطقة بحثاً عن مدن أخرى مذكورة في الكتاب المقدّس .
قبل هذا الوقت ، كان كتاب التوراة يُعتبر أقدم كتاب في العالم ، و” سفر نشيد الأنشاد ” ، المعروف أيضاً باسم ” نشيد سليمان” ؛ أقدم قصيدة حبّ كُتبت في التأريخ . لكن المفاجأة التي حصلت هي ؛ أن البعثات التي أُرسلت لتأكيد القصص تاريخياً في التوراة والإنجيل ، قد فعلت العكس تماماً ! ، وذلك عندما اكتشف لايارد الموقع الحقيقي لنينوى مابين عام 1846 وعام 1847 م ، فضلاً عن عثوره على مكتبة الملك الآشوري ” آشوربانيبال “( 668-627 قبل الميلاد) ، وألواح النصوص المسمارية التي ترجم بعضاً منها ؛ عالم الآثار البريطاني “جورج سميث” .
قصة آدم ، الطوفان الكبير، جنة عدن ، ملحمة الخلق ، وغيرها ؛ لم تكن تلك القصص أصليّة عندما ورد ذكرها في سفر التكوين ؛ بل هي حكايات رافدينية موجودة قبل كتابة التوراة ، ثم أعيد صياغتها لاحقاً من قِبل مدوّنين عبرّانيين . يشمل ذلك أيضاَ ، سفر” نشيد الأنشاد ” ، الذي لم يُعد أقدم قصيدة في الحبّ (مابين القرنين السادس والثالث قبل الميلاد ) ؛ بل قصيدة “الحب من اجل شو – سين ” المدوّنة حوالي عام 2000 ق.م ، والتي تُعتبر الأولى في التاريخ بعد اكتشافها في نينوى ..
عندما عُثر على اللوح المسماري لقصيدة “الحب من اجل شو – سين ” في نينوى ؛ نُقل مباشرة إلى متحف إسطنبول في تركيا ؛ حيث حُفظ في أحد الأدراج ، ولم يحاول أحد في التعرّف عليه أو حتى ترجمته .
في عام 1951 م ، حضر الى متحف اسطنبول ، عالم السومريات الشهير “صموئيل نوح كريمر” ، لترجمة بعض النصوص القديمة ، وكان يحاول تحديد ما الذي يجب ترجمته أولاً ، وحسب الأهمية من اللقى الأثرية المخزّنة في الأدراج ، وأثناء ما كان يفتش في إحداها ، وجد لوح قصيدة الحبّ . يصف كريمر تلك اللحظة في كتابه (التاريخ يبدأ في سومر ) ، من خلال المقطع التالي :

” كان اللوح الصغير الذي يحمل الرقم ( 2461 ) مُلقى في أحد الأدراج ، محاطاً بعدد من القطع الأخرى ، وعندما وقع نظري عليه لأول مرة ، كان محتواه قد جذبني اليه بقوّة . سرعان ما أدركت أنني كنت أقرأ قصيدة شعرية إباحية ، مقسمة إلى عدد من المقاطع التي تتغنّى في الحبّ والجنس والجمال بين عروس سعيدة ، وملك يدعى (شوـ سين ) (الذي حكم أرض سومر منذ ما يقرب من أربعة آلاف عام) . قرأتها مراراً وتكراراً ، لم يكن هناك خطأ في مضمونها . ما حملته في يدي كان من أقدم قصائد الحبّ التي كتبتها يد إنسان ” ( ص 245).

في الحقيقة ؛ لم تكن تلك اللوحة مجرّد قصيدة حبّ ؛ بل كانت جزء من الطقوس المقدّسة التي تُجرى كل عام ، والمعروفة باسم (الزواج المقدّس) ؛ الذي يتزوج فيه الملك رمزياً من الإلهة إنانا ، وذلك لضمان الخصوبة والتكاثر في العام الذي يليه . كتب كريمر عن هذا الطقس ، التعليق التالي :

” يُجرى هذا الطقس ؛ مرّة واحدة في السنة وفقاً للاعتقاد السومري . وكان الواجب المقدس للملك أو الحاكم ، الزواج من كاهنة المعبد للإلهة (إنانا) ، إلهة الحب والإنجاب ، من أجل ضمان خصوبة التربة والرحم .
يتم الاحتفال بهذا الطقس مع بداية السنة الجديدة ، إذ تسبقه حفلات و مآدب طعام عامرة ، مصحوبة بالموسيقا والأغاني والرقص . كانت القصيدة منقوشة على لوح طيني صغير قد عَثرتُ عليه في اسطنبول ، وعلى الأرجح ؛ فإن العروس المرشحة للملك شو ـ سين ، هي من تقوم بإلقاء القصيدة في أحد احتفالات هذه السنة الجديدة ” ( ص245-246) .
يفسِّرالقصيدة بنفس المعنى ، البروفيسور ” جيريمي بلاك ” ، الذي يحظى باحترام كبير بسبب خبرته الواسعة في ترجمة نصوص بلاد الرافدين . كتب بلاك التعليق التالي :
” هذه واحدة من عدة قصائد شعرية عن الحبّ ، مُؤَلفة خصيصاً لهذا الملك ، والتي تعبّر عن مدى علاقته الشخصية الوثيقة جداً مع إلهة الحبّ والجمال ( إنانا ) . في بعض القصائد من هذا النوع ؛ يبدو أن اسم الملك يُذكر خلال مراسيم الطقس فقط ، بدلاً من (ديموزي) عاشق إنانا السماوي في الأساطير . ومن شبه المؤكد أن القصيدة تُلقى في سياق بعض الطقوس الدينية التي يشار إليها باسم (الزواج المقدّس) ، ولكن التفاصيل الدقيقة غير معروفة إلى الآن . ويميل الاعتقاد أيضاً ؛ الى أن الملك عندما يرتبط بعلاقة حميمية مع الإلهة ؛ هذا يعني حتمية الإيمان بألوهية ملوك تلك الفترة ” (ص88-89).
من المحتمل أن الملك في علاقاته الجنسية مع أحدى كاهنات إينانا ، بمعنى ممارسة حميمية مع الإلهة نفسها ، ولكن كما ذكر بلاك ، فإن تفاصيل طقوس الزواج المقدس غير معروفة . عند إلقاء القصيدة من قبل (العروس) ، كان يعتبر خدمة وظيفية دينية واجتماعية في الدولة ؛ بغية الاستمرار في الخصوبة وتكاثر النسل . ويُعتقد أيضاً ، ان إلقاء القصيدة بصوت انثوي ، له تأثير محببّ لدى المتلّقي ، وخصوصاً عندما يتعلق الأمر بالعبارات الرومانسية .
تولى شو- سين العرش ، ملكاً على مدينة أور (عام 1972 ـ 1964 قبل الميلاد) ، فهو الابن الأصغر للملك (شولچي ) الذي حكم مدينة أور ( 2029-1982 قبل الميلاد) . والدته اسمها ” بسمتي ” ، وزوجته “كوباتوم ” . وحسب رأي البروفيسور”ستيڤن پيرتمان” :
” بالإضافة إلى تلك القصيدة ، كان شوـ سين أيضاً من الذكور الذي له صلة مع مجموعة من القصائد المثيرة خلال المرحلة الأكدية ، والمكتوبة على شكل حوارات ، مشابهة لسِفرْ ( نشيد الأنشاد ) التوراتي الذي كُتب فيما بعد ” (ص105).

الانجاز الأثري المهم الذي حدث في بلاد الرافدين خلال القرن التاسع عشر الميلادي ؛ غيّر تماماً ، الطريقة التي يمكن بها فهم التاريخ والعالم القديم .
في قديم الزمان ؛ إذ توقف الماضي مع مدوّنات الكتاب المقدّس ، ورؤية التاريخ فيه عبارة عن حكايات توراتية . أمّا بعد اكتشاف ماضي بلاد الرافدين القديم ، تمّ توسيع التاريخ وتعميقه ، وأصبحت قصة الإنسانية أشدّها تعقيداً وأكثرها تشويقاً .
قدّم أدب بلاد الرافدين القديمة ، الأنماط الأولى من الأدب العالمي ، وأرسى المفاهيم الكثيرة المتنوعة عن المشاعر الإنسانية والتجربة الحياتية ، ومن بينها تجربة الحب الرومانسي والعاطفة الجيّاشة ، وذلك كلّه ؛ من خلال أقدم قصيدة حبّ سومرية ..

الترجمة التالية لقصيدة “الحب من اجل شو – سين ” ، كما وردت نصّاً في كتاب ( التأريخ يبدأ في سومر ) ؛ لمؤلفه ؛ عالم السومريات “صموئيل نوح كريمر ” ، (ص 246- 247 ) :

عَريسيْ ؛ أنتَ العزيزُ على قَلبي
وَسَامتُكَ هي جَمالُكَ ، كالعسلِ
أيُها الأسدُ ، العزيزُ على قلبي
وسَامتُكَ هي جَمالُكَ ، كالعسلِ
لقد أسِرْتَني ، إسمحْ لي أَنْ أَقِفَ أَمامكَ مرتعشة

عَريسيْ ، سَتأخُذني مَعكَ إلى حُجرةِ النومِ
لقد أسِرتَني ، إسمحْ لي أَنْ أَقِفَ أَمامكَ مرتعشة
يا أَسَدي ، سَتأخُذني مَعكَ إلى حجرةِ النومِ

عَريسيْ ، إسمحْ لي أَنْ أُعانقُكَ
مُعانقَتي القويّةُ لكَ ، هي أَكثرُ لذّةً من العَسلِ
في حُجرةِ النومِ ، المَلأى بالعَسلِ
دَعْني أَستمتعُ بجَمالكَ الأخّاذ
يا أَسَدي ، إسمحْ لي أَنْ أُعانقُكَ
مُعانَقتي القويّةُ لكَ ، هي أَكثرُ لذّةً من العَسلِ

عَريسيْ ، عَليكَ أَنْ تَنالَ مَسرّتكَ معي ..
أَخبِرْ والدتي عن ذلك ، أنّها سوفَ تُقدّمُ لكَ الأطْعِمةَ الشَّهيةَ
أَخبِرْ والدي عن ذلك ، سوفَ يَغدقُ عليكَ الهَدايا
روحكَ ، أَنا أَعرفُ أَينَ أَبهجُ قَلبكَ

عَريسيْ ، نُمْ في مَنزِلِنا حتّى بزوغَ الفَجرِ
فؤادكَ ، أَنا أَعرفُ أينَ أَبهجُ قَلبكَ
يا أَسَدي ، نُمْ في َمنزِلِنا حتّى بزوغَ الفَجرِ
أَنتَ ، لأنّكَ تَحِبّني ..إِمْنَحْنِي صَلاتي مِنْ مُداعَباتِكَ

رَبَّي إلهي ، سَيدّي الحامِي
يا شوـ سين ، الذي يَسعدُ قَلبَ إنليل
إِمْنَحْنِي صَلاتي مِنْ مُداعَباتِكَ

إنّهُ لكَ كالعَسلِ ، أُصلّيَ كَي تَضعَ يَدكَ عَليهِ
أَبسِطْ يَدكَ عَليهِ ، مِثل رِداء ” الكِشبان ”
غطَّهُ بيدك ، مِثل رِداء ” سِيكنْ ـ الكِشبان ”

(انها انشودة “بلباله ” لإنانا )
* بلباله ـ كاهنة معبد إنانا

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ستيڤن پيرتمان ـ الحياة في بلاد النهرين القديمة ـ مطبعة جامعة أكسفورد ـ 2005 .
جيريمي بلاك ـ أدب سومر القديم ـ مطبعة جامعة أكسفورد ـ 2006 .
صموئيل نوح كريمر ـ التأريخ يبدأ في سومر ـ مطبعة جامعة بنسلفانيا ـ 1988.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة على اشرف المرسلين ورضيا الله عن اصحابه اجمعين والهجد والخلود لي كل شهيد سقط من اجل ان تحيا الجزائر حرة في عزة الاسلام الزلازال الشديد الذي سيضرب في البحر التسونامي اصبحا قريب صدقوني انا لاا اعلم الغيب الغيب يعلموه الله جلا جلاله ما حدث معي بي الامس الجمعة وانا امشي بعدا الصلاة دخلت المنزل واذا بي شيئ يامروني بي الخروج حتى انا لااعلم اين اذهب وانا امشي وجدت ورقة في الارض فقمتو بي اخضها من اجل قرائتها ربما كانا فيه اسم الله او انبياؤه من اجل حرقها كانت مبللة فوجدة كلمة زلزال ثما مشيت 10 او 15 امتار وجدة ورقة اخرا قمت بقرائتها فوجدة مكتوب عليها تسونامي احستو انا الكهرباء ضربا قدمي اليمنا واليسرا صدقوني انا لااكذب عليكم كل مااحسستو به كان من الله انا لااعلم الغيب لااعلم اين سيضرب صدقوني اخرجو كل العائلات التي منازلها هشة هذا الاسبوع الولايات وهران الجزائر بجاية فورا معاادخال السفون الحربية الى السواحل اللبية الابتعاد عن المحيط كما رايت في منامي انا العاصمة بنيت من جدديد كانت بيضاء جميلة وعيني اليمنا تدمع كيف لا املك فيها سكن والله ينبؤني عنها ولااتردد في اخبارها كوني احبها لااعلم شيئ يدفعوني لكم ويخبروني بي انهو الوقت لااعلم ربما ستقتلوني انا متردد كوني وصفت الرئيس بوجه الشر والجنرلات بي الاغبياء في لحضة غضب ايغفرون لي ذللك لااعلم الله وحده الذي يعلم وهوا علام الغيوب اللهم صلي على احلى مخلوق على وجه الارض يعلم الله كم احب نبنا محمد وابراهيم لدرجة من احبوه اكثر لم اجد الجواب الله اكبر الله اكبر الله اكبر الله اكبر الله اكبر الله اكبر الله اكبر الله اكبر الله اكبر الله اكبر وحدهو لاشريك له

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إغلاق
إغلاق