ثقافة

أعمدة الحكمة السبعة

 

لا تقرأ فى خضوع ولاتنصت فى إنبهار

لا تعطني سمكة لكن علمني الصيد

مثل صيني

 

لا نجد عبارة نستهل بها حديثنا افضل من عبارة المفكر الفرنسي ميشيل فوكو التي يتحدث فيها عن احد الادوار الهامة التي علي المثقفين لعبها. فطبقا له “لم يعد المثقف مفوضا بلعب دور الناصح للجماهير أو الناقد لمحتوى أيديولوجيتها، لكن عليه أن يصبح قادرا على تزويدها بأدوات التحليل” [1]. وهو الدور الذي يتضمن إشاعة لأدوات “التفكير الناقد” Critical Thinking بين أفراد المجتمع وتشجيعهم على استخدامها في تحليل وتقييم ما يطرح عليهم من مفاهيم وأفكار. وتتعاظم أهمية هذا الدور في المجتمعات التي تسود عقلية أفرادها ذهنية التفكير اللاعقلاني والخرافي والتي تتعرض عقولهم لعملية تسطيح مستمرة ودؤوبة من أجهزة الإعلام بشتى صورها المرئية والمسموعة. ففى عصر الفضائيات الزاعقة التى تلعب على وتر مشاعر المشاهدين وتوجهها أطماع مموليها، وفى عصر الـ “المتثاقفين” الذين يوظفون مهاراتهم الكلامية لخدمة مصالحهم الشخصية ويؤجرون أقلامهم لمن يدفع أكثر، تضيع الحقيقة فى طوفان الأكاذيب والإفتراءات والمعلومات المشوهة والمتحيزة. لذا تصبح إشاعة أدوات التفكير الناقد والتشجيع على إستخدامها ضرورة لازمة لكشف الغمة عن عقل الأمة … الأمة المصرية. والتفكير الناقد هو “عملية عقلية منظمة لتقييم الحجج والإفتراضات والتعرف على الآراء الصائبة التى تطور من معتقداتنا وتساعدنا على التصرف السليم”. انه الاداة التي يستخدمها الإنسان لإكتشاف ماقد يشوب تفكيره أو تفكير الآخرين من أوجه قصور وذلك بهدف تحسين فهمه للواقع ولتعزيز قدراته على إتخاذ قرارات أكثر صوابا والتصرف بطريقة أكثر فعالية. وهو ايضا احد الادوات الضرورية لاقامة نظام ديموقراطي يقوم على قدرة المواطن على تقييم ما يطرح عليه من بدائل والمفاضلة بينها.

 

ويقوم التفكير الناقد على سبعة معايير يطلق عليها “معايير التفكير العامة” Universal Intellectual Standards، وهي المعايير التي يتعين علينا استخدامها لتقييم ما نؤمن به أو ما يطرح علينا من أفكار. وتنتظم هذه المعايير هيئة هرم من سبع طبقات قاعدته هي “الوضوح” Clarity وقمته هي “المنطق” Logic. وما بين قاعدة الهرم وقمته نلتقي ببقية الطبقات وهي بالترتيب من أسفل لأعلى: “الصحة” Accuracy، “الدقة” Precision، “الوثاقة” Relevance، “العمق” Depth، “الاتساع” Breadth [2, 3].

 

و”الوضوح”، قاعدة الهرم وأول معايير الحكم على ما يطرح علينا من رؤى وأراء ومفاهيم وأفكار، هو المدخل الرئيسي والضروري لتطبيق بقية المعايير. ويتعلق هذا المعيار بتحليل مدى قدرة لغة الخطاب المستخدمة على ايصال ما يتضمنه من افكار الى عقول المخاطبين. فإذا لم تكن العبارات واضحة فإننا كمتلقين لن نستطيع فهمها ولن نستطيع معرفة مقاصد المتكلم، وبالتالي لن نستطيع الحكم عليها بأي شكل من الأشكال. ويعتبر “التدليس” من أهم أسباب عدم وضوح لغة الخطاب السائد فى ثقافتنا المعاصرة. والتدليس فى اللغة هو التلبيس والتغطية وهو مشتق من الدلس وهو الظلام. أو بعبارة أخرى هو كتمان عيب فى شيء ما حتى لا يعلمه المستفيد من هذا الشيء. ومن أكثر أساليب التدليس شيوعا فى لغة الخطاب السائد هو أسلوب “التلطيف” (أو “التهوين”)، أو إطلاق أسماء مُلطِفة على الأشياء السيئة. فنرى المدلسين، على سبيل المثال، وهم يطلقون إسم “النكسة” على واحدة من أقسى الهزائم التى منيت بها الأمة المصرية فى العصر الحديث وهى هزيمة 1967. كما نراهم يطلقون إسم “الفتح” على واحدة من أقسى الغزوات التى عانى من آثارها الشعب المصرى على أيدى غزاة صحراويين إستباحوا ثرواته بشكل غير مسبوق. ومن أساليب التدليس الشائعة فى لغة خطاب ثقافتنا المعاصرة إستخدام العبارات “المبهمة”، التى لايوجد معنى محدد أو قطعى لها، والعبارات “الملتبسة”، التى تتعدد معانيها ويغيب معيار واضح لإختيار أحدها. ومن أمثلة العبارات المبهمة التى يشيع إستخدامها عبارات مثل “الأمة العربية” و”الأمة الإسلامية” و”الدين هو الحل” وهى عبارات فضاضة ومطاطية لاترتكز على أى تعريف علمى دقيق ومحدد. أما الكلمات والعبارات الملتبسة فكثيرة ومن أبرز أمثلة هذه الكلمات كلمات “المقاومة” و”الجهاد”. والأسئلة التالية تساعد على استجلاء ما غمض ومن ثم على تقييم مدى وضوح عبارات الخطاب:

– هل تستطيع أن تفصل هذه الفكرة بشكل أفضل؟

– هل يمكن أن تعبر عن هذه الفكرة بطريقة أخرى؟

– هل يمكن أن تعطيني مثالا على ما تقول؟

– ما الذى تقصده بقولك كذا وكذا؟

 

أما المعيار الثاني، “الصحة”، فيتعلق بمدى صدق محتوى (أو ما تعنيه) العبارات التي يتألف منها الخطاب وبكيفية التأكد من صدقها او صتحها فالبينة على من ادعى (“قالو الجمل طلع النخلة آدي الجمل وآدي النخلة”). وطرح أسئلة من قبيل:

– ما هي ادلتك على صحة ما تقول؟

– كيف يمكن التأكد من صحة ما جاءت به العبارة (أو العبارات)؟

تساعد على التحقق من صحة ما ورد في لغة الخطاب.

 

والمعيار الثالث هو “الدقة” والذي يقصد به مدى اشتمال العبارة (أو العبارات) التي تمثل الموضوع قيض البحث أو النقاش على كافة أبعاده بدون زيادة أو نقصان. والأسئلة التالية يمكن استخدامها في تطبيق هذا المعيار.

– هل يمكن أن تكون أكثر تحديداً؟ (في حالة الإطناب)

– هل يمكن أن تعطى تفصيلات أكثر؟ (في حالة الإيجاز الشديد)

 

أما المعيار الرابع، “الوثاقة” (“خليك في الموضوع”، “ما تلفش في الكلام”)، فيعنى بمدى ارتباط الأفكار الواردة في الخطاب بموضوع النقاش أو بالمشكلة المطروحة. فأحد الاعراض المرضية التي يعاني منها خطاب الكثير من النخب هو احتوائه على افكار عديدة لا صلة لها بالموضوع المطروح للمناقشة. وهو الامر الذي يخلق حالة ضبابية تتوه فيها الفكرة الرئيسية. ومن الأسئلة المساعدة على استخدام هذا المعيار الأسئلة التالية:

– ما مدى ارتباط ما يطرحه الخطاب من أفكار بالقضية موضع الاهتمام؟

– هل تساعد كافة الأفكار المطروحة على فهم القضية بشكل أفضل؟

– هل تتضمن هذه الأفكار أدلة مؤيدة أو داحضة للموقف؟

 

ونصل إلى المعيار الخامس هو “العمق” الذي يعنى بتقدير مدى اشتمال محتوى الخطاب المتعلق بموضوع النقاش على كافة جوانبه ومدى أخذه في الاعتبار التعقيدات المتعلقة به. وطرح أسئلة من قبيل:

– هل تتضمن الأفكار المطروحة والمتعلقة بالقضية موضع الاهتمام كافة العوامل الهامة التي تؤثر فيها؟

– هل تتعرض هذه الأفكار للتعقيدات التي تلازمها؟

– هل تأخذ هذه الأفكار في اعتبارها المشاكل المرتبطة بالقضية؟

تساعدنا على تقدير درجة تعمق العرض المطروح للقضية.

 

ويهتم المعيار السادس، “الاتساع”، بمدى تضمن الخطاب المتعلق بالموضوع قيد البحث لكافة وجهات النظر الخاصة به والمقاربات الأخرى له. فـ “الإنتقائية” هي السمات السائدة في خطاب نخبنا حيث ينتقي صاحب الخطاب الشواهد التى تعزز من موقفه أو تدعم رأيه مع الإغفال المتعمد لكافة الشواهد الأخرى غير الداعمة. ومن الأسئلة التي يمكن إثارتها بهذا الصدد:

– هل هناك حاجة لأخذ وجهة نظر أخرى بالاعتبار؟

– هل هناك مقاربة أخرى، أو مقاربات أخرى، يمكن تبنيها لدراسة هذا الموضوع؟

 

 

وأخيرا نصل إلى قمة هرم “معايير التفكير العامة” وهو المعيار السابع والأخير، “المنطق”، الذى يعنى بتقييم مدى تنظيم الأفكار وتسلسلها وترابطها بطريقة تؤدى إلى معنى واضح أو نتيجة مترتبة على حجج معقولة. وهنا يمكن إثارة الأسئلة الآتية للحكم على منطقية التفكير الذى يعرضه الخطاب:

– هل يمكن اعتبار النتائج التي أوردها الخطاب معقولة؟

– هل يوجد تناقض بين الأفكار التي جاءت في الخطاب (أو هل تتسق الأفكار مع بعضها البعض)؟

– هل تؤدى المبررات أو الحجج المذكورة إلى هذه النتيجة بالضرورة ؟

 

 

المراجع

 

1. Foucault, M., The Archaeology of Knowledge. 1972, New York: Pantheon Books.

2. Elder, L. and R. Paul, Foundation For Critical Thinking. Website, 1996. June: p. http://www.criticalthinking.org.

3. جروان, ف.ع., تعليم التفكير: مفاهيم وتطبيقات. 1999, العين، الإمارات العربية المتحدة: دار الكتاب الجامعى.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق