دراسات و تحقيقاتمجتمع

أسرار الموت الروح والنفس البشرية

محاولة انثروبولوجية عن عن الموت وحقيقته

لوسيان جميل

قرائي الكرام! ارجو ان تسمحوا لي بأن اخاطبكم في بدايات هذا المقال وفي كثير من فقراته، من خلال ضمير المتكلم المفرد، لأسباب السهولة والبقاء في جو الصداقة التي لا تحب التصنع، وأقول: يسرني ان اضع بين ايديكم هذا المقال الذي ارسله اليوم الى بعض الأصدقاء، وآمل ان اضعه في باب المدخل، في كتاب جديد بعنوان: كيف نتكلم عن الانسان اليوم، والذي سوف يكون، ان شاء الله، مكملا لكتابي اللاهوتي المنهجي بعنوان: كيف نتكلم عن الله اليوم، وكتابي الآخر وجه الله منهجية لاهوتية خارج الأسوار.
وفي الحقيقة ان هذا المقال مكتوب اصلا باللغة الفرنسية بقلمي الشخصي، وقد نقلته الى العربية لكي استطيع ان اضعه ضمن مقالات كتابي العتيد، او ارسله لأصدقائي الذين لا يعرفون اللغة الفرنسية. اما قصة كتابتي لهذا المقال الطويل فتكمن في ان احد معارف الانترنيت ويدعى كلود كليريت كان قد كتب لي رسالة يطلب مني فيها ان اعطي رأيي في مسألة الموت وفي مصير النفس قائلا: انت الذي هو اكثر تقدما من الآخرين، ما هو رأيك في الموت والنفس وما هي براهينك.
وبما اني كنت احب مثل هذه المواضيع، فاني قررت ان اكتب له شيئا بصفحات قليلة، لكني رأيت نفسي اكتب له اربعة وعشرين صفحة A 4. اما الان وأنا نازح في دهوك، فقد انجزت تعريب هذا المقال بتصرف شديد، مع اضافات كثيرة، كانت غايتها توضيح بعض الفكر الغامضة في المقال الأصلي، وإدراج كثير من التوضيحات المنهجية الفلسفية والأنثروبولوجية، هذه التوضيحات التي رأيتها ضرورية لمجتمعاتنا الشرقية بشكل عام ومجتمعنا العراقي بشكل خاص. حتى صار عدد صفحات المقال المترجم اربعين صفحة.
والجدير بالذكر هو ان السيد كليريت Cléret يملك موقعا يقدم فيه مقالات وكتب وتسجيلات صوتيه مختلفة تعود الى بعض فروع علم النفس تشبه ما يقدمه رهبان البوذيين لتلاميذهم، او شيء قريب من ذلك، مستخدما بعض مفردات علم النفس لذلك، حيث انه كان ولا زال يقدم في موقعه كتابات تعلم الناس اسرار الحصول على الهدوء والطمأنينة في الحياة. وأتذكر اني كنت قد ارسلت رسالة الى السيد كليريت، بعد ان كنت قد قرأت بعض مواضيعه التي كان قد ارسلها لي، قلت له فيها بأنني املك منهجية لاهوتية لا تستند الى الفلسفات ولا الى منهجيتكم النفسية، وإنما تستند الى علوم الانسان والى المنهج العلمي الاستقرائي، هذا المنهج الذي اراه ابسط وأعمق من تحليلاتكم النفسية، هذه التحليلات التي شبهت فيها الدخول الى اعماق النفس على طريقة السيد كليريت، بعملية انشطار الذرة التي هي عملية قسرية لا تحمد عقباها. واليكم الرسالة بتصرف. بصيغتها الجديدة.
بداية اشكرك ايها السيد كليريت لكونك دعوتني لأن اساهم معك، ولكي نوضح معا ما اسميتَه سر وأحجية الموت قائلا ” انت الذي هو اكثر تقدما من الآخرين، اين انت على هذا الطريق؟ وبغض النظر عن معتقداتك، ما هي الأشياء التي تراها مؤكدة، وما هي براهينك؟
فهو ذا اذن يدعوني طلبك الى أن أحاول بقدر المستطاع أن اجيب الى تساؤلاتك المشروعة جدا، بخصوص الموت والنفس، على الرغم من النقص الذي يشوب لغتي الفرنسية، ويجعل الكتابة عندي بطيئة نسبيا. أما النقص في لغتي الفرنسية فيمكن ان يعزى الى نقص الممارسة عند انسان ليس فرنسيا، ويكتب دائما باللغة العربية، وهو لم يعمل دراساته في فرنسا، ولا في اي بلد ناطق بالفرنسية، ولكن فقط في معهد Séminaire تنشئة القسس في الموصل، هذا المعهد الذي كان يديره ويدرس فيه الفلسفة واللاهوت وغيرها من العلوم الدينية الآباء الدومنيكان الفرنسيون.
ولكن قبل ان انهي هذه الفقرة، كنت اود ان اعلمك بأن ما كتبته لك لم يأتني فقط من الدراسات الفلسفية واللاهوتية التي نلتها في معهد مار يوحنا الحبيب لتنشئة القسس في الموصل، والذي كان يضم تلاميذ من الطقس الكلداني والسرياني، قبل اكثر من ستين سنة، على الرغم من عمق تلك الدراسات، ولكنه جاءني خاصة من منهجية لاهوتية استقرائية Inductive ووصفية descriptive وضعتها وكتبتها بنفسي، حيث ان هذه المنهجية مؤسسة على علوم الانسان، وخاصة على الأنثروبولوجيا، بكل ابعادها الحياتية Biologiques والنفسية Psychologiques والاجتماعية Sociologiquesالخ…
علما بأن هذه المنهجية لا توجد الى حد هذا اليوم ( اقصد زمن كتابتي لهذا المقال باللغة الفرنسية . المترجم) في اي مكان من العالم اللاهوتي. ولكن بقي لي في نهاية هذه المقدمة التأكيد على اني شخصيا لست عالما في هذه العلوم المذكورة، ولكن فقط احاول ان آخذ هذه العلوم بالحسبان، مما يعني بأني اوظف هذه العلوم من اجل الاجابة الى اسئلتك، ايها السيد كليريت. علما بأن الاستاذ المذكور كان قد ارسل لي تعليقا يشيد بدقة تعبيري باللغة الفرنسية وبعمق الفكرة التي جاء فيها المقال.
مقدمة – جوابي على الرسالة
بدءا، وبمثابة جواب اولي على اسئلتك، ايها السيد كليريت، اقول لك من البداية بأني متفق معك، فيما يخص اسئلتك عن ظاهرة الحياة والموت، وفي كل ما يتبع ويتفرع من هذه الظاهرة، كما اتفهم تساؤلك حول طبيعة النفس البشرية وجوهرها ومصير هذه النفس، بعد النفس الأخير، كما اني متفق معك حول كل ما يتبع الموت، مثل خوف المنازع وآلامه وقلقه، فضلا عن الم وقلق وفوضى واضطراب العائلة والأصدقاء. ولكن بصفتي اعمل في المجال اللاهوتي واملك منهجية لاهوتية استقرائية، هي من وضعي ايضا، اقول لحضرتك بأنه يتوجب علينا اولا إن نميز تمييزا جيدا بين الأمور، لكي نفهمها فهما جيدا، لأننا اذاا لم نميز بين حقول المعرفة، والتي يمكن إن تأتي من اوساط حضارية ( ثقافية ) متعددة، او تأتي خاصة من اوساط بدائية،فإننا سنخلط حتما بين هذه الأمور. اما عكس ذلك،فإننا اذا استطعنا إن نميز بين الأفكار التي تأتينا من ثقافات مختلفة، سوف نعرف إن الموت صعب، بكل تأكيد، لكن الموت لن يكون سرا غير مفهوم، ولن نتكلم عنه بلغة آبائنا وأجدادنا، بل بلغتنا الحضارية العلمية المعاصرة.
فإذا ميزنا بين الأفكار التي نستقبلها، سوف نقول: نعم هناك في حياة الانسان ابعاد نستطيع ان نسميها نفسا، ولكن هذه النفس لن تكون لها صفة انطولوجية، اي وجود مستقل عن المادة، وإنما هي عبارة عن بنى عليا عند الانسان Supra structures تتلاشى مع موت المادة الحية التي كانت تحملها. علما بأن هذه البنى العليا كانت تخدم الانسان في مجال حياته النفسية الجسدية Psycho somatiques ونسميه ايضا بالمجال الجسدي الروحي. ولذلك لم يعد ممكنا ان نتكلم اليوم عن خروج او انفصال النفس عن الجسد، ولا عن المكان التي تذهب اليها النفس بعد الموت: ملكوت السماوات او جهنم النار او المطهر بحسب المعتقد الذي كان مسيطرا في الكنيسة الكاثوليكية. وسنرى التفاصيل في باب النفس. ولذلك علينا ان نغادر المعتقد الذي بنيت عليه فلسفة افلاطون الثنائية لنعود الى الأنثروبولوجيا بشكل كامل وبدون اية ازدواجية.
ولكن بما انك طلبت مني، ايها السيد كليريت البراهين عما سأقوله لك بشأن النفس البشرية والموت، فاني سأحاول بأن اعطيك هذه البراهين في الصفحات التالية. غير اني ارى من الآن بأن خلو الجماعات التقليدية من البرهان على مزاعمهم، في مثل هذه المسائل، يمكن ان يكون بحد ذاته بالنسبة لنا برهانا يظهر لنا مقدما بأن ما كان الأقدمون يقولونه بشأن الحياة والموت والنفس لم يكن يأتي من علم حقيقي، وإنما كان مجرد معتقدات بدائية او فلسفات او حِكَم، تحتل عندهم، ولعدة اسباب، مكان العلم. كما كانت هذه المعتقدات تقدم للأجيال التي سبقتنا بدائل يمكنها ان تبرر التضحيات المطلوبة من البشر، وتجعل الموت مفهوما اكثر.
أ – قضية الموت: هنا اود ان اقول لقرائي بأنني بعد كثير من التردد قررت ان اضع الفقرة التي تتكلم عن الموت قبل الفقرة التي تتكلم عن النفس، نظرا لكون ظاهرة الموت محسوسة وملموسة وبديهية اكثر من ظاهرة النفس التي هي ظاهرة انسانية روحية، هذه الظاهرة التي تتطلب مجهودا اكبر من قبل العقل، لكي يعرف حقيقتها. اما هذا الكلام فيعني اننا نبدأ بالكلام عن الانسان الفرد لكي نتمكن فيما بعد ان نتكلم عن ابعاده الروحية الأنثروبولوجية والوجدانية التي لا تقع تحت الحواس.
وعليه، اذا ما القينا نظرة بسيطة على الآداب البشرية بشكل عام، وخاصة على آداب القدماء الذين ما قبل الحضارات القديمة وما قبل الفلسفات و ما قبل الفكر العلمي، سوف نرى انفسنا بكل تأكيد امام واقع يقول لنا بأن بشر تلك الأزمنة كانوا اكثر اتفاقا حول مفهوم الموت من اتفاقهم على مفهوم النفس، الأمر الذي يعني بأن تعريف مفهوم النفس كان ولا زال اعقد من مفهوم الموت، حتى وان لم يكن تعريف مفهوم الموت بالسهولة التي قد نظنها، سواء عند الناس البدائيين ام عندنا نحن العائشين في الزمن المعاصر، كون الموت مرتبط دائما بقضية النفس ومصيرها البشري، وكذلك بقضية الخلود بشكل عام.
ولكن، وعلى الرغم مما اتينا الى ذكره قبل قليل، فان نظرتنا نحن المعاصرين بدأت في الواقع تختلف اختلافا لا باس به عن الذين سبقونا، وذلك لأننا بدأنا نلقي نظرة واقعية وعلمية على قضية الموت وكذلك على قضية النفس، على الأقل في الأوساط الفلسفية والعلمية واللاهوتية. ولذلك، وقبل ان نتكلم عن الموت، بحسب منهجيتنا الأنثروبولوجية والاستقرائية الخاصة، سوف نستعرض بعض تعريفات الموت التي اصبحت في ايامنا مجافية للحقيقة العلمية وغير مقبولة. غير اننا سنجد هذه التعريفات البائدة وغير المقبولة ضمن الفقرة التالية التي اسميناها تعريف الموت بالنفي، وهي فقرة تدخل ضمن منهجيتنا العلمية، والتي تنفي كل ما لم يعد مقبولا في ايامنا.
ب – تعريف الموت بالنفي: Définitions Par négation في هذه الفقرة الفرعية نبدأ بعمل تعريف للموت، يمكن ان نسميه تعريفا عن طريق النفي. فعندما نعرّف الموت عن طريق النفي، نحاول ان نحذف من تعريفنا اي معتقد يأتي الينا من الأساطير او المعتقدات الغيبية وكذلك من الفلسفات ومن الكتابات اللاهوتية القادمة من حضارة سادت ثم بادت، ومن الأديان ومن العقائد، ومن كل المصادر التي لا تبالي بنتائج العلوم.
ومن المؤكد ان تعريف الموت من خلال نفي ورفض كل التعريفات غير المقبولة، يكون غير كاف لوحده لنقول كلمتنا الأخيرة فيه. غير ان التعريف بالنفي هذا يشكل البداية لتعريف حقيقي جيد. وعليه ونحن نستند الى منهجية النفي، سوف لن نتكلم عن عزرائيل، او ملك الموت الذي يرسله الله ليأخذ انفس المشرفين على الموت، ولا عن ملاك الله الذي يمسك بيده منجلا يحصد به انفس البشر. كما اننا لن نتكلم عن الموت كانتقال الى عالم الأموات، بحسب المعتقد السومري، ولن نتكلم كما تكلم المصريون القدماء عن الموت، ولا كما تكلم الهنود القدماء ولا كما أي شعب بدائي آخر، كل بحسب معتقده الخاص به.
اما فكرة القيامة الأخيرة التي نجدها عند بعض معلمي العهد القديم، ونجدها كذلك في العهد الجديد، بكونه ينتمي الى الشعوب السامية، فنحن نرى ان موضوعيتها وعلميتها ليست اكثر من موضوعية وعلمية كثير من المعتقدات الأخرى التي كانت تقول بها الشعوب البدائية، في حين ان فكرة انفصال النفس عن الجسد تأتينا من الأوساط الفلسفية اليونانية، كفكرة مرافقة لفكرة الخلود.
اما المسيحية فيبدو انها دمجت بين فكرتين ومعتقدين هما معتقد القيامة الأخيرة ومعتقد انفصال النفس عن الجسد، الذي يعود الى الفلاسفة: سقراط وأفلاطون وأرسطو وغيرهم، ولاسيما ارسطو المصَحح من قبل مار توما، او بالأحرى المشوه من قبل مار توما والمدرسيين، اي اللاهوتيين الذين كانوا يلتزمون باللاهوت الرسمي الذي كان يدرس في المدارس. كما يمكن نسب فكرة النفس وخلودها، وحتى خلود الانسان، لنظرة حضارية ثقافية بدائية، كانت تضع كل ما هو قوي ومقدس في العالم العلوي: عالم الآلهة او عالم الله، في حين تجعل كل ما هو ضعيف وواطئ من نصيب عالم الأرض والمادة.
ومن جهة أخرى نحن نؤكد ايضا على الواقع الذي يقول بأن الموت ليس حادثا مؤسفا يصيب الانسان بإرادة الهية او شيطانية، كما ان الموت ليس وسيلة او طريقا للذهاب الى الجنة باعتبارها المسكن الأبدي، كما تقول تقريبا، كل الأديان التي نعرفها اليوم. وهكذا، وفي هذا الخط عينه، نرى اننا لا نستطيع فهم المعتقد الذي يقول بأن الموت هو نهاية الحياة الأرضية من اجل بدء حياة جديدة في العالم الأخر، وذلك لأن تأكيدا مثل هذا، تأكيد غيبي وخال من اي اساس وأي برهان مقبول، في حين نعرف بأن العالم الآخر بديل Alibi اوجدته الأديان لكي يعطي للناس على هذه الارض، التأكيد على ان تضحياتهم على الأرض لن تذهب سدى. وهنا اعترف بأن هذا البديل كان بديلا ناجحا في المجتمعات الحضارية البدائية، ويبقى بديلا ناجحا الى حد هذا اليوم، في معظم اوساط العالم الثالث، ومنها كنائسنا في العراق وفي كنائس الشرق الأوسط، هذه الكنائس التي لم تستطع ان تغادر عقلية الريف الدينية، وان هي غادرتها فعلا في كثير من الأمور الأخرى.
غير ان اعتراضا شعبيا يقول لنا: اذا كان لا يوجد شيء بعد الموت، وإذا كان العالم الآخر غير موجود، فأي فرق سنجده بين البشر والحيوانات، اما اعتراض آخر فيقول: اذا كان العالم الآخر غير موجود، ( باستثناء الموجود الأول )، وان الجنة والنار غير موجودتين، فكيف نميز الانسان من الحيوان، وكيف يمارس الله عدالته فيدخل الصالحين الى الجنة ويلقي الفاسدين في نار جهنم؟ اما جوابنا فيأتي بصيغة سؤال آخر يقول: ترى هل هناك ضرورة منطقية او علمية بأن يكون مصير الانسان مختلفا عن مصير الحيوانات في كل شيء، وأن يكون العالم الآخر موجودا لمكافأة الصالحين ولقصاص الأشرار؟ بالتأكيد لا توجد اية ضرورة.
الكتب المقدسة تتكلم لغة حضارتها: وهنا ارجو بأن لا يحاول احد ويرمي بوجهي نصوصا من الكتب المقدسة التي تقول غير ما يقول به العلم، ذلك ان هذا التناقض، او الاختلاف، لا يعني سوى ان الكتب المقدسة كانت تتكلم بلغة حضارة زمانها، وبحسب مفاهيم تلك الحضارة، حيث ان الكتب المقدسة ممتلئة من هذه اللغة التي كانت سائدة في تلك الأزمنة في مسائل عديدة. ومع ذلك وإرضاء للمعترضين، نؤكد هنا، على وجود فرق بين الانسان والحيوان بعد الموت، هو الفرق بين الانسان والحيوان، عندما يكونان كلاهما على قيد الحياة. اما هذا الفرق فيكمن في ان الانسان يستطيع ان يُورث شخصه، بمعناه الأنثروبولوجي العميق الى الأجيال التي تأتي بعده، في حين ان الحيوان لا يترك تقريبا شيئا بعد موته، الأمر الذي يسمح بإمكانية التقدم المادي والروحي للجنس البشري.
تكوين الصلة بين الأزمنة الثلاثة: وهكذا نكون امام ظاهرة تسمح للبشر بنقل الحضارات والتمدن وبتكوين صلة بين الحاضر والماضي والمستقبل. او ليس هذا فرقا نوعيا مهما؟ كما ان موت الانسان بين الأهل والأصدقاء دليل آخر على وجود هذا الفرق بين موت الانسان وموت الحيوان. اما مسألة العدالة فأراها متروكة للبشر انفسهم على قدر ما يستطيعون، وان فرح الصالحين هو فرح الانسان الداخلي الناتج عن الحب والخير الذي يعمله، فيما يكون القصاص ناتجا عن حرمان الانسان الشرير من مفعول الخير الذي يشعر به الانسان الصالح ( الصديق )
ج – حقيقة الموت في منهجيتنا العلمية: في بدء هذه الفقرة نقول: اذا كان الموت لا يعرّف كانفصال النفس عن الجسد، ولا بأي تعريف آخر سبق وأن ذكرناه، فكيف سيكون التعريف المطابق والعلمي لهذه الظاهرة البشرية التي تسمى الموت؟ اما جوابنا فيقول أولا بأن تعريف الموت بحسب منهجيتنا اللاهوتية والمبنية على نظرة انثروبولوجية، لن يكون تعريفا انطولوجيا يوصلنا الى جوهر حقيقة الموت، كما كان يدعي المدعون، باسم ايمان مزيف، ولكنه سيكون تعريفا استقرائيا وتحليليا يبقينا في المجال الأنثروبولوجيا. فتعريفنا هذا يحلل ظاهرة الحياة بشكل عام، وظاهرة الحياة البشرية بشكل خاص، لكي يوصلنا الى التعريف الدقيق والموضوعي لظاهرة الحياة ومن ثم لظاهرة الموت.
موت الكائنات الحية الأخرى: لكننا من جهة أخرى نرى ان تعريف الموت من دون معرفة حقيقة موت الكائنات الحية الأخرى، يكون تعريفا ناقصا وغير مقبول، نظرا لأن الموت ظاهرة متعلقة بظاهرة الحياة، هذه الحياة التي يكون الموت فيها نهاية واكتمال مسيرة الحياة الطبيعية لكل كائن حي، ومن ذلك الكائن الحيالانسان( كل كائن حي بحسب طبيعته وكما هي مبرمجة في كيانه).
ولكن، ولكي نعرف جيدا طبيعة الحياة وطبيعة الموت، نحتاج ايضا ان نعرف طبيعة الكائن البشري، فضلا عن معرفة طبيعة الكائن الحي. كما يكون من المستحسن ان نعرف ايضا القوانين العامة التي تهيمن على عالمنا الانساني وعلى كوننا، وان كان ذلك بصورة غير مباشرة، عن طريق معرفة قوانين العالم الأرضي الذي نعيش فيه، اي عن طريق التماثل L’analogie. فما هي اذن هذه القوانين التي يمكننا الوصول اليها، والتي يمكننا استخدامها بغاية معرفة القوانين العامة للعالم وللكون وللحياة، من اجل الوصول الى حقيقة الموت؟ اليكم الجواب: علما بأن هذه الأفكار كانت موجودة في النص الفرنسي بشكل مقتضب.
1 – قانون سكون المادة: La loi de l’inertie عند ارسطو اربع علل ( اسباب ) مطلوبة لفهم وجود مادة ما هي: العلة المادية والعلة الصورية والعلة الفاعلة والعلة الغائية. ولهذا يتراءى لي بأن ارسطو تكلم عن قانون السكون قرابة الفي عام قبل ان يصير هذا القانون معروفا لدى علمائنا. فهنا ايضا، المادة هي الساكنة والتي لا تتحرك ولا تتغير الا بفعل العلة الفاعلة. من هنا يمكننا ان نستنتج بأن كل مرة تنتقل فيها المادة من صورة الى اخرى، فهذا يعني ان سببا يحركها ويستطيع ان يتغلب على سكونها. وعليه يكون علينا ان نفتش عن سبب الحركة هذه، اذا اردنا ان نفهم حقيقتها، وسبب انتقال مادة الانسان ( اي الانسان كله بحسب تحليلنا العلمي) من مادة حية الى مادة ميتة متفككة ومدمرة.
فما هو هذا السبب الذي ينقل مادة الانسان من مادة حية عاقلة مترابطة من حيث جميع ابعادها وبناها، الى مادة ساكنة ومتفسخة ومتحللة، مع الزمن؟ فإذا عرفنا هذا السبب نكون ايضا قد فهمنا معنى الموت من وجهة نظر علمية. علما بأن هذا السبب لن يأتي من خارج عالمنا وقوانينه بل من داخله حصرا. بمعنى، وبصراحة لن يكون لله اي دخل مباشر في موت الانسان. اما دور الله غير المباشر فلا نتكلم عنه في هذه الفقرة، ولا في هذا المقال، بل سنتكلم عنه بوضوح في كتابنا العتيد: كيف نتكلم عن الانسان اليوم، ان شاء الله. هنا نكتفي بالقول ان الله لا يتدخل في موت الانسان بتدخل مباشر، بل كعلة اولى حسب، بمعنى الاله الذي وضع قوانين الكون كلها، وقوانين الحياة كلها. علما بأننا هنا لا نتكلم عن الموت الذي يأتي لأسباب لا تعود الى المسيرة الطبيعية للحيوان او للإنسان، بل عن الموت الذي يأتي بعد شيخوخة معقولة، هذه الشيخوخة التي لها وظيفة تهدئة البنى المقاومة للموت عند الانسان.
2 – قانون حفظ المادة: عندما يوجد تغيير في المادة، مكونا صورا جديدة في تلك المادة نفسها، فهذا يثبت بأن المادة تبقى محفوظة ومحافظة على صفتها المادية، على الرغم من التغيير في صورها، سواء شمل ذلك المادة الكونية او المادة على ارضنا: المادة الفيزيائية او المادة الكيميائية او المادة البيولوجية ( الحياتية ) او المادة الأنثروبولوجية (المادة هنا هي كل الانسان، وليس جسده فقط، لأننا لا نستطيع تقسيم الانسان- المترجم ).
غير اننا علينا ان نشير هنا الى ان قانون السكون وقانون حفظ المادة اللذان يقومان ايضا بدور الدفاع الذاتي ضد التدمير والإفناء، امر يعنينا، طالما اننا بصدد توضيح مسألة الموت، ولاسيما موت البشر. ومع ذلك علينا ان نأخذ بالحسبان بأن اي تدمير Destruction لا يحصل هو الآخر، الا بواسطة اسباب مناسبة وبحسب تحرك مبرمج، والذي يتطلب زمنا مناسبا، حيث تشترك في هذا العمل قوانين أخرى كثيرة. ولكن في كل ما يخص قوانين تدمير او تغيير المادة، ( المقصود هنا هو الانسان خاصة والأحياء المتطورة.. المترجم ) يكون علينا ان نلاحظ ايضا بدقة ظاهرة أخرى تقول: حيث تصير المادة ( الانسان والأحياء ) اكثر تعقيدا تصبح في الوقت عينه مادة أكمل، ولكنها تصبح ايضا اضعف امام التغيير والموت. غير اننا، وعلى الرغم من ضعف المادة هذا الذي هو الآخر ضعف مبرمج وموظّف، نعرف بأن المادة الحية قديرة جدا، وهي قادرة على ايجـاد طرق ذكيـة لتحمي نفسها من التدمير،او التغيير التعسفي، من خلال قوانين محسنة ومبرمجة جيدا،( ومن خلال فاعل مناسب. المترجم ).
قانون ظاهرة الموت والولادة: والحال ان أحد قوانين حفظ المادة الحية ( البيولوجية ) وتجديدها وتطورها يأتي من ظاهرة ” الولادة ” التي تخلق الشبيه ( النسل )، اي تخلق انسانا آخر يأخذ مكان الانسان القديم ( الأب والأم )، هذا الكائن الحي الذي يجب ان يموت لكي يخلي المكان لناس آخرين، حيث ان كل جيل يعمل خطوة نحو انسان اكمل وأكثر تكييفا مع عالمه ( بيئته )، وحيث لا يتحكم في كل هذه العملية قانون مطلق، ولكن يترك الأمر لقانون رياضي يسمى قانون” الاحتمالات “.
اما قانون الاحتمالات هذا فانه يفيد في الحفاظ على التعددية التي تسمح بحاشية واسعة من الحرية ومن الصدف المرتبطة بقانون الاحتمالات العددي، لأن هذه الصدف هي صدف مبرمجة، اذا استطعنا ان نقول ذلك. وما اعرفه اني رأيت اجهزة القمار الالكترونية في مدينة لاس فيجاس تعتمد قانون الاحتمالات هذا بشكل مطلق. فمصممو هذه الأجهزة الالكترونية يعطون مجال الربح للشركة النسبة التي يريدونها، في نهاية الأمر، دون ان يستطيعوا تحديد الشخص الذي يربح. مما يعني ان قانون الاحتمالات هذا، والذي هو قانون الصدف ايضا، يحافظ على تحقيق الهدف المطلوب امام الطبيعة المبرمجة وأمام البشر ايضا، في مجالات كثيرة، ومنها مجال الجينات الوراثية التي يتسلمها الطفل من الأب والأم.
اما اذا اردنا ان نعطي توضيحا لقانون الاحتمالات فإننا نستعين بمثل العملة المعدنية التي تكون نسبة نجاح المقامر فيها 50% فيما تكون نسبة مقامر يستخدم النرد ( الزار ) 1/6 في حين تكون نسبة نجاح اي مقامر يستخدم نردين ويطلب رقمين ( مثلا 6- 6 ) 1/ 36، وهكذا دواليك. وما اراه هو ان الصفات الانسانية التي هي واحدة عند كل البشر والتي تختلف من شخص لآخر، انما تعتمد في قوتها وضعفها الى الصدف المبرمجة ايضا، وعلى قانون الاحتمالات، الأمر الذي يحقق هدف الطبيعة بشكل مؤكد، ولكن مع وجود فشل في كثير من الخيارات، وذلك بسبب سيطرة قانون الاحتمالات.
3 – قانون التماثل: ان هذا القانون ليس قانونا منفصلا ( مستقلا ) عن القوانين العامة لحفظ المادة وعن قانون السكون، لكنها تشتق او تتفرع من هذه القوانين، وهي بمثابة نتيجة طبيعية لها. بهذا المعنى يجب التأكيد من ان الكون كله كون تماثلي، الأمر الذي يعني ان الكون وحدة واحدة وتعددية في الوقت عينه. غير أننا نجد ايضا تماثلا يمكن ان نقول عنه انه ثانوي، نجده بين اشكال مختلفة من المادة، ولاسيما بين الحيوانات والبشر، على سبيل المثال.
ولذلك نرى ان معرفة هذا القانون ذو منفعة كبيرة للذين يريدون ان يتكلموا بدقة عن عالم الأحياء وعن عالم البشر، وحتى عن عالم المجتمعات. بمعنى ان القانون الذي يهيمن على حياة و موت الأحياء بشـكل عام، ينطبق بشكل تماثلي Analogique على عالم البشر ايضا. فما هو هذا القانون الذي يحافظ على حياة وموت الحيوانات والبشر؟ نقول انه قانون، لا بل عدة قوانين تجعل الأحياء تتصرف وكأنها تخدم اهدافها الخاصة وكما تستطيع، ولكنها في نهاية الأمر وبعد مرور زمن طويل يُكتشف انها كانت تخدم الطبيعة نفسها، دون ان يعلموا بذلك. وطوبى لمن يعلم ذلك!
4 – قانون الجدل: ان قانون الجدل قانون يفسر تغيير المادة, حيث يصبح هذا القانون مفهوما اكثر في مجال الكائنات الحية، ولاسيما البشر. بهذا المعنى، يستطيع هذا القانون ان يشرح لنا خاصية التتابع Succession، ليس فقط تتابع الطبقات الاجتماعية، ولكن ايضا تتابع الأجيال البشرية، حيث نرى الطبيعة تتخلص ببطء وبمهارة من الأجيال القديمة لتخلي مكانها للأجيال الجديدة. فظاهرة النسل ظاهرة جدلية Dialectique وهي ليست موجودة فقط لإدامة نسل الكائن الحي، وإنما هي موجودة خاصة لتطوير هذا النسل المستمر، وكأني بالمواليد الجديدة تعمل ببطء شديد لإزاحة من سبقهم وأخذ مكانهم في مواصلة الحياة نحو الاحسن.
اما هذا القانون الظاهرة، وبحسب قانون الجدل نفسه، فتنتج عنه كثير من الأضرار والآلام والموت، ولاسيما في مثل هذه الأيام التي نعيش فيها، ليس في العراق فقط، ولكن في الوطن العربي كله وفي العالم. فهل تكون هذه الآلام كآلام المخاض ضرورية لعملية التغيير الانساني الأنثروبولوجي وتجديد الحياة؟ نقول: ربما ضارة نافعة! ( لكننا نعرف ايضا ان دعوة الانسان الذي وهبته الطبيعة العقل والمشاعر والحرية هي ان يعمل ما باستطاعته في مجال تخفيف الآلام الناتجة عن التغيير الجدلي وغير الجدلي.
النتيجة الأخيرة: نظرا لكل ما قلناه، نفهم الآن لماذا يكون الموت النهاية الحتمية لحياة كل كائن حي، ومن ذلك الانسان. ولكن، ونحن نؤكد على هذه الحقيقة او البديهية التي لا تحتاج الى البراهين، نعلن اننا لن نتمكن من فهم حقيقة الموت، الا اذا اخذنا بوجهة نظر الطبيعة وعبقريتها بالحسبان، وذلك لأننا هنا لسنا امام ظاهرة معزولة، او امام واقع مفروض من قبل ارادة الهية، سواء كانت خيرة او مؤذية، كما يقول مثلا النص الشبيه بالتاريخ Para historiqueالذي يسرد لنا قصة الخطيئة الأصلية، او تقول لنا ملحمة كلكاميش، عندما تحكي لنا قصة البطل كلكاميش وكيف انه فقد الخلود الذي كان يفتش عنه من دون كلل.
حقيقة الموت من منظور انثروبولوجي: بهذا المعنى اذن لا يمكن ان يكون الموت الا طبيعيا جدا ومفهوما جدا، من وجهة نظر الطبيعة وعبقريتها، اذا كان بإمكاننا ان نتكلم هكذا، حتى انه اذا لم يكن الموت موجودا، لما كانت توجد الحياة والبشر، كما ان العالم كان سيكون عالما فقيرا، كما هو حال القمر والكواكب الأخرى غير المأهولة، على سبيل المثال.
وهكذا وبهذا المعنى ايضا، لا يكون الموت ” مصيرا ” فقط، ولكنه وظيفة وخدمة يقدمها للبشر وللطبيعة البشرية، في الوقت عينه. ولنقل ايضا بأن الموت وسيلة تمتلكها الطبيعة من اجل ان تقدم خدماتها للبشر ومن اجل الطبيعة نفسها، علما بأن هذه الخدمة تكمن في تقدم وتطور الكائن الحي، فضلا عن الانسان، هذا التقدم الذي لا يشمل الجسد فقط وإنما يشمل كل قوى الكائن الحي، وعلى الأخص يشمل قوى الانسان في مجال بناه العليا، كما يمكن ان نستنتج ذلك من ابحاث الأب تيار ده شاردن.
اما هذه الخدمة فتكمن في قضية التطور المستمر الذي هو سنة الطبيعة كلها، هذا التطور الذي يحدث في داخل الكائن الحي، وفي داخل الكائن البشري، كما هو واضح لنا جميعا. فالكائن الحي والكائن البشري يأتي الى الوجود فيترعرع وينمو ويحاول كما يستطيع ان يصل الى الكمال الذي وضعته الطبيعة فيه. علما بأن الكائن الحي، ومن ذلك الانسان، يتطور عن طريق التناسل خاصة، اي عن طريق الجينات الوراثية، حيث يحدث هذا التطور عند الأب والأم، او عند احدهما على الأقل.
وبما ان الانسان ذكر وأنثى، حاله حال اي حيوان آخر، فنحن نعرف اليوم بأن كل من الذكر والأنثى يعطي للأطفال الجدد، خمسين بالمائة من الجينات الوراثية لتشكل كامل الكروموسومات التي منها تتكون حياة كل طفل الجديد. وهنا نريد ان نؤكد ان الطفل الجديد ليس استنساخا للأب او للأم، وان كان يأخذ منهما كل شيء، لكنه انسان جديد بكل معنى الكلمة، هذا الانسان الذي يتكون حسب قانون الاحتمالات، وفق نظام دقيق وعجيب، ربما عرف العلماء اليوم شيئا كثيرا عنه.
ولذلك، وحسب قانون الاحتمالات ايضا يأتي الطفل او الأطفال اطفالا احسن من آبائهم وأمهاتهم قليلا او كثيرا، مع وجود ” احتمال بأن يأتي الأطفال اسوأ من آبائهم وأمهاتهم، حسب قانون الاحتمالات ايضا، ولكن مهما يكن تكون الغلبة بالنتيجة للتقدم وليس للتدهور. اللهم الا في الحالات التي تتدهور فيها الطبيعة كلها في منطقة واسعة جدا بشكل مطلق. وهنا نريد ان نلفت انتباه القارئ بأن بعض الكائنات الحية تموت بعد ان تؤدي واجب التكاثر، حيث لم يكن لها واجب آخر غير التلقيح. اما الحيوانات الثديية الكبيرة، فإنها لا تموت مباشرة، ولكنها تبقى ما دام النسل والقطيع بحاجة اليها. اما في هذه الأثناء فتأتي الشيخوخة ما قبل الموت من اجل خدمة الأب والأم وخدمة المجتمع كله فضلا عن خدمة الحياة البشرية.
اما اذا سألنا وقلنا لماذا يموت الأب والأم فنجيب بحسب منطق ومنهجية مقالنا العلمية الأنثروبولوجية بأنهما يموتان لأن لا يكون الأولاد ولا القطيع بحاجة اليهما بعد. اما هذه القاعدة فتسري على الانسان بشكل يكاد يكون كاملا، مع فارق ان الأولاد يبقون بحاجة الى الأب والأم لزمن اطول من الحيوان بكثير، وهذا يأتي نتيجة الفارق الكبير بين الانسان والحيوان، وخاصة فيما يخص الحياة العقلية المعقدة. كما ان القطيع، او المجتمع البشري بحاجة الى الكهول، لزمن يفوق زمن الحيوانات كثيرا، ولاسيما لسبب الانتاج الحضاري الانساني.
اما شيخوخة الانسان فتأتي بالتدريج وليس بشكل مفاجئ، فيكون الانسان في اوج ضعفه وشيخوخته قبل الموت الحتمي بعد ان يكون الانسان قد ادى واجباته الانسانية تجاه الأجيال السابقة والأجيال اللاحقة، حيث يكون كل انسان، الذكر والأنثى قد خطى بالبشرية خطوة الى الأمام. طبعا هنا نتكلم بشكل عام Grosso modo ولا مجال لنا للدخول في التفاصيل.
فالكائنات الحية تأتي اذن الى الوجود وفق برمجة الطبيعة وتنمو وتترعرع وتتطور وتتصاعد حسب هذه البرمجة نفسها، وتموت حسب برمجة الطبيعة ايضا، والتي تحدد كل شيء وفق ما اسميناه قانون الاحتمالات الذي يسمح بتفاوت موت الانسان بضع سنين الى الأمام او بضع سنين الى الخلف، حسب الظروف. ولكن الكائن الحي والكائن الانساني يموت، يعني يموت! ورحم الله كاتب اسطورة كلكاميش، الذي علم الانسان منذ ذلك الوقت بأن لا مجال لبقاء الانسان على قيد الحياة الى الأبد.
وهكذا! وبما ان كل شيء مبرمج: الجسد والنفس، بشكل يكاد ان يكون كاملا، يمكننا التأكيد ايضا على ان الموت ليس فقط طبيعيا ومفيدا، ولكن تكون اية اطالة لحياة الانسان بشكل مفرط، وبشكل اصطناعي مخالف لقوانين الطبيعة نفسها، وعامل ضرر كبير وخطير للتقدم الانساني الجسدي والروحي، من نواحي عديدة، لأن هذه الاطالة الاصطناعية المفرطة التي تتجاوز عمل الطبيعة، والتي هي ممكنة نظريا، سوف تلقي الاضطراب والفوضى في كل النظام الطبيعي والاجتماعي والسياسي والاقتصادي، المبني خلال آلاف السنين على خواص البشر والحيوانات الأخرى المتواجدة في الطبيعة. اما اذا يوجد تغيير بسيط في عمر الانسان، فان هذا التغيير الطبيعي سوف تعالجه الطبيعة، فضلا عن مساهمة الانسان في هذه المعالجة.
ج – وجهة نظر البشر: فإذا كان الموت طبيعيا ونافعا، من وجهة نظر الطبيعة، بشكل عام، ومن وجهة نظر الطبيعة البشرية بشكل خاص، فهو ليس كذلك فيما يخص الأفراد من البشر. ولذلك يمكننا ان نلاحظ فزع البشر امام الموت، او امام موت قريب، للأسباب التي سبق ان ذكرناها، وهي اسباب كثيرة ومتنوعة.
1 – الانسان الفرد البشري والموت: اذا كانت الطبيعة في عالمنا لا تبالي بالآلام التي تسببها هي نفسها للبشر، وربما لغير البشر ايضا، فذلك لأن الطبيعة لا تملك قلبا، اي انها لا تملك مشاعر مبرمجة ضد الموت، ونرى ايضا انها لا تملك عقلا وإرادة، وإنما تملك قدرات وإمكانات Possibilités يمكن ان تحرك الكائنات الحية والبشر في اتجاهات مطلوبة، حسب قانون الاحتمالات، وتحرك الانسان ليس ضد الموت ومخاطره فقط، ولكن ايضا ضد كل ما يمكن ان يقتل عند الانسان انسانيته وحريته وتطلعاته نحو التحرر من كل اعتداء وعدوان واستلاب. ولذلك يكفي الطبيعة بأن تتبع قوانينها الخاصة، لتكون على الطريق الصحيح، وتبقى للإنسان مهمة العناية بنفسه وبمجتمعه.
وفي الحقيقة، وعلى الرغم مما تفعله الطبيعة لتهدئة مخاوف الانسان تجاه الموت، يبقى البشر كأفراد ضعفاء امام الموت ومعرضين للألم، سواء كان هذا الموت موتهم الشخصي، او كان موت قريب لهم. فالإنسان يرى نفسه امام الموت، انه امام تدمير كامل لإنسانه كله، وليس لجسده فقط. ولذلك لا يسع الانسان الا ان يقلق ويحتار ويتألم، لأن مختلف الجهود التي توفرها الطبيعة للتخفيف من حيرة الانسان وقلقه وتألمه لا تكفي لطمأنة هذا الانسان بكفاية.
ولكن نعتقد ان هذا القانون الذي اتينا الى ذكره الآن يمكن في حالات خاصة جدا كحالات العدوان السياسي كما يحصل اليوم في عراقنا وفي كثير من دول العالم، ان يساعد في التغلب على متحسسات الموت بشكل كبير، فيؤدي بالتالي الى اعمال فدائية وجهادية ينظر اليها الكثيرون بنظرة اعجاب تقترب احيانا من القدسية، كونهم يرون ان غيرهم يعمل ما كانوا هم يتمنون ان يعملوه ولم يستطيعوا، حيث تأتي ظاهرة الاستشهاد هذه، ضد اقوياء العالم الأشرار، وحيث يبدو ان الطبيعة التي نراها من ابداع المهندس الأعظم، قد اخذت بالحسبان كل الاحتمالات ووجدت دواء لكل الأوجاع والمشاكل، بدون ان تستلب حقوق الانسان المسئول عن بناء عالمه الانساني، ولسان حالها يقول للإنسان: يكفيك ما اعطيتك! فصار دورك لتدير شؤون نفسك.
2 – المنظومة الدفاعية والموت: اذا كان كل فرد بشري يمتلك ابعادا او قوى يكون من مهمتها منع التدمير الكامل او الجزئي للفرد البشري، ينتج عن ذلك بأن هذه القوى المنتشرة في حياة الفرد البشري، تتصرف وكأنها حارسة لحياة الفرد البشري هذا، كون هذه القوى تعطي انذارا حقيقيا ضد عامل الموت والأذى. ولكن في حالة الموت نفسها تعتبر الشيخوخة نفسها عاملا تمهيديا للموت بدون فزع كبير وألم مفرط. اما في حالة النزاع فان الدفاعات الحياتية عند كل انسان، وكذلك الحكمة العميقة التي تجعل الانسان يعترف بمصيره المحتم، فضلا عن بعض الاعتبارات الانسانية الايمانية، هي التي يمكن ان تجعل المشرف على الموت يموت موتا هادئا، بشكل نسبي. علما بأن هذا الكلام يشمل الأقارب والأصدقاء.
3 – الروابط المنسوجة خلال الحياة: ان الموت يسبب اذن الآلام للمشرف على الموت ولأقاربه، نظرا لأن هذا الشخص المشرف على الموت، وكذلك عائلته وأقاربه قد نسجوا خلال حياتهم كلها، روابط عائلية واجتماعية وروحية مع هذا المشرف على الموت، وهذه الروابط لا يكون من السهل انهاؤها او قطعها. غير انه من المؤكد بأن الألم سيتناسب في هذه الحالة مع عدد هذه الروابط ومع تجذرهم في عمق نفس المشرف على الموت، ونفس اقربائه وأصدقائه، وفي عمق حياة كل انسان يفكر بالموت.
4 – الخوف من العدم: هناك ايضا عامل الخوف من العدم، بحسب ما يقوله لنا بعض الفلاسفة الوجوديين، فضلا عن مشاكل الضمير والخوف من الدينونة عند كثير من الناس،
ولاسيما عند الناس المصابين بالوسواس. ففي الحقيقة ان جذور الانسان هكذا غائصة في عالمه المادي بحيث لا يصير العدم بالنسبة له ما لا يمكن تصوره حسب، ولكن ايضا ما لا يمكن تحمله. انها بالحقيقة مشكلة وجودية كبرى، لها فروع كثيرة.
5 – الموت يحرم من حاجة انثروبولوجية: بهذا الصدد نقول ان علم النفس يعلمنا بأن كل فعل حب يأتي من حاجة، وبأن هذه الحاجة كلما كانت جوهرية يصبح الحب اكبر. فإذا ما طبقنا عمليا هذه القاعدة يصبح بمقدورنا التأكد بأن المشرف على الموت يتألم بقدر تعلقه بوجوده الذي هو حاجة انثروبولوجية حقيقية، فضلا عن الأحباب والأصدقاء الذين يعرف انه سيغادرهم. اما الأقارب والأصدقاء انفسهم فيعرفون انهم سيفتقدون عزيزا لهم كان تواجده بينهم حاجة انثروبولوجية انسانية، مما يسبب لهم الحزن والألم.
هـ – الطبيعة والمشرف على الموت: بما اننا لا يمكننا تجنب الموت، وأن للطبيعة وسائلها التي تجعل عملها ناجحا، فانه يكون من الطبيعي ان نجد في الطبيعة النفسية الجسدية Psycho somatique الوسيلة التي تجعل الموت اقل ايلاما. ولذلك سوف نذكر بعض هذه الوسائل، وكما يلي:
أ – الطبيعة وردود الأفعال: فما يظهر واضحا هنا، هو ان الطبيعة تستخدم عبقريتها لكي تخفف ردود الدفاع الذاتي عند الانسان ضد الموت، حيث تضع الطبيعة النفسية الجسدية Psycho somatique وسائلها الكثيرة التي تخفف من قوة الدفاع الذاتي ضد الموت عند من هو مشرف على الموت، حتى وان لم تكن تنجح الطبيعة دائما في تهدئة مخاوف المشرف على الموت. ولكن الطبيعة تبقي اكمال المهمة للأهل والأصدقاء، بحسب دعوة هؤلاء الأهل والأصدقاء الانسانية، والتي نسميها دعوة التضامن المبني على المحبة. فالإنسان في الحقيقة جزء من الطبيعة، وهو الجزء الذي يتمتع بالعقل والإرادة والحرية والمشاعر الانسانية التضامنية.
ب – نعمة النسيان: عندما نتكلم عن نعمة النسيان هنا، فإننا نتكلم عن نسيان التأثير الانساني والعاطفي الذي تسببه الروابط المنسوجة بين اي انسان ومحيطه، حيث تعمل قوى أخرى على اضعاف او موت القوى التي كانت تساعد على تذكر العلاقات التي كانت منسوجة بين المشرف على الموت وبين العالم الذي كان يحبه وينتمي اليه، ومنه الأحباب والأصدقاء، بحيث يصبح هذا الانسان اقل تمسكا بالحياة. اما نعمة النسيان عند الأهل والأحباب والأصدقاء فإنها تتبع هذا القانون ذاته بشكل مماثل وتقريبي: فالنسيان يمكنه ان يخفف من كل اشكال المخاوف التي تنتاب المشرف على الموت. فضلا عن كل ذلك يمكننا ان نذكر ايضا بأن عدم معرفة المشرف بالموت الساعة التي يموت فيها تجعله اكثر هدوءا، على ما اظن.
ج – التضامن الانساني والديني: ان التضامن الانساني والديني ليس هو الآخر غير وظيفة او خدمة انثروبولوجية في حياة البشر، والذي يساعد المشرفين على الموت كثيرا على ان يموتوا ميتة جيدة. وهنا علينا ان نلاحظ بأن الطبيعة لا تهيئ الانسان للموت في ايامه الأخيرة فقط، ولكنها تهيئه بالتدريج وببطء خلال سنوات عديدة، كما هو معروف عن الطبيعة في كل المجالات.
د – المشرف على الموت والمحيطون به: لأن طبيعة البشر هي جوهريا مختلفة عن طبيعة الحيوان، فان حالة الشيخوخة والمرض واللحظات الأخيرة من حياة اي انسان تختلف ايضا عن الحيوان في الأحوال المذكورة. فما نلاحظه هو ان الحيوان يموت وهو في عزلة، وغالبا ما يترك لمصيره من قبل القطيع، في حين ان البشر يموتون محاطين بأقربائهم وبأصدقائهم، دون ان ننسى العناية التي تقوم بها المستشفيات والمؤسسات التي تعتني بكبار السن. هي ذي اذن ظاهرة انثروبولوجية قد وضعتها الطبيعة وتعززها الأديان، من اجل خدمة كبار السن والناس المتعبين والمشرفين على الموت، وتدعى التضامن البشري، حيث تظهر ايضا المحبة والرحمة والسخاء.
و – الأقارب والأصدقاء: ويقينا اني هنا، وفي الفقرات الماضية لم اتكلم الا عن الموت الطبيعي: موت بعد شيخوخة عادية. ولكني الان أضيف الى تلك الحالات حالات موت الشباب بحادث مثلا، او بموت جندي في الحرب، او بالموت المبكر الذي ينتج عن مرض عضال، مضيفا بأن تضامن الأقارب والأصدقاء هو جوهريا عين التضامن الموجود ازاء الموت الاعتيادي. غير ان موت الشباب يحتاج الى صبر وكياسة ومحبة اكبر وأقوى مما تكون في الحالات الموت الاعتيادي. لكنني هنا اضيف بأن الطبيعة، بشكل عام، والطبيعة البشرية بشكل خاص، ليست كاملة، كما هو الحاسوب مثلا. فللطبيعة البيولوجية قوانين، غير ان هذه القوانين ليست ثابتة مثل قوانين الفيزياء والكيمياء مثلا. ولذلك هناك تعددية في اشكال التعويض لأقرباء المشرف على الموت.
النسيان عند الأهل والأصدقاء: فالنسيان اذن شيء مهم في حياة الانسان، ومع ذلك يمكننا ان نتساءل اذا ما كان النسيان الكامل والتسلية الكاملة في مصلحة الموتى! وهنا ليسمح لي بحكاية قصيرة جدا. ففي احد الأيام كانت بعض الدبب ترقص بالقرب من النهر. فذهبت احدى الدبب لتشرب وترتوي، فسقطت في النهر. حينئذ شرعت الدبب الأخرى تضج وتعمل حركات بهلوانية، في حين كان الدب يحاول بأن ينجو من الغرق. ولكن عندما ابتلع النهر الدب بشكل كامل، عاودت الدبب رقصها من جديد، كما لم يكن قد حدث شيء لها. غير اني بعد كل ما سمعنا، اود ان اوجه سؤالا لقرائي الأعزاء يقول: ترى اي منا يتمنى ان يحدث له ما حدث للدب الغريق، ومن يتمنى بأن يتم نسيانه بسرعة بعد موته.
ز – خدمة الشخص: عندما نتكلم هنا عن خدمة الشخص، فإننا لا نتكلم عن مجرد ذكرى. فمفهوم الشخص هنا، يعني الحقيقة الوحيدة التي تبقى من الفرد الانساني بعد الموت. فبعد خروج النَفَس الأخير تتحلل مادة الفرد البشري، ومع هذا التحلل تموت كل ابعاد الفرد البشري ولا تبقى في الحياة: الذات, العقل, الارادة, والأنا، والأنا العليا والمشاعر الوجدانية الخ… وذلك لأن هذه الأبعاد كانت ابعادا نفسية جسدية Psycho somatiques ولا تستطيع ان تبقى في الوجود بمعزل عن المادة التي كانت تحملها. وهكذا اذن فان العقل ومختلف المشاعر والأنا و الأنا العليا والضمير الخ… لا تعود موجودة بعد موت الانسان الفرد. ولكن حقيقة واحدة يمكن ان تبقى موجودة بعد الموت، هي حقيقة الشخص.
حقيقة الشخص الأنثروبولوجية: فالشخص هنا ليس صورة خارجية لهيئة جسد الفرد Individu البشري، لكنه فكرة عن ” الأنا “، او عن الذات Séité. فبهذا المعنى تكون هذه الفكرة، اي الشخص بالمعنى الأنثروبولوجي المذكور، فكرة ميتافيزيقية، اعني بها فكرة ما وراء ما هو حسي عند الفرد الانساني، حيث تحوي هذه الفكرة ( الشخص )، اي الفرد البشري بشموليته الجسدية والروحية. والحال ان الشخص لا يعود قادرا على ان يبقى محمولا من قبل حامله الطبيعي الأول بعد الموت، ولكنه يستطيع ان يكون ” محمولا ” من قبل اشخاص آخرين، عندما يشعر هؤلاء الأشخاص بحاجة الى ان يَحملوا شخص المتوفى في حياتهم.
ويقينا انه بهذا المعنى يمكن ان يكون شخص يسوع المسيح محمولا من قبل الذين يؤمنون به، والذين يشعرون بحاجة الى ان يحملوه في حياتهم بإيمان، حيث يقال عن مثل هؤلاء الأشخاص انهم يحملون في حياتهم شخص يسوع المسيح. وهنا نستطيع ان نجزم بشكل مؤكد بأننا جميعا يمكن ان نحمل اشخاصا آخرين في حياتنا، وفق عين الظاهرة التي تسمح لنا بأن نحمل يسوع المسيح في حياتنا، غير اننا يمكننا ان نؤكد بأن لا احد كيسوع يمكنه ان يبقى محمولا في حياة الآخرين لمدة الفي سنة بقوة كبيرة، ومن قبل اناس بلغ عددهم المليارات.
وهكذا نفهم ان الشخص البشري ( وليس الفرد ) يمثل خدمة للآخرين، سواء قبل موته او بعد موته، لأن الشخص البشري ظاهرة انثروبولوجية تتيح للشخص ان يمثل الفرد البشري بصفاته الحميدة او المقدسة، وأيضا بصفاته الخبيثة، فتجعل من الانسان الفرد بعد موته شخصا حاضرا عند من يحبونه، كما يصير الشخص الشرير مكروها من الآخرين حتى يطويه النسيان. بعد هذا يحق لنا ان نتساءل ونقول: اذا كانت قوى Facultés الانسان تستطيع ان تعمل كل ما اتينا الى ذكره، ولاسيما على مستوى البنى العليا للإنسان Super structures، فأين يمكننا ان نضع النفس يا ترى، وماذا كان سيكون دورها لو كانت موجودة حقا ولا تعمله قوى الانسان المختلفة التي يستلمهـا الانسان من الطبيعة المبرمجـة، منذ ان وجد الكـون، بواسطة التناسل؟

القس لوسيان جميل

محاولة انثروبولوجية عن الموت والنفس البشرية الجزء الثاني
عن النفس البشرية واحوالها
بعد ان تكلمنا عن الموت, سنبدأ الكلام عن النفس البشرية، كما يتوجب ذلك. ولكن بالحقيقة يكون الموضوعان: موضوع الموت وموضوع النفس متماثلين ومتكاملين ومرتبطين واحدهما بالأخر، لا بل متشابكين، الأمر الذي ربما سيجبرنا على ان نكرر بعض الأفكار التي وردت في موضوع الموت. ولكن ما العمل، لقد اخترنا هذا الترتيب الذي ظهر لنا اكثر منطقية، لأننا بدأنا بالفرد الذي هو الانسان، لكي نتكلم بعد ذلك عن ابعاده، اي عن هذه المنظومة التي تسمى النفس، وعن ابعاد هذه النفس ذاتها. ولكن، ولكي نتكلم جيدا عن النفس قدر المستطاع، سوف نتبع المنهج عينه الذي اتبعناه عند كلامنا عن الموت، هذا الموضوع الذي كان بمثابة الفصل الأول من المادة نفسها.
وهكذا سوف نقسم هذا الموضوع الثاني، او الفقرة الثانية الى ثلاثة فروع, وكما يلي، حتى وان كنا نستطيع اختصار تعريف النفس بجملة قصيرة كهذه الجملة التي تقول: ان النفس هي مجموعـة القوى المسئولة عن الاحساسات التي تكوّن البنى العليا للإنسان والحيـاة الميتافيزيقيـة ( ما وراء الطبيعة او ما وراء المحسوس .. المترجم ) والحياة الروحية الموجودة عند الفرد البشري، هذه الحياة الذاتية Subjective التي لا تنفصل عن الحياة الموضوعية والجسدية Objective، لأن الحياتين تكونان معا ظاهرة نفسية جسدية واحدة Psycho somatique.
أ – ما ليس هو النفس: ان ما قلناه سابقا في موضوع الموت، نقوله ايضا في موضوع النفس، اي اننا نبدأ الكلام عن النفس متبعين ما أسميناه الطريق السلبي الذي يبدأ بنفي كل ما ليس هو النفس بالحق والحقيقة، وذلك لأن الكلام عما ليس هو النفس يشكِل بداية ضرورية للتعريف، بسبب التاريخ الذي تكلم عن النفس بشكل غير علمي، استنادا الى المعتقدات الغيبية وعلى بعض الأساطير. وهكذا نستطيع من البداية التأكيد على ان النفس لا تشكل وجودا انطولوجيا قائما بحد ذاته، اي لا تشكل “كينونة” خارجا عن الجسد الذي توجد فيه بصفته حاملا للنفس Substrat كما يقال بلغة فلسفية ارسطية خاصة. وبما ان النفس ليست وجودا انطولوجيا قائما بذاته، فهذا يعني ان النفس بعد Dimension، لن تنفصل عن الجسد، ولن تذهب الى اي مكان، ولكن بعد الموت تصير النفس غير موجودة حسب، حالها حال الحياة، وذلك لأن حاملها لم يعد ايضا موجودا بعد الموت، ولأن قوى الانسان الفرد العليا تموت هي الأخرى مع موت الانسان الفرد. فقد كانت هذه القوى مجموعة من الوظائف او الخدمات التي تقع في مجال البنى العليا للإنسان، دون ان تنفصل عن البنى الأنثروبولوجية التحتية، كما لا يحق ان نفصل البنى العلمية فصلا كاملا عن البنى الفلسفية، لأننا نعرف ان تأثير الحقائق الأنثروبولوجية المشتركة بين كل الناس، كان واضحا، حتى عند الشعوب البدائية الاسطورية وعند الفلاسفة القدماء.
1 – بعض المناقشات: كما سبق ان قلنا في بداية هذا المقال، ونكرره الآن ايضا، ان خلو المقابل او المحاور من البرهان, يعني انه لا يملك اية حقيقة علمية. ولذلك نطلب الآن من الذين يؤمنون بوجود النفس عند الانسان، بمعناها التقليدي، بأن يعطوا لنا براهين ما يؤكدون عليه، ذلك ان الايمان الذي يقدَم كبديل للبرهان، لا يصلح ابدا ان يكون البديل الذي يحل محل البرهان العلمي. اما هذه الاستحالة فتأتي من حقيقة تقول:ان الايمان له مكانة خاصة في مجال الحقائق الذاتية Subjective، لكن لا يجوز لنا ان ندخله كبرهان في القضايا الموضوعية المبنية على الحواس اولا.
عن الايمان وسائر القوى الأخرى: ولهذا هناك فرق كبير بين الايمان والمعتقد، وبينه وبين الدين، وبينه وبين اللاهوت، وكذلك بينه وبين نتائج العلوم المؤكدة. وهنا نقولها بصراحة: ان المعطيات الموضوعية لن تكون موضع ايمان في اية حالة من الحالات، طالما نعرف ان الايمان يعود الى المشاعر وليس الى الأمور الموضوعية التي لها قانونها المعرفي المختلف عن قانون الأمور الذاتية الوجدانية Subjectives. اما ان يكون الاقرار بوجود الله وبوجود النفس البشرية مثلا، وكذلك بوجود السماء والجحيم والملائكة والشياطين وغيرها من الأمور غير المرئية، امرا يتطلبه الايمان، فذلك تزوير لمعنى الايمان ولحقيقته ولتخصصه بالأمور الوجدانية الذاتية Subjectives. ذلك ان هذا الاقرار المذكور يمكن ان ينتج عن” معتقد ” او من تقاليد الدين او الطائفة الخ.. لكنه مطلب لا علاقة له بالإيمان، وهو شبيه بكثير من المعتقدات ومنها وجود عالم الموتى تحت الارض ووجود الجن تحت الارض وفي الفضاء، فضلا عن المعتقدات الكثيرة التي كانت سائدة بين البشر والتي لا زال بعضها معششا في نفوس الكثيرين.
وعليه فان وجود الله ووجود النفس البشرية وغير ذلك لا نعرفه بالعقل ولا حتى بالفلسفة، ولكن من طرق اخرى لا مجال لمناقشتها على هذه الصفحات، لأنها ترد بوضوح في كتابنا وجه الله، وكتابنا الآخر كيف نتكلم عن الله اليوم. فقط نقول ان هذه الطرق تعود لـ/ الأنثروبولوجيا وليس للفلسفة ولا للإيمان. نستثني من ذلك الحالة التي من خلالها نعترف بوجود ما تسمى العلة الأولى، او الأول، الذي خلق العلة الثانية، اي الكون بكل قوانينه ودقائقه، لنعود من ثم الى العلة الثانية ونعرف منها كل التفاصيل المطلوبة، لمعرفة الله الذي يتعامل معه البشر بوجه حق، منذ البشر البدائيين وحتى البشر الذين يعيشون في العالم المعاصر. ففي الحقيقة نحن نعمل تزاوجا بين الفلسفة والأنثروبولوجيا لكي نصل الى ما يمكن الوصول اليه من الحقائق ” الأنثروبولوجية ” عن الله، حيث ان الفلسفة التي نعتمدها لمعرفة ” الأول ” تتحول هي الأخرى الى انثروبولوجيا، ونصير نحن ايضا وبوعي مثل شخصية المثري النبيل الذي كان يعمل نثرا دون ان يعرف انه يعمل النثر.
ولكن اذا كان السلفيون ( التقليديون ) لا يملكون برهانا على صحة معتقداتهم، فإننا نحن المعاصرين الذين نتبنى او نستخدم المنهجية العلمية والأنثروبولوجية من اجل الكلام عن الانسان وعن النفس، يمكننا ان نقدم مجموعة متماسكة من البراهين يمكنها ان تقنع كل انسان يؤمن بالعلم، ولا يكون مصابا بمرض الجمود الفكري وبفساد التقاليد. كما يمكننا ان نثبت بالبرهان العلمي نفسه طبيعة الايمان بمعنـاه الحقيقي الوجداني، وليس الموضوعي الغيبي، في حين يمكننا ان نثبت ايضا ان ايماننا اقوى من ترهاتهم التي يسمونها ايمانا.
غير ان برهاننا الأولي المستنتج من الأسطر الأخيرة من هذه الفقرة، يقول بأن عجز الآخرين على تقديم برهان علمي عن وجود النفس الخالدة عند الانسان، هو نفسه برهان لنا على ان الحق عندنا، وليس عند خصومنا، لأننا نستطيع ان نقدم وبكفاءة، كل البراهين العلمية التي لا يمكن ان تدحض، وذلك من خلال تحليل الواقع العلمي الأنثروبولوجي، بخلاف معتقدات التقليديين الذين لا زالوا يفكرون تفكيرا مبنيا على المعتقدات والأساطير القديمة، وربما ايضا على بعض الفلسفات التي انتهى دورها منذ زمن طويل، وأضحى حالها حال المعتقدات البدائية. علما انه لا يشترط ان نكون نحن من اكتشف هذه القوانين التي نستدل بها على احقية منهجنا العلمي، لأننا، وكما نقول دائما، لسنا علماء. بل ربما متفلسفين ومقتنعين بالعلوم التي نوظفها في منهجياتنا، او بالأحرى في منهجيتنا الواحدة الشاملة.
2 – بعض الملاحظات: وهكذا، وبعد ان حصلنا على الاطمئنان المبدئي على ان منهجيتنا تسير في الطريق الصحيح، نبدأ بتقديم براهيننا بإعطاء هذه الملاحظات التي تأتينا من خلال تتبع بسيط للآداب القديمة، حيث يمكننا ان نكتشف، بأن فكرة النفس لم تكن واحدة عند كل الشعوب القديمة، كما انها ليست واحدة عند الجماعات البشرية الحديثة، وليست مطابقة دائما لفكرة الخلود. ولكن بما ان مسألة النفس البشرية مسألة انثروبولوجية وعلمية، فهذا يعني بأن مهمة معرفة الاختلافات بين مختلف اشكال المفاهيم عن النفس،مثل مفهوم ومصطلح النفس الخاص بالساميين ( نفس ) ومصطلح النفس Psyché اليوناني الذي يقترب كثيرا من مصطلح الروح، ومصطلح النفس Anima كما هو معروف في الحضارة الاغريقية الرومانية، ومحتمل الفرعونية ايضا، انما تقع على عاتق العلماء، دون نسيان بعض الفلاسفة المعاصرين.
اما من يزاول الفلسفة في ايامنا ويريد ان يبقى على معتقداته القديمة باسم هذه الفلسفة، فعليه ان يظهر لنا ان فلسفته لا تتناقض مع العلوم الحديثة، وإنما تمهد لهذه العلوم، كما كانت فلسفة سقراط وأفلاطون، وخاصة ارسطو ومن اقتفى آثاره الفلسفية مثل مار توما الاكويني، والمدرسيين Classiques المسيحيين في القرون الوسطى، وحتى التوماوية الحديثة في ايامنا Le Néo Thomisme.
علما بأن مفهوم النفس تحول عند المسيحيين المدرسيين وفي كل اللاهوت الدارج في بيوت التعليم اللاهوتي الى عقيدة، حال هذا المفهوم حال مفهوم خلود الانسان، مما سبب اختلاط الحابل بالنابل، كما يقال، حيث اختفت الفلسفة في بيوت اللاهوت ولم يبقى غير عقيدة جوفاء تقترب من الاسطورة كثيرا، مما حدا بعالمنا المعاصر ان يهمل فكرة النفس والخلود، دون ان يؤيدها او ينكرها، ليشغل نفسه ببناء عالمه الانساني وفق اسس انسانية وقواعد تختلف عن قواعد القدماء البدائيين وقواعد الجماعات المسيحية التي كانت تعيش في القرون الوسطى.
3 – الالتباس: اما ما يعود الينا بالتأكيد، فهو ان نشير الى الصفة الأنثروبولوجية لكل صيغة من صيغ النفس التي نجدها في مختلف الحضارات، ومنها صيغة النفس في اللاهوت المسيحي والتي لم تكن تمثل في نظر القدماء اكثر من اعتقاد بالخلود. ولذلك يمكننا ان نؤكد بأن ما نلاحظه من اتفاق بخصوص النفس ليس اكثر من اتفاق حول مسألة الخلود، هذا الخلود الذي يأتي بدوره من ثقافة حضارية بدائية كانت مسيطرة قبل هيمنة المنطق العلمي على الجماعات البشرية، ولاسيما الجماعات المتحضرة بالحضارة الراهنة.
النفس عند بعض الفلاسفة: وهكذا مثلا نجد ان النفس عند الساميين، بكل الفاضها، لن تنفصل عن الجسد، وان خلود الانسان عندهم ليس خلود النفس، بل خلود الانسان كله، هذا الخلود الذي هو الآخر اخذ اشكالا متعددة عند الشعوب السومرية والشعوب السامية والشعب المصري، حيث كان الخلود عند السومريين خلودا في عالم خاص، هو عالم الأموات. كما كان عند الساميين، ومنهم شعب العهد القديم، خلودا لإنسان سوف يقوم من بين الأموات في نهاية العالم، هذه القيامة التي هي الأخرى اسطورة لا اساس لها في العلم. غير ان كل هذه المعتقدات والتي تحول قسم منها الى اساطير ومعتقدات في كثير من الحضارات، انما كانت بمثابة بدائل Alibi لما يقول به العلم اليوم، هذه المعتقدات التي كانت لنجاحها اسبابها الحضارية التي لن نتطرق اليها في هذا المقال، لأننا لا نريد الاستطراد اكثر من هذا، ولأننا لا ننوي الكلام عن المعتقدات، كونها تتجاوز حاجة هذا المقال.
ماذا نقول عن المعتقدات: غير ان الجدير بالذكر هنا هو ان المعتقد الذي يقدمونه على انه المعتقد المسيحي وانه عقيدة ملزمة، ليس هو الآخر سوى معتقد يستحيل تبريره تبريرا علميا، مهما تمادى السلفيون في عنادهم مستخدمين اساليب مماثلة لأساليب القرون الوسطى، في الهيمنة القانونية على اللاهوت، على الرغم من ان اللاهوت علم كسائر العلوم، لا يجوز ان تتحكم فيه غير المرجعيات العلمية، بعيدا عن التدخل السلطوي او العقائدي. لذلك نرى، مع التوجه الكنسي التقليدي ان قصة غاليلو يمكن ان تتكرر اليوم ايضا في العالم، ولاسيما في عالمنا المشرقي، بصور جديدة، ومنها صور تكميم الأفواه، بأشكال مختلفة وقتل المجددين المعنوي، وليس الجسدي طبعا. ومما لاحظته هنا هو ان كتابات ورسائل البابوين السابقين السلفيين لا زالت تحضا بتأييد القاعدة الكنسية التي تتمثل هنا خاصة بالأساقفة والقسس، في حين ان توجيهات البابا فرنسيس لا تنال نصيبها من الاهتمام والترويج، مع ظهور افكار متضايقة من توجهاته، كما يبدو.
من جهة أخرى نعرف ايضا بأن لفظة النفس باللغة اللاتينية تأتي لنا من الثقافة الاغريقية الرومانية وهي تعني الحياة Anima مع ان مفردة النفس عند الساميين وعند الرومان تعني لفظا ما يجعل الكائن الحي ان يكون حيا، لأن مفردة النفس âme والنفَس Souffleتأتيان من مصدر واحد، كما يذكر ذلك مفسرو الكتاب المقدس. اما التغيير فقد حصل حصرا عند الفيلسوف ارسطو الذي اقتبس ممن سبقوه من اليونان، ليعلن بأن النفس لا يمكن ان تتفكك لأنها كينونة بسيطة، اي غير مركبة، في حين نعرف ان فلسفة ارسطو نفسها ترى في النفس ” صورة الجسد العاقل ” اي صورة الانسان العاقل، مما يجعلها بالفعل ذاته تتفكك بالموت، عندما تتغير المادة التي تحمل هذه الصورة التي تسمى النفس، وتحمل صورة أخرى عوضا عنها، هي صورة الرميم. ( الرميم ما يستحيل اليه جسد الانسان بعد مدة من الموت ).
ولكن هنا ايضا، علينا ان ننتبه الى حقيقة ان عددا من الفلاسفة اليونان وفي كثير من الأوساط في الشرق والغرب، تقدم النفس والروح وكأنهما لفظتان مترادفتان. مع العلم ان هاتين اللفظتين اصبحتا غامضتين بدرجة كبيرة، الحقيقة التي تدعونا الى ان نحدد ماهية النفس، من وجهة نظر انثروبولوجية وتحليلية، في وقت نترك جانبا كل العقائد وكل المعتقدات وكل الأساطير، وحتى كل الفلسفات، حتى وان كنا من وقت لآخر نحتاج الى حبة من بعض الفلسفات التي لا تتعارض مع العلوم ولا تحتل محلها، وإنما فقط تعطي حلولا لبعض المشاكل بانتظار الكلمة الأخيرة من العلم، في حين نعلم أن جميع هذه العقائد وهذه المعتقدات وهذه الأساطير، وحتى هذه الفلسفات قد نشأت في عالم لم يكن العلم الحقيقي فيه قد وجد بعد، كما انه ليس موجودا الى حد الآن في كثير من المجتمعات.
ب – النفس في نظر الأنثروبولوجيا: بعد ان تكلمنا عما ليست هي النفس، بقي ان نتكلم عما هي النفس في نظر منهجية انثروبولوجية وتحليلية. ولكن كيف يمكننا التعامل العلمي مع مسألة طبيعة النفس، في حين اننا نرى انفسنا امام قضية انثروبولوجية روحية ووجدانية معقدة؟ فإذا اردنا تخطي هذه الصعوبة، يظهر لي، من وجهة نظر منهجية، بأن يكون علينا ان نفتش عن وسيلة مقبولة، تستطيع مساعدتنا على ان نعرف علميا, القوانين التي تسير عالمنا، في جميع ابعاده، لكي نستطيع ان نطبق هذه القوانين على كل ابعاد هذا العالم، وخاصة الأبعاد الأنثروبولوجية، ومن ضمنها النفس. فهل نكون بهذا العمل طموحين اكثر مما يتوجب, ربما ! غير اننا نرى إن هذا الطموح ضروري للاقتراب من حقائق، مثل حقيقة النفس.
قوانين نحتاجها: فما هي اذن الوسيلة التي تساعدنا على التكلم بطريقة علمية عن عالمنا وعن كوننا، ونحن نعرف بأننا امام حقيقة كونية غير متناهية تقريبا. وفي الحقيقة اذا اردنا التقرب من هذه المسألة الصعبة، لا يكون امامنا سوى طريق التماثل Analogie، الذي يسهل لنا عملنا، وذلك لأن التماثل يساعدنا على معرفة قوانين الكون التي نحتاجها, بدءا بمعرفة قوانين عالمنا الأكثر سهولة للوصول اليها، ولاسيمـا تلك القوانين التي يعرفها العلماء منذ مدة لا بأس بها.
تسمية هذه القوانين: ولكن ما هي هذه القوانين التي يمكن ان نصل اليها بسهولة اكبر الآن، والتي علينا معرفتها لكي نتكلم عن الحياة وعن النفس وعن الموت، والتي تستطيع ان تكون فـي الوقت عينه نافعـة في سبيل الوصول الى القوانين العامة والمعقدة الخاصة بالكون؟ ان الجواب هنا لا يمكن ان يكون صعبا، لأن هذه القوانين معروفة في كل العالم، وقد اصبحت ملكية عامة للبشر في زمننا. ولكن اذا كان هناك من يعترض ويقول لنا: لماذا نفتش عن قوانين الكون في حين اننا نعرف كثيرا من قوانين عالمنا الأرضي والتي يمكنها ان تساعدنا على معرفة القوانين التي تسير حياة عالم البشر وحياة مجتمعاتهم؟ اما الجواب فيأتي ليقول بأن قانونا معينا يصبح اقوى وأكثر مصداقية بقدر ما هو قانون اشمل، وأعمق من حيث اسسه، وأكثر كونية، اذا استطعنا ان نتكلم هكذا.
بعد هذا، فإننا سنحاول ادناه ان نتكلم بتفصيل اكثر عن بعض القوانين التي تخص الكون وتخص عالمنا وتخص الحياة والموت، كما تخص بعض الظواهر التي تؤكد لنا بأن عالمنا هو عالم بنيوي، ومتعدد الأبعاد وتماثلي، مما يعني انه عالم يتحلى بالوحدة والتعددية، في الوقت عينه، وهو عالم يملك ايضا استقلاله واكتفاءه الذاتي، مما يعني انه لا يحتاج شيئا خارجا عنه، حتى في معرفة الله والأمور المقدسة.
1 – قانون عالم متعدد الأبعاد: بحسب ما نلاحظ بخصوص قوانين عالمنا الذي دخل دائرة المعرفة العلمية، يمكننا التأكيد على ان عالمنا هذا ليس عالما فوضويا وغير منظم ِChaotique، لكنه عالم منظم، بداية من بناه الدقيقة جدا Micro structures والتي هي في اسفل السلم، وحتى بناه العليا Macro structures، وأيضا Supra structures في اعلى السلم، حيث يعني الـ / Macro structure الكون نفسه وتعني الـ / Supra structures البنى الفوقية للإنسان، اي قواه Facultés المعرفية، الأمر الذي يجعلنا نقول عن عالمنا انه عالم بنيوي متعدد الأبعاد ايضا، متضمنا وحدات او منظومات Structures متعددة الابعاد يوحدها مركز موحِد. ومهما يكن فإننا نرى ان الحواس والمتحسسات المختلفة ليست موضوعة الا من اجل تغطية مختلف اوجه الواقع الذي هو متعدد الأوجه والأبعاد.
نحن وقوانين عالمنا: ولكن اذا صدقنا رجال العلم، يكون علينا ان نتأكد من ان عالمنا الأرضي الذي نطاله بدأ يوفر لنا مزيدا من المعطيات الجديدة، والتي سوف تساعدنا، مع شيء من الفلسفة، ليس فقط لمعرفة عالمنا الذي تطاله عقولنا وأيدينا، ولكن ايضا لمعرفة الطبيعة المنظمة التي يتحلى بها كوننا كذلك، سواء كان ذلك قبل او بعد ما يسمى الانفجـار العظيم، هذا الانفجار الذي سوف نتكلم عنه في كتابنا العتيد: كيف نتكلم عن الانسان اليوم.
2 – القانون البنيوي: Structural: اذا لم يكن تعبير ” الأبعاد ” Dimensions واضحـا بكفاية ليقدم لنا فكرة واضحة عن نظام عالمنا، فان تعبير البنى يمكن ان يكون اقرب الى عقليتنا البشرية، وأقدر على اعطائنا فكرة، وان كانت مبسطة، عن حقيقـة عالمنا هذا. ومع ذلك فإذا اردنا ان نفهم تعبير البنى التي منها يتكون كوننا وعالمنا الارضي بشكل ادق، يمكننا مثلا ان نتذكر فلسفة ديموقريطس، والتي تسمى الفلسفة الذرية، هذه الفلسفة التي ترى ان اصل العالم والكون متكون من ذرات دقيقة التي منها يتكون العالم، ثم نضيف الكون ايضا الى هذا التحليل، بوحدته وبتعدديته. ولذلك فان هذه الفلسفة تبدو قريبة جدا من العلوم الحالية، ولاسيما العلوم الفيزيائية والكيميائية والبيولوجية.
فلسفة خالصة: غير ان فلسفة ديموقريطس فلسفة خالصة وليست علما، وأن الذرة عنده ليست عين الذرة التي نعرفها في زماننا، حيث اننا لا نرى فقط ان العالـم متكون من ذرات، ولكنه مبني من اجزاء مادية اصغر وأدق من الذرات كثيرا، يقال ان العلماء لم يكتشفوا بعد، والى حد هذا اليوم، هذا الشيء الذي نطلق عليه هنا في هذا المؤلف المتواضع اسم الذريرة ( تصغير الذرة )، ونضيف بأن ظاهرة التركيب الذري او الذريري هي التي تسمح بالتعددية وبالتغيير وبتحول المادة من صورة Forme الى اخرى دون ان تتلاشى.
حقيقة الذريرة: وهنا نؤكد على حقيقة تقول ان هذه الذريرة هي في اساس كل التركيبات المادية والحياتية للكون كله ولعالمنا البيولوجي Biologiquesوالنفسي الجسدي Psycho somatiques على مستوى البنى الكبرى Macro structures وعلى مستوى البنى الصغرى Micro structures ، وكذلك على مستوى البنى فائقة الدقة التي هي اساس كل التحولات التي تحدث في الطبيعة، اي في عالم الفيزياء والكيمياء والعالم الحياتي Biologique، وحتى في عالم الأحياء المجهري. وهنا ايضا يمكننا ان نضيف الملاحظة التي تقول بأنه لولا هذه الخاصية الموجودة في عالمنا وكوننا كله، سواء كان جامدا او حيا، لما استطاع العلماء ان يتلاعبوا بالعناصر المجهرية الخاصة بكل الأحياء ومنها الانسان، ويتوصلوا الى ما يسمى استنساخ او استنسال الأحياء، والى ما يسمى بالهندسة الوراثية، وكذلك ما يسمى الخلايا الجذعية وغير ذلك، والله يعلم الى ماذا سيتوصل العلماء في المستقبل.
البدء بأصغر جزيء: وهكذا يمكننا ان نعرف الآن بأن كوننا وعالمنا، بما فيه عالم الأحياء يبدأ بأصغر” جزيء” او ” ذُرِيرة “، صعودا نحو اعظم منظومة هي الكون نفسه، هذا الكون الذي لا يكون عالمنا الأرضي سوى جزء صغير جدا منه. علما بأننا ننتظر بأن يعطي لنا العلماء الاسم العلمي للذريرة، سواء في مجال الفيزياء ام في مجال الكيمياء كما في مجال البيولوجيا، مع وجود امكانية ان تكون الذريرة واحدة في جميع المجالات الفيزيائية والكيميائية والبيولوجية.
مصطلح البنية الفلسفي: وبما ان عالمنا بدرجة عالية جدا من النظام والتنسيق والتعقيد، فإننا نفضل في الحالات الدقيقة جدا، استخدام مصطلح البنية الفلسفي Structureعوضا عن مصطلحات الذرات والخلايا وما يتفرع منها من اسماء في اسفل سلم الوجود المادي والروحي، مع ملاحظة اننا نستطيع ان ننظر الى عالمنا بنظرة فلسفية نازلة من اعلى بنية الى اصغر وأدق بنية في عالمنا الارضي، كما يمكننا ان ننظر اليه بنظرة تصاعدية علمية، تصعد بنا من اصغر وأدق بنية في عالمنا الارضي الى اعلى بنيا وهي الكون. اما الفارق بين النظرتين فهو الفارق بين المعرفة الفلسفية والمعرفة العلمية.
3 – قانون ارتباط البنى Structures: يخال لي هنا بأن بنية معينة، سواء كانت في اسفل السلم، ام في اعلى السلم، تكون تقريبا خالية من المعنى، اذا اخذت معزولة عن البنى الأخرى. وعليه نرى بأننا يجب ان ننظر الى كل بنية بصفتها منظمة ومرتبة، اعني في حالة ارتباط Connexion مع بنى أخرى، حيث انها تصير منظومة يمكن للعلماء ان يراقبوا طبيعتها ووظيفتها، وهي تعمل مع بنى اكبر او اصغر منها، لتتلاقى كلها في عمل واحد لصالح البنية الأكبر التي تسمى الانسان، وتسمى من وجهة نظر أخرى، العالم الأرضي او الكون.
الانسان ارقى كائنات الأرض: غير اننا في الحقيقة يمكننا ان نعد الانسان ارقى كائن وصلت الى تحقيقه طبيعتنا الأرضية، ولربما الكونية ايضا، بعدما اخرجته الطبيعة من الوجود بالقوة En puissance اي الوجود الكامن، الى الوجود بالفعل ( الوجود الظاهر ) En acte، بحسب مصطلح الفيلسوف ارسطو، هذا الوجود الذي يتجلى فيه الروح الذي يغلب المادة، من خلال الانسان، والذي هو اعلى مظاهر الوجود. وهنا فقط اقدم لمحة قصيرة جدا عن منهجيتي اللاهوتية والإنسانية، حيث لا نجد نحن اية خطورة اذا قبلنا بأن ارتقاء الانسان المستمر قد يصل الى حد الالهية اي الى العلة الثانية التي نالت الوجود وقوانينها من العلة الأولى. ولا نخشى من ان يصل الانسان الى اكثر من ذلك. فمهما فعل الانسان سوف يبقى مخلوقا، ويعني لا مفر له من ذلك.
قوانين تنظم ارتباط البنى: ومهما يكن من امر ارتباط البنى بعضها ببعض على المستويين العمودي والأفقي وعلى مستوى تشعب البنى Ramification فهذا يعني ان هناك ايضا قوانين تنظم هذا الارتباط، حيث يقال ان البنى الصغرى يدفعها قانونها الذاتي او الوجودي الى الارتباط مع غيرها، لتكوين بنى اكبر منها، الأمر الذي يزيل عن اذهان الباحثين مشاكل كثيرة، حتى وان كنا لا نعرف بعد كيف يتم ارتباط البنى مع بعضها. اقول ذلك وأنا لا انوي الكلام عن كيفية ترابط البنى مع بعضها، لأن قوانين هذا الترابط ليست واضحة عندي بكفاية ولأني لا اريد ازعاج القارئ بأمور تزيد كثيرا عن حاجة القارئ والكاتب ايضا، في هذا المقال، كما تتجاوز مقدرة الكاتب على معرفة مثل هذه الأمور العلمية الخفية جدا.
بعض الايضاحات: ولكن هل نستطيع، مع قليل من الخيال، مقارنة ارتباط البنى، وخاصة البنى الحياتية، مع بلوزة (تريكو ) الذي يُنسج طعنة بعد طعنة؟ أفما نقول بأن الحياة ابتدأت بجزيء ( حي ) او بشيء اصغر من ذلك، اسميته هنا ذريرة؟ لذلك نرى انه لن يكون شيئا مضرا اذا شبهنا ما يحصل للذريرات الفيزيائية والكيمائية والحياتية ( البيولوجية ) بنسيج البلوزة او التريكو Tricot الذي يتألف من عدد كبير من الطُعنات التي تشكل مع بعضها نسيج البلوزة.
نستعير تشبيها آخر من الحاسوب: اما اذا اردنا توضيح الأمور اكثر فإننا نستعير من الحاسوب الايضاح التالي: فالحاسوب يعتمد بشكل اساسي على البايتات Bites او الدقات( البايت على ما اعتقد اصغر وحدة الكترونية فـي الحاسوب ) لكي تتكون من تجميعهـا، بشكل علمي دقيق ومنسق تنسيقـا رياضيـا، كل الأشكال المطلوبة المرئية والمسموعة، بطريقة يعرفها دارسو علوم الحاسبات. علما بأن البايتات المستخدمـة في الوقـت الحاضر تحسب بالكيلو بايت ( الف بايت ) وبالميجـــا بايت ( مليون بايت ) وبـال جيجا بايت ( الف مليون بايت ) و التيرا بايت اي الف جيجا بايت. على ما اتذكر، والحبل على الجرار.
حساب البيكسلات: الى ذلك نضيف ان الحاسوب يتكلم ايضا عن الـ/ بيكسلات التي لها علاقة وثيقة بالبايتات ايضا، الأمر الذي حدا بي الى تشبيه العالم المبني على الذريرات بعالم الحاسوب المبني على البايتات والبكسلات، فتكلمت مجازا عن العالم المبكسل Pixlé الذي هو العالم الذريري ايضا. وفي الحقيقة، كنت احسب اني املك حق الريادة في مجال تشبيه الذريرة بالبيكسيل، لكن خاب ظني، عندما عرفت ان احدهم قد عرف مثلي هذه الحقيقة، اذ تكلم هو الآخر، عن العالم المبكسل Pixlé.
الانسان حصيلة التتابع الحيوي:وهكذا، وعلى اساس تتابع وترابط الأحياء كلها، وعلى اساس بدء الحياة من الذريرة التي تكلمنا عنها وعن توسعها وتصاعدها نحو اشكال من الحياة الأكمل، يمكننا ان نؤكد بأن الانسان يأتي كحصيلة لهذا ” التتابع ” الحياتي الذي تكلمنا عنه، ولم يأت بأي شكل آخر. يعني ان الانسان كله نتاج عالمنا الذي نراه متصاعدا نحو ما هو اكمل باستمرار.
الانسان حصيلة ماذا؟: فالإنسان، بحسب هذا التحليل العلمي الذي تكلمنا عنه، ليس سوى نتاج مرحلة مهمة جدا اتت به الطبيعة، بحسب قوانينها الخاصة التي نتكلم عنها كثيرا في هذا المقال، وفي كل الكتاب، مع العلم اننا فكريا، وليس علميا، لا نعرف اذا ما كان الاتيان بالإنسان الى الفعل Acte بعد ان كان مجرد امكانية Puissance، ناتجا عن طفرة وراثية بيولوجية كبيرة واحدة، ام كان قد تحقق وجوده نتيجة طفرات بيولوجية بسيطة ومتعددة ومتعاقبة، حيث يصبح العلماء في هذه الحالة بغنى عما يسمى بالحلقة المفقودة. فهل نحن بعيدون عن فكر تيار ده شاردن؟ لا نعتقد.
اين نجد حقيقة الانسان؟ وهكذا نجد حقيقة الانسان في التحليل الأنثروبولوجي المتعدد الأوجه، ولا نجده في الانطولوجيا التي لا تعترف الا بـ/ الماهيات وبالجواهر الثابتة، والتي لا تقبل القسمة الا على ذاتها! فالحقيقة اذن هي في النظرة الأنثروبولوجية الى المادة، وفي النظرة البنيوية التي تقبل تحول المادة من حالة الى اخرى، وإلا كيف يمكننا ان نفهم، وان نتكلم، عن التحولات الكيميائية او التحولات الفيزيائية، في عالم الكهرباء والالكترونات مثلا؟!
قانون ظهور الحياة: ظهور الحياة، ام تصاعد الحياة؟ هنا لا نستطيع ان نعمل كثيرا من التحليل. ولكن ما يهمنا بالأكثر، هو ان نعرف بأن الروح ليس حقيقة مختلفة عن المادة، وبأن الروح، وهو في طريقه الى الظهور او في طريقه الى التصاعد، يتبع قانونا موجودا في الطبيعة يقول: حيث يصعد الروح تنقص المادة، وحيث ينخفض الروح تزداد المادة، كما يقول لنا الأب تيار ده شاردن، وكما نستنتج ذلك من الفيلسوف هيجل الذي له فكر قريب من الأب المذكور في هذا المجال، مما يشير الى وجود ترابط او عائدية متبادلة عجيبة بين الروح والمادة. مع ملاحظتنا ان التصاعد والتوسع والترابط قانون عام في عالمنا الارضي، وبالتالي في الكون كله. ولذلك اعتقد بأننا لا يجب ان ننتظر كائنا يملك روحا يختلف عن روح الانسان المحمول على طبيعة عالمنا المادية البيولوجية، حتى وان وجدنا اختلافا في هيئته، او في بعض الميزات المتقدمة عنده.
قانون تحول المادة وغيره Conversion de la matière : من الأمور التي يجب ان نذكرها في هذه الفقرة في مجال تحول المادة من صورة الى أخرى هو ان ظاهرة هذا التحول ظاهرة مهمة جدا، ليس فقط من اجل تحويل المادة من صورة الى اخرى والاستفادة الحقيقية من هذه الظاهرة التي تجعل عالمنا غنيا بإمكانياته، ولكن ايضا من اجل ان تصبح المادة مقتدرة على الارتقاء بنفسها باستمرار الى حالة ارقى، ولاسيما اذا عرفنا ان الانسان هو مادة انثروبولوجية تملك هذه المقدرة بشكل لافت للنظر ومدهش.
الطبيعة ليست مستعجلة: في الحقيقة والواقع، نعرف أن عملية تحول المادة يمكنها ان تحدث بشكل سريع في المجال الكيميائي، في حين يكون التحول في مجال النبات والحيوان، وكذلك في مجال الانسان، تحولا بطيئا للغاية بحيث لا يشعر الانسان بهذا التحول الا من خلال كتب تؤرخ للحدث النباتي والحيواني. اما التحولات التي تجري في المجتمعات فهي الأخرى تحولات بطيئة جدا، بهذا البطء المتناسب مع آخر مستوى حضاري Niveau culturel يكون قد وصل اليه ذلك المجتمع الذي نتكلم عنه.
قانون فرعي: غير اننا، بالحقيقة، نجد قاعدة اجتماعيـة حقيقيـة تقول: بأن سرعـة تغيير اي مجتمع الى المستجدات الحضارية، وحتى الاجتماعية، تتناسب عكسيا مع الحقبة الحضارية التي يكون قد وصل اليها، الأمر الذي يشبه تقريبا ما لمحنا اليه اعلاه. وهكذا نفهم لماذا طالت الحضارات البدائية في الماضي البعيد مئات السنين، وربما آلاف السنين في حين ان الحقب الحضارية، وحتى الاجتماعية، وربما حتى الحقب اللغوية، صارت تتغير مرة او اكثر في كل جيل انساني.
ولذلك ارى ان لا نلوم احدا، اذا ما بقيت مجتمعاتنا الشرقية، بطيئة في تحولاتها، طالما اننا نعرف إن التقدم الحضاري في الشرق، مثل كثير من مناطق العالم الثالث، كما يقال، لا زال متأخرا جدا. وعليه يكون على الحكام ان يعرفوا هذه الحقيقة ويداروها بحنكة وتعقل، لكي لا تحصل ضحايا كثيرة نتيجة الحرق المصطنع للحقب الحضارية. علما بأن الهمة، همة الشعب والحكام يمكن ان تسرع حركة التغيير والتقدم، مهما كان نسبيا اوو ضئيلا.
5 – قانون علاقات البنى: Connexion des structures هنا، وربما يأتي ذلك بسبب هيمنة الفلسفة الماركسية في العالم الثقافي، والفلسفة الهيجلية التي سبقته، قد اعتدنا على تقسيم بنى الواقع، وخاصة الواقع الاجتماعي، الى البنى التحتية والبنى الفوقية. ولكن بالحقيقة ان الواقع لا ينقسم فقط الى البنى التحتية والى البنى الفوقية، وان ترابط interdépendance البنى فيما بينها لا يمكن تلخيصه بشكلين او بنوعين Catégories من البنى فقط، هي البنى العليا والبنى التحتية. ولكننا نجده بالتأكيد في المنظومة المتحسسة المسئولة عن النشاط الانثروبولوجي للإنسان، واعني النشاط المسئول عن بناء وتكيف وحتى تدمير الكائن البشري. غير انه ليس من السهل ايجاد الطريقة التي تعمل بها الطبيعة ( العلة الثانية ) للوصول الى غاياتها، بحسب البرمجة التي قد تلقتها من باريها، حسب تحليلنا الفلسفي.
6 – وظائف وخدمات: في الفقرة السابقة بينا كيف ان البنى لا تنقسم الى بنى تحتية وبنى عليا فقط، اما هنا فنبين بأن هذه البنى لا تنقسم كذلك الى خمس حواس ولا الى اكثر من ذلك، ولكنها تكوِّن مجموعات او منظومات تحتوي ملايين من البنى قادرة على ان تنجز ملايين من النشاطات الموضوعة في خدمة الانسان، الأمر الذي تنجم عنه صعوبة الكلام العلمي عن هذه البنى وهذه النشاطات.
وهكذا يمكننا الكلام هنا عن الذات وعن العقل الباطن وعن الأنا والأنا العليا، كما يمكننا ان نتكلم عن الضمير بصفته قوة ( جمعها قوى ) اخلاقية مهمة وقريبة مما يدعى الأنا العليا. ويمكننا ان نتكلم عن العقل وعن الارادة وعن المنظومة الوجدانية والروحية او الميتافيزيقية، التي تبقى دائما غير معروفة بكفاية. كما اننا يمكننا ان نتكلم ايضا عن البنى التحتية والبنى الفوقية، حيث تكون البنى العليا بمثابة وجه ميتافيزيقي للبنى التحتية او البنى السفلى، وعن البنى المتصارعة وهي في طريقها الى التطور والى بناء ذاتها، ويمكننا ان نتكلم ايضا عن قانون التشعب Ramification، مع تأكيدنا على ان هذه التسميات كلها تبقى تسميات قديمة تحتاج الى المراجعة من قبل العلماء خاصة، في حين اننا نبقى نستخدم هذه التسميات حتى يأتينا البديل العلمي الجذري، الذي سوف يكون في هذا الاتجاه الحديث مع تعميق اكتشاف الذريرة الأخيرة التي تكشف سر المادة كشفا كاملا. اما التسميات فسوف تأتينا من عالم العلماء وربما من عالم الفلاسفة ايضا والمفكرين الأنثروبولوجيين.
8- قانون توسع وتمدد العالم: monde du La loi de l’expansion et de l’extension
في الحقيقة قد تكون ظاهرة توسع وتمدد العالم وظاهرة توسع وتمدد الكون ظاهرة واحدة تشمل كل ميادين عالمنا وكوننا الفيزيائية والكيمائية والحياتية Biologiques. ذلك ان رجال العلم يساعدوننا على ان نرى عالمنا وكوننا في حالة توسع وتمدد، الأمر الذي يعني بأن عالمنا وكوننا ليسا عالمين ثابتين، ولكنهما عالمين في حالة حركة،ليس فقط بحسب فلسفة هيروقليطس: لا يمكننا ان نسبح في عين ما النهر مرتين, ولكن ايضا بحسب منظور علمي وأنثروبولوجي يظهران لنا ان كل شيء في كوننا وعالمنا: الكون والحياة النباتية والحياة الحيوانية والحياة البشرية والحياة الروحية والحياة القدسية وحياة المجتمعات، هو في حالة توسع وتمدد وتشعب ايضا، كما نفهم ذلك من الأب تيار ده شاردان، الذي يلمح ايضا الى ان العالم يحتفظ بوحدته، في كل الأحوال.
شمولية عالم الكون: علما بأن قانون التوسع هذا لا يشمل الكون بكواكبه ونجومه ومجراته فقط، لكنه يشمل ايضا عالم الأحياء كلها، ومن ضمنها عالم الانسان والمجتمعات، بحسب قواعد اصبحت معروفة لدى العلماء والفلاسفة. هذا وقد بين لنا الأب تيار ده شاردن ان هذا التوسع يحدث وفق قانون هو ايضا حصيلة قوانين اخرى عديدة. اما هذا القانون فيرينا ان الحياة عند تصاعدها تمر بطورين مهمين هما: طور الانتشار وطور التكثيف. ففي طور الانتشار يسعى الكائن الجديد الى التكاثر والازدهار والتوسع. غير ان هذا الكائن الحي، بمن فيه الانسان، تعده الطبيعة من داخله لكي ينتج اشباها له ( نسلا ) اكمل من آبائه وأمهاته، وليبدأ حياة جديدة، نصفها من سلة الأب الحياتية ونصفها الآخر من سلة الأم وتاريخها. الأمر الذي يجعل النسل يختلف قليلا او كثيرا عن حياة ابيه وأمه، حيث يحصل تكثف في هذا النسل الذي يحمل الصفات الجديدة المحسنة التي سوف ينشرها بدوره فيما حوله والى ابعد ما يمكن، في دورة جديدة من الانتشار والتكثيف. وهكذا دواليك ..
علما بأن عملية هذا التغيير والتوسع، وان لم تكن تشمل افرادا كثيرين، لأن هذه الكثرة ليست من صفات الطبيعة في عالمنا، الا انها بالتأكيد تشمل عددا كافيا من الافراد يستطيع ان يفي بالمطلوب وهو تقدم جنس الكائن الحي، ومن ذلك الانسان. علما بأن كل تحول انما يحدث في جهاز الوراثة الذي لا نريد ان ندخل في تفاصيله المعقدة، في حين ان التجديد يحدث في جميع المجالات المادية والروحية وفي مجالات تكيف الكائن الحي مع بيئته، كذلك في مجال دفاع الكائن الحي عن نفسه ضد مختلف الأعداء Prédateurs. والجدير بالذكر هنا اننا لا نعرف متى ستنتهي عملية التوسع هذه، ولا يمكننا ان ندخل الآن في تفاصيل هذا المجال.
9- عالم منظم تلقائيا: اذا وضعنا قضية العقيدة جانبا، او حتى بين قوسين، سوف نرى انفسنا امام عالم يكتفي بذاته، وعالم لا تأتيه اهدافه من خارجه، بل من داخله فقط، باستثناء حالات تدخل الانسان الاصطناعي كما يحدث عند استنساخ الكائن الحي من قبل الانسان والذي هو الآخر من داخل المنظومة الكونية والأرضية، وليس من طبيعة مختلفة عن طبيعتنا. اما الاكتفاء الذاتي هذا فيحدث بفضل تنظيم الكائن الحي العجيب، والذي لا يغطي فقط كل بنية على حدا، ولكنه يغطي الكون كله، لكي يجعل منه كونا واحدا، ويجعل من كل بنية وحدة تجد مكانها واكتمالها في نظام شامل اعقد وأكمل ايضا. علما بأننا عندما نتكلم عن العالم هنا فإنما نعني ان الانسان ايضا يخضع لقانون نشوئه وتطوره البيولوجي الذاتي، وكذلك قانون تفككه وموته الذي يحمل الصفة الذاتية عينها.
الاكتفاء الذاتي: ولكن بما اننا نتكلم عن الاكتفاء الذاتي للعالم، فإننا نخاف ان نعطي لقرائنا الانطباع بأننا صرنا وجوديين، وأننا صرنا بالفعل ذاته ملحدين، من الذين يقولون بأن الله زائد، بمعنى انهم لا يحتاجون الى الله لتفسير وجود العالم وحركته. غير اننا بالحقيقة لسنا ملحدين ولا وجوديين، حتى وان قلنا ان الكون ينظم ذاته بذاته بناء على قوانينه الذاتية، لأننا نقولها الآن كما قلناها في مؤلفاتنا الأخرى، بأن الكون كله، وبالتالي عالمنا الانساني بقوانينه، لا يمكن تفسيره بدون ان تكون هناك علة اولى، تفسر وجوده، نسميها الله، هذا الاله الذي أوجد العلة الثانية بنظام لا يمكن ان يوجد احسن منه، الأمر الذي يجعل بأن الله لا يقبل ان يتدخل في كل مرة في هذا العالم ويغير قوانينه، بعد ان سلم العلة الثانية ( الكون ) والإنسان ايضا، مسؤولية هذا الكون والعالم. وهكذا، ووفق هذه الرؤيا نعتقد انه لن تكون للماديين وللملحدين القوة الفكرية التي كانوا يتباهون بها، امام هذه المنهجية المعرفية واللاهوتية ايضا.
ج – النفس بصفتها ظاهرة: عندما نقول بأن النفس ظاهرة، هذا يعني انها واقع طبيعي يوجد قبل اي تفسير له، تاركا كل جيل بشري وكل حضارة او ثقافة تفسر ظاهرتها كما تستطيع. اما فيما يخص المفكرين المعاصرين فهم مدعوون الى ان يعرّفوا النفس تعريفا علميا، كما يكون عليهم ان يؤولوا ويأونوا ما تقول به الأديان والحضارات البدائية وكذلك حضارات القرون الوسطى، وذلك لأن لغة الأديان ليست لغة علمية، وإنما هي لغة العصر التي نشأت فيها هذه الأديان ولغة كتبة أدبيات هذه الأديان وكتبة لاهوتها.
1 – النفس كمركز للسيطرة: في الحقيقة من هو في مركز السيطرة، انما هو الانسان، وذلك لأن الانسان هو حامل Substrat لكل ابعاده الجسدية والروحية. ولكن، بما ان النفس، بمعناها البيولوجي الأنثروبولوجي هي مركز نشاط الانسان، يكون من الطبيعي أن تكون النفس ايضا، مع ابعادها، مركزا للسيطرة في الانسان. وهكذا نفهم بشكل اوضح بأن السيطرة على كل الحياة تتعلق بما يسمى البنى العليا، ولا تتعلق بالبنى السفلى، مع ان البنى العليا ليست منفصلة عن البنى السفلى، وأنه من الخطأ ان يستهين احد بدور البنى السفلى في حياة الانسان، حيث ان المسألة هنا هي مسألة التخصص حسب، وحيث تتخصص البنى العليا بدور الرقيب والمنظم المركزي لكل الانسان، في حين تتخصص البنى السفلى في ان تكون نوعا ما “حاملة” Substratللبنى العليا والمتلقية لتنظيم البنى العليا، بحسب قواعد معينة.
التقسيم تقسيم ذهني: غير اننا نؤكد هنا بأن البنى لا تنقسم الى بنى عليا وبنى سفلى الا بشكل ذهني، من اجل دراسة الانسان، في حين ان ما يبدو اكثر عقلانية اليوم هو اعتبار البنى العليا مجموعة من البنى المتحسسة، تعود الى الجهاز العصبي وتنتشر في الجسم كله لتكّون وظيفة متعددة المهمات، او مجموعة من الوظائف التخصصية المرتبطة والمتشابكة مع بعضها، نخمن انها مرتبطة بمركز عام كذلك. غير اننا هنا ننتظر الكلمة الفصل من علماء الحياة Les biologistes.
التسميات: اما بعد كل هذا فهل نبقى نستخدم كلمة النفس للدلالة على نشاط البنى العليا في الانسان؟ اما جوابنا فيقول: ان هذه المسألة لا تعود لنا، وإنما تعود للعلماء وللفلاسفة انفسهم، فنحن لا نمارس الان هذا التحليل من اجل العلم ذاته، وإنما من اجل الكلام عن طبيعة الانسان حسب، وطبيعة ما يسمى النفس عنده. اما التسميـات العلمية والفلسفيـة التي نعرفها فهي في الواقع تسميات العلماء والفلاسفة الذين قدموا للعالم ما كانوا يعتقدون به او ما كانوا قد استخدموه في ايامهم، او ما كان يبدو لهم اسهل من التسميات الأخرى.
2 – تحليل ابعاد النفس: على الرغم من كون فكرتنا عن الانسان فكرة مقتضبة جدا، فان تحليلا انثروبولوجيا يستطيع ان يعطينا نتائج جيدة، فيما يخص حقيقة النفس. ومع هذا فان قليلا من التاريخ ينفعنا كثيرا. ولكي نستخدم هذا التاريخ علينا ان نعرف بأن اول علم تكلم عن حياة الانسان النفسية، كان علما روحيا مستندا الى خبرة روحية انثروبولوجية وحكمية Sapientielle هذه الخبرة التي كان الروحانيون يفتشون عنها في الأديرة المسيحية وغير المسيحية.
الفلسفات اليونانية: اما بعد ذلك فقد تكلم الفلاسفة اليونان عن النفس بأشكال مختلفة، كل بحسب فلسفته. من بين هؤلاء الفلاسفة اليونان يمكننا ان نذكر الفيلسوف سقراط وأفلاطون، وفلاسفة كثيرين آخرين. غير ان الفيلسوف ارسطو اعطى لنا عن النفس تعريفا واقعيا تماما، وذلك عندما جعل من النفس ” صورة لجسد انسان فرد عاقل “. غير اننا يتراءى لنا بأن ارسطو نفسه، لم يكن حديا عندما طبق فلسفته على النفس بعد الموت، بقوله بأن النفس لن تتفسخ لأنها بسيطة بحسب قوله، الأمر الذي يعني ببساطة بأن ارسطو فضل ان يعمل توفيقا بين فلسفته وفلسفة افلاطون وسقراط. اما لاهوت مار توما عن النفس فيتبع ارسطو المشوه في هذه المسألة، وهو لا يعود الى تعريف ارسطو للنفس: كصورة للجسد. فإذا كان ارسطو قد اتبع سقراط وأفلاطون في مسألة النفس وخلودها وكينونتها، فان توما قد فعل ذلك بسبب هيمنة العقيدة المسيحية، كما نرى.
لاهوت ارسطو- تومـا الاكويني: وهكذا فان لاهوتا عن النفس كان قد انتصر في الكنيسة، على يد مار توما، هذا اللاهوت الذي دام حتى يومنا هذا، متحديا كل النتائج العلمية، لأن الكنيسة، وكما هي عادتها، قد رفضت اي تعريف آخر للنفس يخالف، وان بصورة ظاهرية، تعريفها التقليدي. ولكن، ربما يأتي يوم لا يتكلمون فيه عن النفس، ولا حتى عن الروح، ولا عن العقل الباطن، ولا عن الأنا، والأنا العليا، ولا عن العقل والوجدان، اي عن الموضوعي والوجداني، ولا عن اي مصطلح آخر مستخدم في ايامنا، لكي لا يكون الكلام الا عن البنى وعن مختلف وظائفها. ولكن بما ان ذلك اليوم لم يأتِ بعد فإننا سوف نحاول ان نكون قريبين من المصطلحات التقليدية مع التأكيد على شرح هذه المقترحات.
شيء من التحليل: فإذا ابتدأنا بتحليل الأبعاد الانثروبولوجية لما اسميناه النفس، سوف نرى،معتمدين على خطوات ومصطلحات انثروبولوجية،أن ابعاد Dimensionsالفرد البشري هي مكثفة في مصطلح النفس، هذه التسمية التي جاءت من الثقافات الانسانية، والتي كانت مثبتة من قبل الفلسفات ومن قبل الأديان خاصة. فضلا عن ذلك نحن نرى ان تسمية النفس قد كُثفت في تسمية أخرى، اقل انتشارا، تسمى الأنا، وتسمى ايضا الذات، هذه التسمية التي بدورها تكثِف وتحتوي كل القوى الروحية المعروفة.
ولكن هنا نسأل ونقول: ترى لماذا تملك ” الأنا ” القدرة على التملك وعلى صفة المركزية، هذه المركزية التي هي في النهاية من خصائص Apanage الانسان Homo centrisme؟ عن هذا التساؤل نجيب بأن قانون العالم، وقانون الحياة قانون بنيوي يتطلب ان يكون لكل بنية مركزا، سواء كانت بنية صغيرة ام كبيرة، كل ذلك بفارق هو ان المركز في حالتنا, ليس مركزا جسميا لكنه مركز روحي فعال من اجل عملية التملك Appropriation حيث الأنا او الذات تتملك كل ما عداها، وتتملك كل العالم المادي والروحي والإنساني وعالم المقدسات، الذي هو تملك يفوق القدرات التي يعطيها الفكر التقليدي للنفس بمعناه الانطولوجي.
الفرد، النفس، الشخص: هنا نحن امام واقع انثروبولوجي آخر قريب جدا من الـذات Ego او الأنا. فقد بينا في الفقرة الماضية بأن الـ Ego او الأنا عبارة عن وظيفة او خدمة تعطى لما يسمى النفس، ونسميه نحن الذات المهيمنة على كل النشاط الأنثروبولوجي، لكي يكون كل ما في الانسان مرتبا ومنظما ومكيفا ومبنيا بناء جيدا، وقادرا على البناء الذاتي والاصلاح الذاتي” والتدمير ” الذاتي ايضا Auto destruction عن طريق الموت الحتمي. اما ظاهرة الشخص فلها دور آخر، او وظيفة اخرى، هي وظيفة حفظ الفرد البشري او بقائه في حياة الآخرين، بقدر ما تكون للآخرين حاجة انثروبولوجية لهذا الفرد خلال حياته او بعد موته.
تعريف انثروبولوجي لمفهوم الشخص: فما هو تعريف الشخص البشري الأنثروبولوجي يا ترى؟ للجواب على هذا السؤال نقول: ان الشخص بمفهومه الأنثروبولوجي هو صورة الانسان، او صورة الذات امام صاحبها وأمام الآخرين. او بشكـل اعم، يمكننـا ان نقول ان الشخص هو صورة ” الفرد ” Individu الانساني، هذا الفرد الذي اذا مات تموت معه ذاته وكل قواه الأخرى، باستثناء صورته التي نسميها الشخص.
معنى الصورة الفلسفي: اما الصورة هنا فلها معنى فلسفي وأنثروبولوجي، فهي لا تعني الرسم Image، وإنما تعني الفكرة Idée التي تعرّف الفرد، هذه الفكرة التي تحول الانسـان من فرد الى شخص Personne، تماما كما تُعرّف اية صورة، او اية فكرة ( Idée ) المادة التي تحملها وتتواجد فيها، وتعطيها اسما وتحولها من مادة سلبية لا معنى لها، الى مادة لها اسم هو اسم صورتها. فالصورة او الفكرة هي التي تجعل المادة الحاملة لها ان تكون كذا او كذا من الأشياء، أعني تجعلها ان تكون مادة مُعرّفة ومحددة. كما تجعل مادة الانسان الفرد ان يكون شخصا يحمل هوية عن ذاته، ويعرف بها سواء كان حيا ام ميتا.
الشخص يعني الكلمة ايضا: غير ان مفردة الشخص تعني ايضا ” الكلمة ” الا ان الكلمة هنا ايضا، لا تعني المفردة او اللفظة القاموسية، لأنها هنا ايضا انما هي حقيقة بنيوية، فيها العنصر المادي الذي ننطقه او نكتبه، وفيها العنصر الروحي الذي هو عنصر ميتافيزيقي، او ما وراء المحسوس والمسمى ايضا ما وراء الطبيعة. علما بأن الميتافيزيقي هنا يعني الأنثروبولوجي، لكنه لا يعني السماوي ابدا. وهنا لا نكشف سرا اذا ما قلنا ان الكلمة هي ترجمة لمفردة الـ Logos اليونانية، والتي تعني هي الأخرى ما ننطقه او ما نكتبه من كلام له معنى محدد.
وفي الواقع نحن نجد كلمة لوغوس Logos في مقدمة انجيل يوحنا، الذي يبتدئ هكذا ويقول: في البدء كان الكلمة ( الـ/ لوغوس ) والكلمة كان عند الله، والله كان الكلمة. ولعل القارئ يلاحظ معنا ان الـ لوغوس لفظة مذكرة في حين ان لفظة ” الكلمة ” لفظة مؤنثة، ولذلك نرى انه كان يجب ان تكون ترجمة النص المذكور على الشكل التالي: في البدء كانت الكلمة والكلمة كانت عند الله، والله كانت الكلمة. غير ان كل الترجمات العربية خالفت قواعد اللغة العربية التي تقضي بأن تتبع الصفة حالة الموصوف، وعوضا عن ان تكتب في البدء كانت الكلمة، كتبت في البدء كان الكلمة. اي شخص الابن، الأمر الذي نعده خيانة علمية ولاهوتية ايضا لمفهوم الكلمة. انها خيانة عقائدية حقا.
سبب المخالفة اللغوي: اما سبب هذه المخالفة اللغوي فلا يعود الى كون كلمة لوغوس اليونانية كلمة مذكرة حسب، ولكن جاءت هذه المخالفـة خاصة لأن المترجم كان يعتقد انه لا يتكلم عن الكلمة القاموسية، ولكنه يتكلم عن الاقنوم الثاني من الثالوث الأقدس الذي تسميه العقيدة المسيحية ” الابن “. ( قبل التجسد وبعده، حسب الكريستولوجيا العقائدية التقليدية )، حيث ان هذا الاقنوم، وكما نرى، هو شخص الهي لابد ان يكون مذكرا، بحسب العرف الدارج. غير اننا هنا لا نريد ان ندخِل القارئ اكثر ممـا فعلنـا، في مسألة لاهوتية غيبية وعويصة جدا.
نحبذ ترجمة خارج التأويل: بعد هذا التحليل المبسط لأمر لاهوتي معقد والذي صار خارج المفاهيم الواقعية العلمية، نكتفي بأن نقول للقارئ الكريم، بأننا نحبذ الترجمة الطبيعية خارج التأويل والتي تقول: في البدء ” كانت ” الكلمة ( لوغوس ) والكلمة كانت عند الله والله كانت الكلمة، لكي نبقى متحررين من قراءة نص كتابي مقدس يعتمد على النظرة الثنائية الأفلاطونية، او بالأحرى الأفلاطونية الجديدة.
النظرتان: وهكذا نستطيع ان نقول بأن فلسفة الكلمة البنيوية، ولاهوتها ايضا، تجعلنا ننظر الى هذه الكلمة بنظرتين، النظرة الأولى هي النظرة التي تتعلق بالبعد المادي لها، في حين ان النظرة الأخرى تجعلنا ننظر الى كل المعاني التي تحويها هذه الكلمة في حقيقتها الموضوعية التاريخية. وبما ان لفظة الكلمة تساوي لفظة الشخص، فإننا ننظر الى لفظة الشخص نظرة بنيوية فيها عنصر، او بُعد المادة المسموعة والمنظورة، وفيها عنصر او بُعد المعنى الذي يحوي ” هوية ” الشخص المحدد، سواء كان حيا او ميتا، وفيها تعريفه الجسمي والروحي والإنساني في وقت معا، الأمر الذي يعني ان كلمة الشخص تعني ما هو بعدٌ او ما هو وراء المحسوس، او ما هو ميتافيزيقي اي ما وراء الفيزيقي، او ما بعد الفيزيقي. Au-delà de علما ان كلمة الشخص، او بالأحرى حقيقة الشخص، لم تبقى في الواقع حقيقة فلسفية حسب، ولكنها ارتدت مفهومـا آخر ابسط بكثير من مفهومها الفلسفي الذي تكلمنا عنه، وهو المفهوم الأنثروبولوجي الذي تعرفه الشعوب بشكل تلقائي بسيط.
لفظة الشخص: فلفظة الشخص اذن كلمة تماثل لفظة لوغوس اليونانية Logos اليونانية في معانيها، بكونها تمثل هوية الانسان بكل ابعادها، سواء كانت سلبية ام ايجابية، حيث يمكن ان تخدم الهوية الايجابية من يحملها خدمة ايجابية ايضا، كما يمكن للهوية السلبية ان تخدم الآخرين بالابتعاد عن سلبيات اي شخص يضرنا ولا يفيدنا. وهكذا نفهم ان لفظة الشخص او ” الكلمة ” مشحونة بالمعاني تتوجه الى كل من يحتاج اليها حاجة انثروبولوجية انسانية يقدمها الشخص الذي يملك هذه الحاجة او غيرها الى كل من يحتاج اليها مجانا وبدون شروط. ولكن بالمقابل سنقول بأن الشخص الذي يملك ايجابيات مهمة يحتاجها الآخرون سيتمكن من الدخول الى حياة هؤلاء المحتاجين, ربما بدون ” احم ولا دستور ” وبدون سابق انذار وبدون طلب الاذن، وربما ايضا بدون الطرق على الباب. طبعا هذا الكلام ينطبق على الله نفسه وعلى يسوع المسيح وعلى القديسين وجميع الصالحين من كل الأديان والمذاهب، ولكن لن نتكلم طويلا عنهم في هذا المقال، ولا في مقال آخر.
بعض خدمات الشخص: غير اننا سنواصل الكلام عن بعض الخدمات الانسانية التي يقدمها الشخص ( بمعناه الأنثروبولوجي ) للآخرين، كما سنواصل كلامنا عن شروط انثروبولوجية تجعل اشخاص الآخرين حاضرة في حياتنا بشكل مثمر. وقد يكون معروفا ان الشخص قبل موت صاحبه يكون محمولا من قبل صاحبه الذي يستطيع ان يشرك الآخرين به. اما بعد موته فيصير من يحمل شخص المتوفى مالكا لهذا الشخص، كما يصير شخص المتوفى وديعة لدى من يحمله.
سرقة الشخص استلاب: غير ان القاعدة الأنثروبولوجية تتطلب ان لا يستلب مالك شخص الآخرين من يملكه ( شخص فلان ) الذي قلنا عنه انه اصبح وديعة عنده ولا يحتكره لنفسه، لكي يبقى شخص المتوفى ينبوعا لا ينضب، لكل من يحتاج خدمته العظيمة، سواء من اجل الأفراد البشرية او من اجل المجتمعات التي تنتقل الحضارة اليها، جيلا بعد جيل، عن طريق هؤلاء الأشخاص. فهل عرفنا الآن شيئا عن سر الانسان وعن طبيعته؟!
4 – الحرية وظيفة أخرى: هنا لن نتكلم كثيرا عن الحرية بصفتها موضوعا يستحق الكلام الكثير. ولذلك سنترك تفاصيل كثيرة، لكي لا نتكلم سوى عما هو جوهري وما يهمنا في هذا المقال. وعليه فان ما سنقوله عن الحرية لن يكون اكثر من بعض افكار مماثلة لتلك التي قدمناها عن الروح، مع ذكر وظيفة الحرية الأنثروبولوجية في حياة الانسان، معجبين ومتّبعين خاصة، فكر الأب تيار ده شاردان. وعليه نرى باقتضاب ان الحرية كالروح، وبوصفها هي الأخرى ظاهرة انثروبولوجية، لا يمكن ان تكون ” بنية “او منظومة Structure قادمة من العالم السماوي، لكنها بنية قادمة من امكانيات الكون الكثيرة والمتصاعدة ببطء شديد خطوة بعد خطوة، هذه الامكانيات التي أدت الى ظهور الحياة وتصاعدها، ومن ثم ظهور الانسان، بكل صفاته، من حيث بناه التحتية Infra structures وبناه الفوقية الرفيعة المستوى Supra structures، ومن ذلـك بنى الروح وبنى الحريـة، في عالمنا الذي هو جزء لا يتجزأ من كوننا العظيم.
الحرية خدمة انثروبولوجية: وهكذا نرى ان الحرية خدمة ووظيفة انثروبولوجية وأساسية لا يمكن ان تنفصل عن المميزات التي حصل عليها الانسان مع ما حصل، عندما تطور من كائن حيواني محدود الامكانيات الى كائن بشري بمستوى ما يسمى الانسان العاقل او الانسان الراشد Homo sapiens ، هذا الانسان الذي، ومنذ ان تسلم اسس انسانيته المتميزة صار يواصل طريقه مدفوعا بالقوانين الكونية التي تدفعه نحو انسان اكمل، قد يصل الى ما يسميه بعض العلماء الانسان المتفق Super man وبالفرنسية Sur homme.
شيء من الاختيار الحر: غير اننا، وبعد الذي اتينا الى ذكره لابد وأن نذكر بأن هذه المسيرة لم تعد مرتبطة فقط بقوانين الطبيعة الفيزيائية والكيمائية المحدودة جدا، على الرغم من اهمية تأثيرها، لكنها صارت في المرحلة البيولوجية الحيوانية مسيرة تعتمد ايضا على شيء من الاختيار، نجده عند الحيوانات، حتى وان كنا لا نسميه بالاختيار الحـر. اما في المرحلة البشرية، فقد صارت الحرية الموهوبة للإنسان، وعلى مقدار وجودها فيه، بحسب كل حقبة من حقب حياته، عاملا اساسيا في تطور الحياة الانسانية وتطور المجتمعات الى الدرجة التي نعرفها اليوم، والى ما سوف تصير عليه في المستقبل.
لا وجود للحرية المطلقة: وهنا نؤكد، وبخلاف ما كانت تقول به الفلسفات القديمة، وكذلك بخلاف ما تقول به الفلسفة الوجودية التي هي فلسفة معاصرة، بأن لا وجود للحرية المطلقة عند الانسان، لأن الحرية مثل سائر قوى الانسان الأخرى تخضع لطبيعة الجينات التي يستلمها كل فرد من والديه كما تخضع للبيئة التي ينشأ ويعيش فيها الانسان، والمجهود الشخصي الذي يبذله كل انسان لكي يصل الى حرية شخصية اكبر. علما بأن المجتمعات تتمتع هي الأخرى بالحرية التي يستطيع ان يحصل عليها اغلب مواطنيها. هذا فضلا عن ان الحرية، وبحسب القانون الذي سمعنا به من الأب تيار ده شاردان، تتقدم الى الأمام مع مرور الزمن، وحيثما تضعف المادة امام نشاط الروح، كما سبقنا ان ذكرنا ذلك.
صلة بين الحرية والجمود: من جهة أخرى، فإننا نضع ايضا صلة، بين الحرية والجمود Inertie. فنحن نعرف مثل سائر المثقفين ان المادة ليست جامدة كما يقال، ولكن نعرف ايضا ان حركة المادة محددة بقانون فيزيائي او كيميائي او بيولوجي، وأن الحركة فيها هي حركة داخلية فقط، ونقصد داخل ذرات كل مادة. وبذلك نستطيع ان نجزم بأن المادة محدودة ولا مجال للحرية عندها. علما بأننا ننظر الى المادة البيولوجية نظرة مخالفة نسبيا للنظرة التي ننظر بها الى المادة الفيزيائية والكيميائية. فنعم نحن نعرف ان المادة محدودة بقوانينها التي تريد ان تفرض المحدودية والحتمية والتشاؤم على الانسان، الا اننا نعرف ايضا ان مادة الانسان، قابلة لكثير من الخيارات التي تتغلب فيها الحركة على المحدودية والحتمية Determinism والتشاؤم او اليأس Le fatalisme.
اساس الحياة الروحية: لكي يستطيع الانسان ان يتوجه نحو الذرى، انسانيا وروحيا، مما يشكل الأساس لما يسمى بالحياة الروحية، هذه الحياة التي تتحول الى هدف نراه متعدد المراحل، لكنه هدف مثالي، يسمى ايضا بالهدف الاسخاتولوجي الأواخري الذي لن يصل الانسان الا الى شيء نسبي ومرحلي منه. علما بأن الاسخاتولوجيا لا تعني نهاية العالم، وإنما تعني الهدف البعيد الذي لا يصله الانسان بشكل كلي ابدا، وهذا لخير الهدف نفسه ولديمومته اكثر مدة ممكنة. فهل نلاحظ عظمة العلة الثانية وما تحويه من امكانيات ؟ وهل ما نشاهده من امكانيات عند العلة الثانية من أمور تفوق التصور، يتطلب تدخلا الهيا جديدا لتوجيه العالم الوجهة الصحيحة، وهل يمكن ان يقوم الله بهذا التدخل الذي يبدو لنا مستحيلا؟ قطعا لا.
الخاتمـة: بقي لي اذن، يا سيد كليرت، سؤالان مهمان لحضرتك يقولان: اذا كان كل ما ورثناه عن آبائنا وأجدادنا، من خلال ما يسمى بالجينات كاف لتفسير كل النشاط الروحي العقلي والوجداني الذي يتمتع به الانسان، فأين نستطيع ان نضع النفس يا يرى، وكيف يمكن لنفس روحية تملك كينونة خاصة بها ان ترتبط بقوى انسانية مادية، وماذا ستكون التبريرات الخرقاء التي يمكن ان يقدمها المتعصبون الجهلة للبرهان على صحة مزاعمهم في مسألة النفس وخلودها، هذه المزاعم التي لم تعد تليق الا بالعقول التي بقيت عقولا بدائية تتخفى وراء عبارة الايمان، والإيمان منهم براء؟ فنحن بالحقيقة صرنا نعرف ان تعصب المتعصبين لا يأتي سوى من عقول اسطورية جاهلة لأسس حياتنا الانسانية، ومن همم مرتخية وكسلانة وغير قادرة على عمل التغيير المطلوب، مما يثبت ان المتعصبين لعالمهم الحضاري والديني القديم والمنتهي الصلاحية Expiré لا يؤمنون بالله وبيسوع اليوم بل باله ويسوع الحضارات التي عفا عليها الزمن، حتى وان كان البابا يوحنا بولس الثاني الراحل قد حاول ان يعطي مصداقية للفكر السلفي التقليدي من خلال مقولة اليوبيل التي كان قد اقتبسها من مار بولس والتي تتكلم عن يسوع المسيح الذي” هو هوَ بالأمس واليوم والى الأبد “. ولذلك نرى السلفيين يبكون على ماضيهم موهمين الناس انهم يبكون على الايمان والعقائد، تماما كما كان اهل افسس الوثنيون يبكون على الالهة ارطيميس، الهة افسس الوثنية، هذه الالهة التي كانت البشارة المسيحية قد افقدتها مكانتها الالهية القديمة وأثرت كثيرا على سوقها الرائج، حيث كان الصائغون يعيشون من صياغة وبيع تماثيل ذهبية صغيرة تمثل الالهة ارطيميس هذه.
هاتوا برهانكم ان كنتم صادقين: فها نحن اذن، وبناء على مجهود العلماء، نكشف قسما كبيرا من حقيقة الانسان والعالم والكون، فهل يا ترى يمكن ان يكون الكلام الذي يدعي انه يملك الايمان بالقضايا الالهية، وأنه يستطيع ان يساعد الانسان على السير نحو كماله اصح من الكلام الذي قدمنـاه هنا في هذا المقال البسيط المتواضع، وما سوف نقدمه في هذا الكتاب من مواضيع، ان شاء الله؟ وهل نحن اضعنا شيئا من الروحانية التي يتحلى بها المسيحيون بناء على ايمانهم بالسيد المسيح وفق عقلية زمانهم؟ لا اعتقد.
المعاندون: اما من يعاند ولا يريد ان يقبل هذا الطرح العلمي، فنقول له انت حر يا سيدي، انت حرة يا سيدتي، ولكن نقول لهم جميعا: هاتوا برهانكم ان كنتم صادقين!! علما بأن برهان الايمان وبرهان تعليم الكنيسة الرسمي وبرهان تقليد الآباء والأجداد، ليس برهانا حقيقيا، وإنما هو مطرقة مرفوعة بوجه الكتاب المستندين الى الواقع العلمي البرهاني. اي انه قمة في التعسف الناتج عن العقليات المؤدلجة. كما ان الاستناد الى حرف الكتاب المقدس، ليس هو برهان كذلك، لأن الكتاب المقدس ليس معدا بحرفيته لاستخدامه في الجدال اللاهوتي، هذا الجدال الذي سمي يوما بالجدال البيزنطي. ولهذا نقول بمرارة: يا ما اضطهدت الكنيسة علماءها باسم الايمان هذا، ويا ما اُرسل العلمـاء الى المقصلة والمحرقة، استنادا الى برهان الايمان هذا، هذا الايمان الذي لم يكن في يوم من الأيام ايمانا، بل مجرد فكر لاهوتي اعطيت له المطلقية من دون وجه حق.
ابتسامة بسيطة: وهنا فقط ليسمح لي بأن اقدم ابتسامة بسيطة بمناسبة ادعاء النفس الخالدة والعالم الآخر. فقد صادف اني كنت احاور شابا في هذه المسائل التي بحثنا عنها في هذا المقال وفي الكتاب كله. فقد سألني الشاب محتجا بقوله: اذا كانت نفس الانسان لا تذهب الى السماء فلماذا تقولون انتم القسس بأن النفس موجودة وأنها تذهب الى السماء اذا كانت صالحة وتذهب الى جهنم اذا كانت شريرة؟ فضحكت وقلت له: ترى لماذا يريدنا الله ان نذهب عنده الى السماء: فهل كنا نحن البشر صالحين بهذه الدرجة بحيث يقرر فيها الله ان يخترق كل نواميس الطبيعة ليأخذهم عنده؟ ترى اما يخاف الله على جنته من ذهاب كل هذه المليارات من البشر عنده !!! لقد وجدنا في هذا العالم مزودين بكل ما يلزمنا لنكون بشرا مطابقين لدعوتنا الانسانية ونعيش سعداء. فإذا تمكن كل واحد منا ان يعيش سعيدا بحسب اختياره، فهذا من حسن حظه، اما اذا كان يريد ان يعيش على هواه في كل شيء، فان ذلك الشخص سيموت وهو لم يحصد الا بقدر ما زرع.
ليس الله مسئولا عن فشل الانسان: اما فشل البعض او الكثيرين في ان يكونوا سعداء، فليس الذنب ذنب الله، بل ذنب بيئة الانسان، وذنب وراثته، وذنب المجتمع نفسه، كما يحدث اليوم، حيث يقتل اقوياء العالم ضعفاءه بلا رحمة وبلا ضمير يردعهم، لأن السياسيين لم يربوا انفسهم التربية الانسانية التي تجعلهم يبحثون عن خيرهم وخير المجتمع الانساني بأكمله، فأوجدوا لأنفسهم عالما فاسدا وميكيافليا اشبه ما يكون بالغاب، حيث تفترس الحيوانات القوية كل ما يصادفونه من حيوانات ضعيفـة في طريقهم.
ماذا عن المؤمنين: اما من حيث اتباع يسوع المسيح والتلمذة له، فلن يؤثر هذا الفكر الانساني الأنثروبولوجي على حياتنا بيسوع بشيء، ولكن على العكس من ذلك، انه سيحرر مسيحيتنا ومسيحيينا من انانية التعامل مع الله ومع يسوع المسيح تعاملا براغماتيا، وسنخلص الله من عتابنا المستمر له، بكونه لم يحقق لنا ما نحتاجه بقولنا له: لماذا ولماذا ولِماذا… اما من لا يصل الى درجة عتاب الله على تقصيره بحق هؤلاء المساكين السذج، فنراه لا يكف عن تقديم قائمة مطالبه لله وليسوع المسيح وللقديسين، على اساس الشفاعة التي لا يفهمون شيئا منها. نقول هذا ونحن نعلم ان الله لم يخلقنا كأفراد، وإنما جئنا الى العالم من خلال نظام كوني وإنساني مزودين بكل ما يمَكننا من ان نحقق دعوتنا الانسانية بمجهودنا في جميع المجالات. اما هذه الخلقة فلم تكن مباشرة، لا كما يصفها العهد القديم، ولا كما يصفها كتاب أي كتاب آخر. لقد اصبحنا نحن نعرف، ان الانسان الأول او البشر الأوائل، هم نتيجة تطور الحياة ومسيرتها الجدلية وغير الجدلية، كما ان البشر انفسهم في مراحل تالية يأتون من سلة البشرية الوراثية، هذه السلة نفسها التي فيها ايضا، وعلى كثير من المراحل، تختلط الصدفة بالنظام، لإنتاج الأحسن في نهاية الأمر، حسب قانون التتابع الحياتي، فضلا عن قانون الاحتمالات التي ينظم كل شيء، بطريقته الخاصة التي تعتمد على الصدف الموجهة لإنتاج الأفضل.
مخيرون ام مسيرون: فهل نحن في النهاية مخيرون ام مسيرون؟ وجوابي لا هذا ولا ذاك. فنحن نأتي الى العالم من خلال نظام محكم ونعيش في العالم من خلال نظام يسمح لنا بالكثير مما يجب ان نكون، ولكنه يمتاز ايضا بوجود الحرية التي تنتج عن ثراء الطبيعة البشرية في الامكانات والمواهب التي تختلف عما تملكه ارقى الحيوانات كثيرا، هذه المواهب التي تعين اي انسان في كثير من تفاصيل الحياة المهمة. وهنا علينا ان لا ننسى بأن لكل شيء ثمن، وان الحرية ذاتها معطاة لكل البشر، ولكن هذه الحرية لن تكون حرية ناجحة حقا الا اذا تعب عليها الانسان وعظمها في نفسه وأعطى لها المكان اللائق بها. وهكذا فان من يسهر على حريته باستمرار يستطيع ان يبقى حرا بقدر سهره هذا، ومن يهمل حريته وينجر وراء ما يناقض هذه الحرية فانه يخسر حريته ويخسر نفسه ايضا.
مصادرنا: ولكن، بما انه يتوجب علينا هنا ان نفصح عن مصادرنا في مثل هذه الأمور فإننا، ونقولها مرة أخرى، لا يسعنا الا ان ننسب هذه المعلومات التي وضعناها اعتمادا على الذاكرة وحدها، الى عالم الاحاثة الكبير واللاهوتي والفيلسوف تيار ده شاردان، والذي لم يملك الجسارة، او بالأحرى الامكانية ان يستنتج من علمه ما يمكنه من اقامة لاهوت او علم انسان متحرر من جميع العقائد، او بالأحرى من كل المحرمات الكلاسيكية، les Tabous.اما ذكر كثير من الفلاسفة في مقالي هذا وفي غيره، فيأتي بشكل طبيعي، كوني كنت لمدة خمس وعشرين سنة ادرس مادة الفلسفة، فيما كنا في ابرشية الموصل نسميه الدورة اللاهوتية التي كانت مدتها ثلاث سنوات، وتقام لكل من يرغب في ان يتعلم مبادئ الفلسفة واللاهوت والعلوم الدينية الأخرى. كما كنت ادرس ايضا مادة خاصة بي سميتها: منهجية لاهوتية معاصرة. هذا فضلا عما كنت قد اختزنته في ذاكرتي من مطالعاتي الشخصية ومن المحاضرات التي كنت اقوم بها في مناسبات عديدة، والتي كانت مشهورة بتجنبي للتعليم الكلاسيكي، ولاسيما في عالم اللاهوت. كما كنت قد خزنت في الذاكرة منذ ايام المعهد كثيرا من المعلومات التي كان اساتذة شرقيون وفرنسيون يلقونها علينا بمناسبة مرورهم بالموصل. اما اثناء خدمتي القسسية، فقد كان علينا نحن القسس، ان نتعلم ونعلم غيرنا بلا هوادة، وعلى قدر الحال طبعا.
وهنا لابد وان اذكر بأنني منذ بداية حياتي الدراسية في معهد مار يوحنا الحبيب بالموصل، كنت مولعا بالفكر الفلسفي بشكل خاص، وكان لي تفكيري الشخصي في المسائل الفلسفية واللاهوتية ايضا. وأتذكر ان مرشدي الروحي الذي كان مديرا لمعهدنا ايضا، قال لي في احدى لقاءاتي به من اجل الارشاد، بأن المدرسين راضين عني كثيرا، لكنهم كانوا يرون اني مفرط في التفكير الشخصي. وهنا لن اكشف سرا ان قلت بأن مثل هذا الكلام كان قد شجعني ان اواصل طريقي الشخصاني هذا، حيث اتذكر اني كنت قد قلت لمرشدي الروحي المذكور: يا ابانا لا تخف علي، فاني سأبقى ابنا للكنيسة، ولن اعمل شيئا خارج الايمـان المسيحي. ولكن في قلبي كنت اقصد الايمان الحقيقي، وليس اللاهوت الكنسي المحول الى ايمـان باسم الايمان نفسه، يعني طاعة عمياء. وهكذا كان، بعد ان صرت قسيسا وتعينت في كنيسة تلكيف وبقيت فيها حتى احلت على التقاعد، بعد خدمة بلغت خمسين عاما بالتمام والكمال. كما اتذكر يوما ما قاله لي صحفيون من مجلة لا كروا الفرنسية La Croix كانوا قد جاءوا عندي لمعرفة المنهجية اللاهوتية التي كنت قد وضعتها. قالوا لي: نحن ليست لنا فكرة عن قسيس يخدم الرعية، ويكون في الوقت عينه لاهوتيا. قلت له لماذا؟ قال: لأن عندنا جميع اللاهوتيين هم رهبان، ولهم الوقت الكافي للعمل اللاهوتي. من جانبي يسعدني كثيرا اني استطعت ان اوفق بين عملي كمسئول عن خورنة ” كنيسة محلية ” وبين العمل اللاهوتي، فقد استطعت ان اضحي ببعض الأمور الطقسية الثانوية من اجل ان يكون لي الوقت الكافي للعمل الفكري اللاهوتي. والحمد لله. علما بأني استفدت كثيرا من اللغة العربية واللغة الفرنسية للاطلاع على العلوم اللاهوتية الحديثة وعلى علوم الانسان التي افادتني كثيرا في بناء منهجيتي العلمية الأنثروبولوجية.
القس لوسيان جميل
تلكيف – نينوى – العراق
22 – 11- 2014

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إغلاق
إغلاق