أحوال عربيةالصحافة الجديدة

أخبار .. أخبار … أخبار .. أخبار

ليلى عماشا

بغض النظر أيّ المحطات تتابع، انت حتما على موعد مع كمّ هائل من الفوضى. تلك الفوضى التي ترافق الحروب أو تسبقها. تحاول أن تتجنّب هذا الموعد قدر المستطاع، إلا انّك تجد نفسك ملزماً، بشكل أو بآخر، بمتابعة الأحداث، من وجهة نظر محرّر النشرة، الذي يعبّر عن وجهة نظر صاحب المحطة، والتي بدورها تعكس سياسة المموّل..
تبدأ نشرات الأخبار العربية عادة بمقدمات توّجه المستمع أو المشاهد وتملي عليه الموقف الذي يجب عليه اتخاذه، بما يشبه غسيل دوري للأدمغة، وإذا بحثت فيها سوف تجد حكما برنامجا محكما من الأفكار التي يريد العدو، بمختلف وجوهه، تكريسها في مجتمعات المقاومة المعادية للصهاينة، وإن بأشكال وأساليب مختلفة، فما يبدو اختلافا بين محطتيّ “العربية” و” الجزيرة” هو في الواقع مجرد اختلاف في اللغة والقشور، وإن عكس في هذه المرحلة الخلاف السعودي_القطري فهو لا يصبح تباينا في الموقف من القضايا العربية الجرهرية.ونلاحظ من حين الى اخر شيء من التغيير في اللغة والمصطلحات أو اعتماد الشعارات “الجماهيرية”، فذلك لا يعدو كونه مجرد إعادة تطعيم للسموم التي يتم بثها، كي لا يمل المشاهدون.
من ناحية اخرى، لا يمكن اعتبار جميع المشاهدين في نفس الخانة. فليس الجميع مجرد متلقين سلبيين، ومع تطور وسائل التواصل الاجتماعي وتحولها الى منابر إعلامية، لم يعد بالامكان الحديث عن مشاهد يتلقى “المنظومة الخبرية” ببراءة ويتأثر بها ببساطة، فثمة مشاهد يتابع هذه القنوات بالتوازي مع متابعته للقنوات الداعمة لمحور المقاومة، سعيا لنوع من ملاحقة وجهات النظر هنا وهناك.
وهنا يبدأ ما يشبه السقوط في أكذوبة الحياد والموضوعية، فنحن في زمن المشروعين اللذان يتواجهان في حرب شرسة تتخذ أشكالا عديدة، وتمتد على مختلف الساحات العربية. والإعلام جزء من هذه الحرب، بل جزءا أساسيا ورأس حربة، ولا يمكن إدعاء الحياد بين هذين المشروعين. أنت اما مع المشروع المعادي لوجودك، لأصل حقوقك، سواء في فلسطين أو في سوريا او في مصر أو اليمن أو العراق أو لبنان أو ليبيا، أو في كل شبر عربي وإما مع المشروع الذي يصون وجودك وحقوقك.
وثمة مشاهد يتابع بشغف كل الأخبار والمعلومات التي ترد إليه عبر الشاشات، ليس سعيا وراء الحقيقة إنما بحثا عن أدلة يدعم بها آرائه السياسية، فمثلا فيما يمكث البعض أمام شاشة العربية، متابعا دقيقا، كي يحفظ شعارا من هنا أو خبرا من هناك يحاجج به في نقاش حول “التطبيع مع الصهاينة”، يقف مشاهد آخر متابعا لجولة الرئيس الأسد خلال العيد ليثبت للمشككين بصمود سورية أن سوريا ما زالت عرينا شامخا رغم الجراح.
وهنا، لا يمكن القول بسلبية المشاهدة فالمتابع في الحالتين يحمل رأيا ويبحث عن أدلة تدعم خياراته.
من جهة أخرى، ثمة مشاهدين يستمتعون بدور الطبّال في العرس.. هؤلاء يتابعون فقط لمجرد التصفيق، وكثيرا ما نجدهم في المحاور المعادية للمقاومة ويبدون شديدوا الوقاحة لا سيما في العدوان الأميركي السعودي على اليمن.
قد يتوه البعض منا أمام نشرات الأخبار، قد يتفاعل مع شعار ظاهره حق وباطنه باطل. قد يتأثر بمغازلة القضية الفلسطينية على سبيل المثال حين تشعر قناة ناطقة بالعربية أن وجهها العبري صار مكشوفا. لكننا، كي لا نفقد البوصلة ولو للحظة، علينا ببساطة أن نجيد الاستماع، وقبل الاستماع أن نعرف أن أعدائنا، أعداء قضايانا، ناهبي ثرواتنا وأرضنا، يبذلون كل جهد لتجهيلنا عبر قنوات إعلامية، موجهة إلينا، ترتدي أثوابنا، تنطق بلهجاتنا، وتتسرب إلى بيوتنا كي تبث فينا العداء لأنفسنا..
نشرات الأخبار سلاح حي، وجميعنا ملزمين بالتسلح بالوعي كي يكون سلاح لنا لا علينا.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إغلاق
إغلاق