في الواجهة

أحدث إبتكار احصائي في العالم

محمد رضا عباس

هناك علاقة طردية وقوية بين التطور الحضاري واستخدام الأدوات الإحصائية، حيث ان المراكز والمؤسسات الإحصائية أصبحت لا تقل أهميتها عن أي قطاع انتاجي اخر. بل أصبح من الصعب على القطاعات الإنتاجية صنع قرار الإنتاج والتسويق بدون دراسة إحصائية، والا تتعرض هذه القطاعات الى خسائر فادحة. على سبيل المثال، عدم معرفة شركة صناعة سيارات الطلب على سيارتها في السنتين والثلاث القادمة، قد يعرض الشركة الى خسارة هائلة سواء قل الطلب او زاد على سياراتها. صناعة مليون سيارة، فيما ان الطلب الحقيقي هو 600 ألف سيارة سوف يفرض على الشركة الى استخدام خصم الكبير من اجل التخلص منها، فيما ان زيادة الطلب على أكثر من مليون سيارة سوف يحرم الشركة أرباح الطلب الضائع وربما يضطر المشتري التحول الى سيارة من نوع اخر تصنع من قبل منافس اخر في السوق.
لا يقتصر استخدام الإحصاء في الاقتصاد وإدارة الاعمال، وانما أصبحت تدخل الى كل حقل، خاصة الحقل السياسي، حيث من خلال الإحصاء يعرف عن مطالب الناخبين المهمة، المرشح القوي، واحتمالية فوز سياسي في المنصب الحكومي دون غيره. ولهذا السبب نكثر استخدام الاستبيانات في زمن الانتخابات سواء كانت هذه الانتخابات في الولايات المتحدة الامريكية، أوروبا، اليابان، او العراق. الديمقراطية تعتمد على المنافسة، والمنافسة عمادها الوعود التي يطلقها المرشح. وربما أحد أسباب الفشل في اختيار سياسي عراقي يحمل نفس هموم العراقيين هو عدم استخدام الاستبيانات الاحصائية.
اهمية استخدام الإحصاء أصبح ضرورة ملحة في زمن كورونا، حيث بدء المواطنين والمسؤولين يعولون كثيرا على التنبؤات لمعرفة نهاية هذا الوباء، اعداد المصابين، وعدد الوفيات المتوقعة من الوباء. كانت الولايات المتحدة تستخدم نموذجين من التنبؤات، الأول كان من انتاج Imperial College London والثاني Institution for Health. ولكن كلا المؤسستين اخفقتا في الوصول الى تنبؤات دقيقة عن عدد الوفيات في الولايات المتحدة في الصيف الماضي، بعد ان تنبأ الأول بان عدد الوفيات سوف تبلغ نصف مليون امريكي بنهاية شهر تموز او بداية شهر اب، فيما ان المؤسسة الثانية تنبئت بان عدد الوفيات سيكون 60,000 , فيما ان الرقم الحقيقي لعدد الوفيات بلغ 160 الف حالة .
الاختلاف الشديد في تنبؤات كلا المؤسستين جلبت انتباه أحد الشبان، واحد خريجي MIT، فرع الهندسة الكترونية والرياضيات، ولكن بدون خبرة في العلوم المتعلقة بالصحة مثل البايولوجي او الأوبئة. هذا الشاب استخدم ما تعلم من دراسته لإنتاج نموذج احصائي قد يكون مفيدا خلال فترة الوباء.
اسم الشاب والبالغ من العمر 26 عاما هو Y0uyang Gu. وفي النصف من شهر نيسان، وبينما كان يعيش مع اهله في كالفورنيا، قضى ما يقارب أسبوعا لبناء نموذج احصائي يتنبأ به عدد وفيات كورونا وينشرها من على موقعه الالكتروني. وبفترة قصيرة أصبح نموذجه يعطي نتائج أكثر دقة من نتائج المؤسستين المذكورتين واللتين تحت تصرفهما المئات من الملايين من الدولارات وعقود طويلة من الخبرات. Gu استمر بمطابقة تنبؤاته بعدد الوفيات من جراء كورونا مع الأرقام الحقيقية للوفيات، و مع بعض التعديلات البسيطة على نموذجه وقضاء معظم يومه وهو منهمك بتنقيته ومراقبة المعلومات الإحصائية, بدون راتب، معتمدا على مدخراته, استطاع ان ينتج نموذج احصائي اذهل أصحاب الخبرات الطويلة.
بينما كان النموذج غير كامل، الا ان نموذجه أنتج نتائج جيدة جدا. على سبيل المثال، في نهاية شهر نيسان تنبأ ان عدد الوفيات 80,000 بحلول شهر أيار، كانت الأرقام الحقيقية 79,926, فيما توقع Institution for Health , بنفس الفترة , بان عدد الوفيات في الولايات المتحدة الامريكية سوف لن تتجاوز 80,000 لما تبقى من عام 2020. Gu توقع أيضا ان عدد الوفيات سوف تصل الى 90,000 حتى يوم 18 أيار و 100,000 حتى يوم 27 أيار، وكان التوقع صحيحا ويقابل الأرقام الحقيقية، فيما ان Institution for Health توقع ان الوباء سوف ينتهي بسبب سياسة التباعد الاجتماعي.
التنبؤات الخاطئة ل Institution for Health جلبت له سنامي من الانتقادات الحكومية والمختصين خاصة وان هذا المعهد قد تسلم منحة قدرها 500 مليون دولار من مؤسسة، Bill & Melinda Gate فيما صرحGu قائلا ” أي فرد يحمل شيء من المعقولية سوف يتوقع عدد الوفيات اليومية ستكون بين 1000 و1500 حالة وسوف تستمر لبعض الوقت. ولكن اعتقد ان نتائج (Institution) كانت غبية ” , فيما قام مركز منع انتشار الأوبئة (CDC) بوضع ارقام Gu على موقعه، واصبح الشاب يدعا للمشاركة في اجتماعات المركز واصبح عضوا فاعلا مع كبار الإحصائيين المحترفين في أمريكا، فيما ازدحم موقع Gu بالملايين المواطنين من اجل التعرف على ما يحدث في ولاياتهم ومدنهم. أحد الأساتذة في موضوع الإحصاء البايولوجي قارن تنبؤات Gu مع خمسين من التنبؤات الأخرى، وجد ان تنبؤات Gu كانت في المقدمة.
قرر Guالتوقف من عمله في شهر تشرين الثاني، بعد ان تأكد له ان المؤسسات الإحصائية بدأت تعتني بتنبؤاتها، ولكن قبل شهر من توقفه العمل، توقع Guان عدد الوفيات من وباء كورونا سوف تبلغ 231,000 عند حلول اليوم الأول من شهر تشرين الثاني، الأرقام الحقيقية كانت 230,995.
معلوم، ان وظيفة الاحصائي او المتنبئ تنافس وظيفة الله عز وجل، لأنه لا يعرف المجهول الا الله، ومع هذا فان التنبؤات تقدم خدمة عظيمة لصناع القرار في مجال الصناعة والزراعة، على الرغم من تفاوت درجة دقتها. في بعض الأوقات تخرج تنبؤات دقيقة جدا، وفي بعض الحالات تفشل في التنبؤ مما تؤدي الى خسارة هائلة للشركات. ان دقة التنبؤات تعتمد بصورة رئيسية على طول الفترة الزمنية القادمة، فكلما كان التنبؤ بعيدا في المستقبل قلت دقته، والعكس هو الصحيح. وثانيا، التفاصيل. التنبؤ الإجمالي من العادة أكثر دقة من التفاصيل. على سبيل المثال، التنبؤ بحجم الإنتاج الوطني الكلي أكثر دقة من التنبؤ بمفرداته.
Gu كشف شيء مهم جدا, وهو ليس من الضروري ان تقدم المعاهد الإحصائية العريقة, والمتخمة بالأموال والخبرات, تنبؤات دقيقة. لقد خرجت تنبؤات من هذه المعاهد والمؤسسات غبية كثيرة، اصبحت قصص يتندر بها الاعلام وأصحاب الاختصاص. ثانيا، Gu بنى نموذجه الاحصائي كهواية ليس لهدف الوظيفة او الربح ولكن بنفس الوقت كشف شيء مهم جدا وهو حجم الخلل في المؤسسات الامريكية الكبيرة.

قصة الشاب Youyang Gu اخذت من مقال

Ashlee Vance, Covid’s Data Superstar, Bloomberg Businssweek, March 1, 2021.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إغلاق
إغلاق