التشهير بشخص بريء تماما في فيسبوك و اتهامه ظلما
بهية حمران
في عصر أصبحت فيه الشاشات الزرقاء نوافذ نطل منها على العالم، تحولت منصات التواصل الاجتماعي — وتحديداً “فيسبوك” — من فضاءات للتواصل إلى سرادق عزاء مفتوحة ومحاكم تفتيش شعبي. لم يعد الهدف من النشر تبادل المعرفة أو تقريب المسافات، بل تحول في كثير من الأحيان إلى “موسم للجلد العلني”، يُنصب فيه المشنقة المعنوية لكل من يقف في مرمى شائعات المجتمع ونزواته المريضة.
القصة تتكرر بحذافيرها المؤلمة: شخص بريء، يعيش حياته ببساطة وهدوء، يجد نفسه بين عشية وضحاها هدفاً لحملة تشهير شعواء على “فيسبوك”. تُلقى عليه التهم جزافاً، وتُنسج حوله الأكاذيب والبهتان بغير ما اكتسب، ليتحول إلى مادة دسمة لتعليقات سامهة وأحكام قطعية يصدرها قضاة الوهم خلف الحواسيب. وفي النهاية، تتبدد الغيوم وينكشف المستور ليتبين بما لا يدع مجالاً للشك أن هذا الإنسان كان طاهراً بريئاً، وأن كل ما نُسب إليه لم يكن سوى باطل وبهتان.
مرآة مجتمع مريض يحتاج إلى علاج نفسي جماعي
هذه الظاهرة البغيضة لا تعبر أبداً عن خلل فردي عابر، بقدر ما تكشف عن أزمة عميقة يعاني منها مجتمع بات يحتاج بحق إلى “علاج نفسي جماعي”. فكثيرون ممن يمتهنون طعن الآخرين ونشر الفضائح يفعلون ذلك لتفريغ شحنات الحقد والغل الدفين الذي تضطرم به نفوسهم المريضة. إنهم يبحثون عن “شماعة” يعلقون عليها خيباتهم، وفاشلون يزعجهم نجاح الآخرين أو حتى هدوء حياتهم، فيحاولون هدمه ليتساووا معهم في الوحل. إنه هروب بائس من مواجهة العيوب الشخصية والأخطاء الذاتية، ومحاولة فاشلة لستر سوءاتهم بتلطخ سمعة الأبرياء.
الغوغاء وفوضى التسرب الأخلاقي والفكري
إن ما يحدث على المنصات الرقمية من تشهير وفضح — سواء صحّت الادعاءات أو بطلت، وغالباً ما تكون باطلة — يمثل كارثة بكل المقاييس. إنه انتهاك صارخ لكل الحدود الشرعية والقانونية والأخلاقية. فديننا الحنيف حذر أشد التحذير من رمي المحصنين والبهتان وظلم الناس، وجعل عرض المسلم كرامة لا توطأ. وقانونياً، الدول ليست غابة؛ فهناك مؤسسات وأجهزة أمنية وقضائية قائمة، وهي وحدها الجهة المخولة قانوناً بضبط الأفراد، والتحقيق في التجاوزات، ومحاسبة المخطئين إن وجدوا.
لكن المشكلة الحقيقية تكمن حين يتصدر المشهد “الغوغاء المنافقون الفاشلون”، أولئك الذين يعانون من التسرب المدرسي والفكري والأخلاقي، والذين وجدوا في الهواتف الذكية وسيلة للهروب من قاع جهلهم إلى واجهة التأثير السلبي. هؤلاء الذين لا يملكون ذرة من وعي قانوني أووازع ديني، يتحولون إلى قطيع يوجهه الهوى والافتراء.
نحو طهارة مجتمعية: متى تصفى البلاد؟
إن استمرار هذا العبث الرقمي ينذر بتدمير النسيج الاجتماعي، ويهدد بإحلال شريعة الغاب محل سيادة القانون. إن الإنسان البريء الذي يُظلم ويهان عبر منصات التشهير يدفع ضريبة غالية لنفوس مريضة لا تخاف الله ولا تحترم القانون.
إننا بحاجة ماسة لثورة وعي أخلاقية وقانونية صارمة، تعيد الأمور إلى نصابها، وتضرب بيد من حديد على كل متطاول ومشهر، وتفعيل قوانين جرائم الإلكترونيات بحق هؤلاء المتسولين للتفاعل على دماء أعراض الناس.
ونسأل الله أن ياتي اليوم الذي تصفى فيه البلاد من أمثال هؤلاء العابثين، لتعود الفضاءات الرقمية مساحات للبناء والإنسان، لا مقاصل لقتل الأبرياء واغتيال براءتهم.



إرسال التعليق