ترامب بعد الانتخابات
د. محمود عباس
أرجّح أن تمنح انتخابات 3 نوفمبر 2026 الديمقراطيين أغلبية مجلس النواب، وأميل إلى احتمال انتقال مجلس الشيوخ إليهم بأغلبية ضيّقة، بثقة أقلّ. فالمؤشرات الوطنية لا تتحوّل آليًا إلى مقاعد؛ الإقبال والمرشّحون وتوزيع الأصوات قد تغيّر النتيجة. وإذا تحقّقت التوقّعات، فسينتقل الصراع إلى حدود الحكم، الرئيس يستخدم التنفيذ والفيتو، والكونغرس التشريع والتمويل والتحقيق، والمحاكم تفصل في النزاعات.
خسارة النواب وحده توسّع التحقيقات وتعرقل التشريعات، مع بقاء الشيوخ سندًا للرئيس في التعيينات. أمّا خسارة المجلسين فتزيد القيود على إقرار مسؤولين وقضاة جدد، وتقوّي موقع المعارضة في مفاوضات الإنفاق. وأتوقّع تصعيدًا تتخلّله صفقات؛ فحجم الهزيمة سيؤثّر أيضًا في تماسك الجمهوريين. وقد تدفع الخسارة الواسعة القيادات الطامحة إلى خلافته في 2028 إلى مراجعة نهجه، فيما تُبقي الخسارة المحدودة نفوذه أقوى في اختيار مرشّح الحزب المقبل.
ولهذا يستعدّ البيت الأبيض مبكرًا، بمراجعة التفويضات القائمة والتمويل المتاح والقرارات القابلة للدفاع قضائيًا، والتحضير للاستدعاءات وطلبات الوثائق. الغاية المحافظة على القدرة على الحكم ومواجهة المساءلة. وستتيح الفترة السابقة لبدء ولاية الكونغرس الجديد في 3 يناير 2027 محاولة إنجاز أولويات قبل تبدّل موازين المؤسستين.
لكنّ سرعة القرار لا تضمن استمراره. سيحتاج ترامب إلى الموازنة بين إرضاء قاعدته وتحقيق إنجازات ثابتة؛ فالقرارات الإدارية تظلّ عرضة للتعديل والطعن، بينما يمنح التوافق التشريعي السياسات أساسًا أمتن وأطول عمرًا.
جوهر المواجهة أنّ الطرفين سيحتجّ بإرادة الناخب، ترامب بتفويض انتخابه، والديمقراطيون بتفويض أحدث لمراقبته. والدستور يعترف بشرعية المؤسستين؛ فخسارة الأغلبية لا تُسقط الرئيس، وفوز المعارضة لا يمنحها السلطة التنفيذية. يستطيع الناخب توزيع السلطة، ثم يترك لأصحابها مسؤولية التفاوض وإدارة اختلافهم.
المادة الأولى تمنح الكونغرس السلطات التشريعية الاتحادية المقرّرة فيها، والمادة الثانية تمنح الرئيس السلطة التنفيذية، ويلزمه قسمها الثالث بتنفيذ القوانين بأمانة. لكنّ القوانين نفسها تمنح الإدارة مساحة لتحديد التفاصيل والأولويات، ومنها إجراءات الهجرة والتأشيرات والبرامج والأدوات التجارية. ولذلك تختلف مشروعية القرارات باختلاف سندها، ولا يكفي التأييد الشعبي لتبريرها.
فوز الديمقراطيين لا يُلغي التفويضات السابقة؛ اعتراضهم السياسي لا يساوي تعديل القانون. وقد يواجه تعديلهم الفيتو، الذي يحتاج تجاوزه إلى أغلبية الثلثين في المجلسين وفق الشروط الدستورية. هكذا تستطيع أغلبية معارضة رفض تشريعات جديدة، وتعجز عن تغيير أساس قانوني يستخدمه الرئيس. يصبح التعطيل متبادلًا، والتسوية أحيانًا ضرورة للحكم.
والمال قيد مباشر، المادة الأولى، القسم التاسع، تربط السحب من الخزانة باعتمادات قانونية. فلا يستطيع الرئيس تمويل وعوده بأمر تنفيذي، أو نقل الأموال وحجبها بحرية مطلقة. وتخضع هذه الإجراءات لقيود، منها قانون ضبط حجز الاعتمادات. لذلك قد تخفي شعارات الكفاءة ومحاربة الهدر معركةً على تحديد أولويات الدولة وإلزام الطرف الآخر بها.
وللقضاء كلمته. ففي قضية مصانع الصلب عام 1952، رفضت المحكمة العليا استيلاء إدارة ترومان عليها دون سند كافٍ. وميّز القاضي جاكسون، في رأيه الموافق، بين سلطة رئاسية تقوى بالتفويض التشريعي، ومنطقة غموض عند صمت الكونغرس، وسلطة تضعف عندما تخالف إرادته المعبَّر عنها قانونيًا. المعارضة الحزبية وحدها لا تعادل الحظر القانوني.
وفي 20 فبراير 2026، قضت المحكمة بأن قانون الصلاحيات الاقتصادية الطارئة الدولية لا يجيز فرض الرسوم محلّ النزاع. لم تُلغِ جميع الأدوات التجارية، لكنها أكّدت أنّ إعلان الضرورة لا ينشئ صلاحية. وفي المقابل، قيّد حكم «ترامب ضد كاسا» عام 2025 نطاق الأوامر القضائية الشاملة لغير أطراف الدعوى، دون حسم مشروعية السياسة موضوعها. «كاسا» منظمة داعمة للمهاجرين شاركت في الطعن بقرار ترامب المتعلّق بتقييد الجنسية بالولادة.
لهذا قد تصبح مدّة التقاضي موردًا سياسيًا؛ تُنفَّذ إجراءات وتترك آثارًا قبل حسم النزاع، ولا يُصلح إلغاؤها لاحقًا كلّ ضرر. وظيفة ضاعت، أو دراسة تعطّلت، أو استثمار أُلغي، قد تبقى نتائجها بعد انتهاء الخصومة القانونية.
أما التحقيقات فلا يمحوها أمر تنفيذي. يستطيع البيت الأبيض التمسّك بسرية مداولات محمية والطعن والتفاوض، لكنّ سلطة الكونغرس الرقابية قائمة، ضمن أغراضه المشروعة. وقد تستنزف الوثائق والاستدعاءات المسؤولين، وتضع الإدارة في موقف دفاعي، وتؤثّر في تماسك حلفائها، حتى دون نتائج سريعة.
اقتصاديًا، لا أتوقّع انهيارًا لمجرّد انقسام الحكم؛ فالرقابة قد تمنع إجراءً مكلفًا، والقضاء قد يعيد الثقة. لكنّ تقلّب الرسوم والتمويل يربك تقدير تكاليف الإنتاج، فيؤجّل المستثمر التوسّع والتوظيف. وقد تظهر الخسارة في مصنع لم يُبنَ، لا في مصنع أُغلق. كذلك قد تحمي الرسوم منتجًا محليًا وترفع تكلفة مصنع يستخدم مدخلات مستوردة.
وفي الإسكان، قد تُضعف زيادة تكاليف المواد والعمالة والتمويل وعود خفض الأسعار، بينما تملك الولايات والمحليات جانبًا مهمًا من تنظيم البناء. وإذا تعطّل الاتفاق على التمويل الحكومي، تتضرّر الخدمات والموظفون والمتعاقدون، وقد يدفع الخوف من المسؤولية الطرفين إلى تسوية. وضوح القواعد وخضوع السلطة للقانون عنصران أساسيان في الثقة الاقتصادية.
وسيُختبر الديمقراطيون بقدرتهم على تقديم بدائل، لأنّ الاكتفاء بالتعطيل يمنح ترامب فرصة تحميلهم مسؤولية الجمود. كما أنّ امتلاك المجلسين لا يعني القدرة على عزله؛ فالإدانة والعزل يتطلّبان موافقة ثلثي أعضاء الشيوخ الحاضرين. ولا تعني النتيجة انقلاب السياسة الخارجية فورًا.
الخلاف والطعن والاستئناف جزء من النظام؛ أمّا الخطر الأشدّ فيظهر عند رفض حكم قضائي واجب التنفيذ. أتوقّع مرحلةً يحدّد فيها تماسك الحزبين واستعدادهما للتفاوض مقدار ما ينتجه الصراع من تصحيح أو استنزاف. قد يقيّد الناخب ترامب دون إسقاطه، ويمنح خصومه أغلبية دون تمكينهم من فرض برنامجهم كاملًا؛ وبين التفويضين ستُختبر قوّة الدستور ومسؤولية القيادات.
د. محمود عباس
الولايات المتحدة الأمريكية



إرسال التعليق