سيكولوجيا أعمال الشغب والعنف: تحليل الدوافع المادية وغير المادية
محمد عبد الكريم يوسف
تُعدّ أعمال الشغب من أكثر أشكال العنف الجماعي إثارةً للجدل في الدراسات السيكولوجية والاجتماعية؛ إذ تفرض على الباحث سؤالاً يصعب تجنّبه: لماذا يقدم أفراد — في كثير من الأحيان من الفئات الأكثر تهميشاً — على تدمير بيئتهم المحلية وتعريض أنفسهم لعقوبات قانونية قاسية؟ وقد توزّعت الإجابات الأكاديمية بين تفسيرات تُرجِع الشغب إلى دوافع مادية (النهب، السعي إلى المكسب الاقتصادي، حرمان نسبي)، وأخرى تُشدّد على دوافع غير مادية (الهوية الجماعية، الانتقام، الكرامة، الإثارة، الشعور بالظلم). غير أن المراجعات المنهجية الحديثة تُظهر أن الفصل الحادّ بين هذين النوعين من الدوافع مضلِّل، وأن الفهم الأدقّ يقتضي تحليل تفاعلهما داخل السياق الاجتماعي والسياسي الذي ينشأ فيه الشغب.
ويهدف هذا البحث إلى تقديم تحليل أكاديمي منظّم لهذه الدوافع، من خلال استعراض الأدبيات السيكولوجية والاجتماعية المحكّمة، مع التركيز على التصنيفات النوعية لمثيري الشغب، ودور الشرطة كعامل محفّز، وصياغة تفسير تكاملي يتجاوز ثنائية “المادي/غير المادي”.
أولاً: الإطار التصنيفي: نحو تجاوز ثنائية المادي وغير المادي
قبل تحليل كل نوع من الدوافع على حدة، من الضروري الإشارة إلى أن الأدبيات المتقدّمة رفضت الافتراض القائل بأن وراء أعمال الشغب دافعاً واحداً مشتركاً. فقد لاحظ باحثون أن “لا يوجد سبب مقنع للاعتقاد بأن أي دافع مشترك يكمن وراء الأفعال المتعددة والمتنوعة للأفراد أثناء أعمال الشغب”، وأن الشغب قد يمتلك “خصائص ناشئة عن التنظيم الاجتماعي، لكن لا سبب لافتراض أن هذا التنظيم ينبع من دافع مشترك”. وبناءً على ذلك، طوّر ويلموت وأيونو (Willmott & Ioannou, 2017) تصنيفاً نوعياً لمثيري الشغب استناداً إلى تحليل 47 دافعاً متميزاً مستخلصاً من روايات مباشرة لمشاركين في أحداث الشغب الإنجليزية عام 2011، وُزّعت على أربعة أنواع: المحترف (Professional Rioter)، والمنتقم (Revengeful Rioter)، والمغامر (Adventurer Rioter)، والضحية (Victim-Centric Rioter). ويُظهر هذا التصنيف أن الدوافع المادية وغير المادية لا تتعارض، بل تتعايش وتتفاوت في الوزن النسبي من فرد إلى آخر، ومن سياق إلى آخر.
ثانيًا: الدوافع المادية — بين الجشع والضرورة والحرمان النسبي
1-النهب والمكسب الاقتصادي المباشر
يُعدّ النهب من أبرز مظاهر الشغب، وقد أظهر تحليل ويلموت للروايات المباشرة أن الدوافع المرتبطة بالنهب كانت الأكثر ذكراً في بياناته، إذ بدا أن قرار الشغب كان مدفوعاً بالدرجة الأولى بـ”المكسب المالي”. ويُجسّد “المحتال المحترف” هذا النمط أوضح تجسيد؛ فهو يرى في الاضطراب المدني “فرصة فريدة لارتكاب الجريمة” في فترة يقلّ فيها احتمال القبض عليه، ويركّز على “حيازة السلع للمنفعة الشخصية والمالية”. وقد ارتبط هذا النوع من الدوافع في أدبيات الاقتصاد السياسي بما يُعرف بـفرضية الجشع (Greed Thesis)، التي ترى أن الشغب قد يُحرَّض “بسبب الفوائد الاقتصادية التي تعود من المشاركة فيه”، وبما يُسمّى “مشكلة الراكب المجاني” التي تُحلّ بتقييد الحوافز الاقتصادية بالمشاركين الفعليين.
2-الحرمان النسبي: الفقر ليس مطلقاً بل مُقارناً
غير أن التفسير الاقتصادي لا يقتصر على “الجشع” الأناني. فـنظرية الحرمان النسبي (Relative Deprivation Theory)، التي صاغها غار (Gurr, 1970)، تُقدّم تفسيراً أكثر دقة: الشغب لا ينشأ من الفقر المطلق، بل من الفجوة المُدركة بين ما يملكه الفرد وما يعتقد أنه يستحقه بالمقارنة مع الآخرين. وكلما اتسعت هذه الفجوة المُدركة، “تصاعدت مشاعر الإحباط والاستياء، مما يزيد من احتمالية الانخراط في العنف الجماعي”. وقد أكدت تجارب مخبرية حديثة أن “عدم المساواة بين الجماعات لها تأثير سببي مباشر على الصراع بين المجموعات”. ويُفسّر هذا المنظور لماذا يمكن أن تشتعل أعمال الشغب في مجتمعات لا تعاني فقراً مطلقاً، لكنها تعاني تفاوتاً حاداً في توزيع الثروة والفرص.
3-التهميش الاقتصادي والضرورة المادية
إلى جانب الجشع والحرمان النسبي، تُبرز الأدبيات دافعاً مادياً ثالثاً هو الضرورة الاقتصادية. فقد أظهر تحليل روايات مثيري الشغب أن بعض المشاركين — وهم النوع “الضحية” (Victim-Centric) — برّروا أفعالهم بأنها “ضرورة عملية لتوفير السلع المادية الأساسية لعائلاتهم”، بسبب شعورهم بالفقر وتجاهل أصحاب العمل لهم وافتقادهم الفرص التي استفاد منها الآخرون. وفي السياق ذاته، أشارت دراسة عن أعمال الشغب في ستوكهولم (2013) إلى أن الشغب يمكن أن يكون نتيجة محتملة لعدم المساواة الاجتماعية والاقتصادية، من خلال آليات اجتماعية محدّدة وليس مجرد ردّ فعل آلي على الفقر.
ثالثًا: الدوافع غير المادية — الهوية والانتقام والكرامة والإثارة
1- الانتقام من السلطة: الدافع غير المادي الأبرز
إذا كان النهب هو الدافع المادي الأكثر ذكراً، فإن الانتقام هو الدافع غير المادي الأكثر بروزاً. فقد كشف تحليل ويلموت أن من بين الدوافع البارزة “الرغبة في الانتقام” من الشرطة والحكومة بسبب “التجارب غير العادلة والقاسية بشكل مفرط” التي أبلغ عنها مثيرو الشغب. ويصف النوع “المنتقم” كيف أن الاضطراب مثّل لهؤلاء “فرصة نادرة للانتقام من الشرطة والحكومة”، مع المتعة المستمدّة من “إظهار السلطات أنها فقدت السيطرة”. واللافت أن هؤلاء المنتقمين “كثيراً ما رفضوا فرص النهب” وأفادوا بأنهم “مدفوعون بعمق للحصول على القصاص” مما اعتبروه معاملة غير عادلة متكررة، وشعروا بالتمكين في presence آخرين مماثلين لهم في التجربة. وهذا يؤكد أن الدافع غير المادي (العدالة/القصاص) قد يتفوّق على الدافع المادي (المكسب) لدى بعض الفئات.
2- الهوية الاجتماعية المشتركة والتمكين الجماعي
يُفسّر نموذج الهوية الاجتماعية الموسَّع (ESIM) كيف تتحوّل الهوية الجماعية إلى قوة دافعة للعنف. ففي تحليل لأعمال شغب هارينجي (لندن 2011)، وُجد أن “هوية مشتركة معادية للشرطة سمحت بتجاوز التنافسات المحلية القائمة على الرموز البريدية”، مما شكّل “أساساً للعمل المُمكَّن” لا ضد الشرطة فحسب، بل “لمعالجة مظالم ورغبات أقدم”. والأهم أن التمكين الجماعي النفسي عمل في “حلقة تغذية راجعة إيجابية” (positive feedback loop)، حيث شكّل أحد أشكال التجسيد الجماعي الذاتي — وإدراك عجز الشرطة عن الاستجابة — “أساساً لمزيد من العمل”. وهذا يعني أن تدمير الممتلكات لم يكن مجرد وسيلة لتحقيق غاية مادية، بل كان أداة لتجسيد الهوية الجماعية وإثبات الوجود أمام جماعة خارجية (الشرطة/السلطة).
3- الكرامة والاعتراف والعدالة
تُشير أدبيات أحدث إلى أن أعمال الشغب قد تُفهم كفعل من التأكيد الذاتي الإيجابي واستعادة الكرامة (reclaimed dignity)، وكوسيلة لتأكيد “الشخصية الكاملة” للفرد. وفي السياقات العربية تحديداً، ارتبطت الاحتجاجات الجماعية بمفاهيم الكرامة والهوية التي تجاوزت المطالب المادية الضيقة؛ فقد وُصف “الاستيقاظ” العربي بأنه استيقاظ “لل pride الوطني والكرامة والحرية والعدالة والمساواة”. ويُظهر هذا أن الدوافع غير المادية لا تقتصر على الانتقام، بل تشمل السعي إلى الاعتراف الاجتماعي (recognition) وإعادة تعريف علاقة الفرد بالدولة.
4-الإثارة والمتعة: الدافع غير المادي “المغامر“
إلى جانب الدوافع “النبيلة”، تضمّ الدوافع غير المادية عناصر أكثر بساطةً. فقد وُجد أن النوع “المغامر” من مثيري الشغب كان مدفوعاً أساساً بـ”الرغبة في المتعة”، ورأى في المشاركة “فرصة للبحث عن الإثارة غير المقيّدة”. ووصف هؤلاء أنفسهم بأنهم “انجرفوا في اللحظة” ووصفوا أفعالهم بأنها “اندفاعية” لا تستهدف الحصول على سلع أو الانتقام. وتُذكّرنا هذه النتائج بأن الدوافع غير المادية ليست بالضرورة أخلاقية أو سياسية؛ فقد تكون تعبيراً عن حاجة نفسية إلى التحفيز في بيئة يُنظر إليها كرتيبة أو غير مُشبعة.
رابعاً: تفاعل الدوافع ودور الشرطة كعامل حاسم
1-الشرطة كمصدر ومَرمى للاضطراب
لا يمكن فهم سيكولوجيا الشغب دون تحليل العلاقة التفاعلية بين الحشود والشرطة. فقد أكدت الأدبيات أن “الاستخدام المُدرَك للقوة التمييزية من قبل أفراد الشرطة أصبح مفهوماً على أنه يوحّد الحشود ضد إنفاذ القانون”، وأن “التدخل الشرطي أصبح مصدراً وهدفاً للاضطراب”. والأهم أن الحضور الشرطي “العلني والمواجه” أثناء احتجاج أو تجمّع لحشد متوتر يمكن أن “يُشعل العنف” بدلاً من منعه، خاصةً عندما يكون للشرطة دور في القضية المحورية التي يُحتجّ عليها. وهذا يُظهر أن الدوافع غير المادية (الانتقام، الهوية المعادية للشرطة) لا تنشأ في فراغ، بل تتشكّل في تفاعل ديناميكي مع ممارسات السلطة.
2-من “الهوية المناهضة للشرطة” إلى “النهب”: تحوّل الدوافع أثناء الشغب
من أبرز الاكتشافات في الأدبيات أن الدوافع تتغيّر وتتحوّل أثناء مسار الشغب نفسه. ففي هارينجي 2011، وُثّق تحوّل نمط السلوك “من الهجمات الجماعية على أهداف الشرطة إلى النهب”. ويُفسَّر هذا التحول بأن الهوية المشتركة المناهضة للشرطة لم تُلغِ الدوافع المادية، بل أعادت ترتيب الأولويات؛ فبعد أن تحقق “التجسيد الجماعي الذاتي” ضد الشرطة، أصبحت الحشود المُمكَّنة أكثر استعداداً لصرف طاقتها نحو “مظالم ورغبات أقدم” — بما في ذلك الرغبات المادية. وهذا التحول يؤكد أن المادي وغير المادي ليسا نوعين منفصلين من الدوافع، بل مرحلتين أو وجهين لعملية واحدة تتطور بتطور علاقة القوة بين الحشد والسلطة.
خامساً: نحو تفسير تكاملي
استناداً إلى ما سبق، يمكن صياغة تفسير تكاملي يدمج الدوافع المادية وغير المادية في إطار واحد متعدد المستويات:
| مستوى الدافع | المادي | غير المادي |
| الدافع الأساسي | المكسب المالي، النهب، الضرورة الاقتصادية | الانتقام، الكرامة، الاعتراف، الهوية، الإثارة |
| النوع المقابل (ويلموت وأيونو) | المحترف + الضحية | المنتقم + المغامر |
| النظرية المفسِّرة | الجشع، الحرمان النسبي، التهميش الاقتصادي | ESIM، الهوية الاجتماعية، نزع الفردية، الاعتراف |
| السياق المحفِّز | أزمات اقتصادية، تفاوت حاد، بطالة | قمع شرطي، تهميش سياسي، إهانة جماعية |
| الوظيفة السيكولوجية | البقاء والتحسين المادي | استعادة السيطرة والكرامة والانتماء |
والخلاصة النظرية الأهم هي أن الفصل بين “المادي” و”غير المادي” فصلٌ تحليليّ لا وجوديّ. فالفرد الذي ينهب متجراً قد يفعل ذلك بدافع الحاجة الاقتصادية (مادي)، لكنه قد يختار متجراً بعينه لأن رمزيته تمثّل جماعة أو سلطة يُعاديهها (غير مادي). والفرد الذي ينتقم من الشرطة قد يفعل ذلك بدافع الكرامة (غير مادي)، لكنه قد يستهدف ممتلكات عامة لأن تدميرها يُمثّل انتصاراً ملموساً وقابلاً للقياس (مادي في أثره). وبناءً على ذلك، فإن السياسات الفعّالة للوقاية من الشغب لا يمكن أن تكتفي بمعالجة الحرمان الاقتصادي، ولا بالقمع الأمني، بل يجب أن تعالج الاحتياجات غير المادية للاعتراف والكرامة والعدالة بالتوازي مع معالجة الأسباب الهيكلية للمادية.
خاتمة
قدّم هذا البحث تحليلاً لسيكولوجيا أعمال الشغب والعنف، مُميّزاً بين الدوافع المادية (النهب، المكسب، الحرمان النسبي، الضرورة الاقتصادية) والدوافع غير المادية (الانتقام، الهوية، الكرامة، الاعتراف، الإثارة). وقد تبيّن أن التصنيفات النوعية الحديثة — كتصنيف ويلموت وأيونو — تُظهر أن هذه الدوافع تتعايش وتتفاوت في وزنها النسبي، وأن دور الشرطة كعامل محفّز يكشف عن الطبيعة التفاعلية للشغب. والاستنتاج المركزي هو أن فهم الشغب يتطلب تجاوز ثنائية “المادي/غير المادي” نحو تحليل الوظيفة السيكولوجية التي يؤديها كل دافع داخل سياقه الاجتماعي: فالتدمير والنهب والعنف ليست مجرد وسائل لتحقيق غايات، بل هي أيضاً خطابات تُعبّر عن الهوية والكرامة والغضب، وممارسات تُعيد تشكيل علاقة القوة بين الحشود والسلطات. ويبقى السؤال المفتوح للبحث المستقبلي: كيف يمكن تصميم سياسات وقائية تُخاطب الدوافع غير المادية (كالاعتراف والعدالة الإجرائية) دون أن تُهمل المادية (كعدم المساواة الاقتصادية)؟
المراجع
- Willmott, D., Long, M., Agneswaran, A., & Labhardt, D. (2024). Why do People Riot? Examining Rioter Motivations and the Role of the Police. Police Journal: Theory, Practice and Principles. https://doi.org/10.1177/0032258X241299620
- Willmott, D., & Ioannou, M. (2017). A narrative-based typology of rioters. Journal of Investigative Psychology and Offender Profiling (مُشار إليه في Willmott et al., 2024).
- Stott, C., Ball, R., Drury, J., Neville, F., Reicher, S., Boardman, A., & Choudhury, S. (2018). The evolving normative dimensions of ‘riot’: Towards an elaborated social identity explanation. European Journal of Social Psychology. https://doi.org/10.1002/ejsp.2376
- Drury, J., & Reicher, S. (2000). Collective action and psychological change: The emergence of new social identities. British Journal of Social Psychology, 39(4), 579–604.
- Gurr, T. R. (1970). Why Men Rebel. Princeton University Press. (مُشار إليه في مصادر الحرمان النسبي).
- ابن علي، رميل، وماحي، إبراهيم. (2017). سيكولوجية الشغب لدى الجماعات. مجلة الباحث في العلوم الإنسانية والاجتماعية، ع. 31 A، ص 43–52.
- Holdo, M., & Bengtsson, B. (2020). Marginalization and Riots: A Rationalistic Explanation of Urban Unrest. Housing, Theory and Society, 37(2), 162–179.
- Collier, P., & Hoeffler, A. (1999). On economic causes of civil war. Oxford Economic Papers (مُشار إليه في فرضية الجشع).
- Stott, C., & Drury, J. (2000). Crowds, context and identity: Dynamic categorization processes in the ‘poll tax riot’. Group Processes & Intergroup Relations, 2(4), 381–402.
- Postmes, T., & Spears, R. (1998). Deindividuation and antinormative behavior: A meta-analysis. Psychological Bulletin (مُشار إليه في أدبيات نزع الفردية).



إرسال التعليق