الزواحف البشرية تحكم العالم؟… حين يصبح سلوك دول أكثر غرابة من الأسطورة!

دكتور سليمان بن فالي

طالما سخرنا من تلك النظريات الهامشية التي تملأ زوايا الإنترنت المظلمة؛ تلك التي تؤمن بأن كائنات فضائية ذات أشكال زاحفة أو “بشر زواحف” (Reptilians) تسللوا عبر الثقوب الدودية ليحتلوا مقاعد الحكم في البيت الأبيض، والكرملين، ومراكز صنع القرار في عواصم الكوكب، يديرون مصائرنا كدمى في مسرح عرائس كبير. كنا نعدّها خرافات مسلية، هرباً من ضغط الواقع المرير.

لكن، وحين يمعن المرء النظر في سلوكيات بعض الدول الكبرى، وقرارات مجالس الأمن، والتحالفات الدولية الهشة، والحروب العبثية التي تدار ببرود أعصاب غريب أمام شاشات التلفزيون، يبدأ بالتساؤل الممتزج بالدهشة: وما المانع أن تكون تلك الزواحف الخرافية أرحم وأكثر عقلانية مما نراه اليوم من السلوك البشري الرسمي؟

فحين تتصرف دول بأكملها وكأنها خلعت عنها كل رداء إنساني وأخلاقي، تصبح نظرية “الزواحف” مجرد محاولة ساذجة لتبرير قباحة وجشع الإنسان حين يُطلق العنان لغرائزه!

1. برود القرار السياسي: هل هم بشر حقاً؟

حين تابع العالم، ولا يزال، مشاهد الدمار والتهجير والمجاعات المصطنعة في أكثر من بقعة ساخنة من العالم، تتبادر إلى الذهن أسئلة وجودية حارقة: كيف يمكن لمسؤولين في دول عظمى أن يشاهدوا أطفالاً يُبادون، ومدناً تُمحى عن آخرياتها، ثم يخرجون بكل ثقة ليتحدثوا عن “حق الدفاع عن النفس” أو “الحفاظ على المصالح الاستراتيجية” بملامح باردة وصوت رتيب؟

إن هذا البرود العاطفي المطلق هو ما يغذي أسطورة الزواحف البشرية؛ فالإنسان بطبيعته جُبل على التعاطف والوجدان، أما هؤلاء السياسيون فيبدو أنهم استبدلوا قلوبهم بقطع غيار إلكترونية أو حراشف باردة لا تهتز لها عاطفة. وحين يصبح إرسال أطنان من القنابل لقتل المدنيين مجرد “بند في الميزانية” أو “صفقة تصدير سلاح” تنعش الاقتصاد المحلي، فإننا لا نكون أمام سياسة بشرية طبيعية، بل أمام مسوخ سياسية نزعت عنها كل طابع بشري.

. لغة الدبلوماسية: قناع بشري تحته أنياب

انظر إلى الخطابات الرسمية في الهيئات الدولية؛ لغة مزخرفة، فضفاضة، تتشدق بالديمقراطية، وحقوق الإنسان، والقانون الدولي، وحماية الحريات. لكن ما إن يُغلق باب القاعة حتى تتحول تلك المبادئ إلى صفقات تحت Table (تحت الطاولة)، وتقاسم لمناطق النفوذ، وثروات الشعوب المستضعفة.

هذا الانفصام الهائل بين ما يُقال علناً وما يُمارس سراً يشبه تماماً حبكة الأفلام الخيالية عن كائنات تتخفى في أشكال بشرية مقبولة، بينما تخفي حقيقتها المفترسة تحت الجلد المستعار. الفرق الوحيد هو أن الكائنات الوهمية في السينما تخلع أقنعتها في نهاية الفيلم، بينما ساسة العالم يرتدون أقنعتهم الدائمة ليلاً ونهاراً دون خجل!

الاقتصاد السياسي للتوحش: عندما يصبح الجشع ديانة

في عالمنا المعاصر، لم يعد الكوكب يُدار بقيم العدالة أو التضامن الإنساني، بل بما تمليه “خوارزميات الجشع”. شركات عابرة للقارات، ومجمع صناعي عسكري يقتات على حروب الآخرين، ودول كبرى ترى في استقرار الشعوب الأخرى تهديداً لأسواق سلاحها ومصادر طاقتها.

حين تصبح حياة الملايين من البشر مجرد أرقام تُسقط أو تُضاف في البورصات العالمية، وحين يُحاصر شعب كامل ويُترك للجوع والمرض لأن خياراته السياسية لا تعجب الإمبراطورية الفلانية، فإننا لسنا بحاجة للبحث عن “زواحف فضائية”؛ فالرأسمالية المتوحشة أنتجت نسخاً بشرية تفوق الزواحف شراسة وقسوة، لأن الزواحف الحقيقية تقتل لتمتلئ بطونها فقط، بينما الإنسان المتوحش يقتل لتمتلئ حساباته في البنوك السويسرية!

عودة إلى الواقع.. الإنسان هو المفترس الأكبر

في النهاية، قد يكون من المريح جداً أن نلصق كل هذه الكوارث والحروب والانحطاط الأخلاقي بـ “كائنات فضائية” أو “زواحف سرية” تدير خيوط الكوكب من الخلف، فنريح عقولنا من عبء التفكير والمواجهة.

لكن الحقيقة المؤلمة والساخرة في آنٍ واحد هي أن الإنسان نفسه هو من اخترع كل هذه الشرور. فلا حاجة لنا باختراع أعداء من الكواكب الأخرى، بينما نحن نعيش في عالم يصنع فيه بنو آدم أبشع أنواع الاستعباد والتوحش باسم الحضارة والتقدم. وحين يتساءل أحدهم بيقين ساخر: “هل الزواحف تحكم العالم؟”، ربما يكون الجواب الأدق: بل إن الإنسان، حين يتخلى عن إنسانيته، يصبح أسوأ نسخة عرفها التاريخ من أي كوكب كان!

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك