هل بدأ مشروع مورينيو في ريال مدريد ؟

لكل موسم كروي طويل محطات مفصلية تفصل ما قبلها عما بعدها، ولحظات إشراق تعيد ترتيب الأوراق وتصصح المسار. ولعل الفوز المدوي الذي حققه ريال مدريد في معقل الكلاسيكو لم يكن مجرد ثلاث نقاط تُضاف إلى جدول الترتيب، بل كان نقطة التحول الكبرى وخريطة الطريق التي يجب أن يبني مورينيو بقية الموسم عليها.
ففي المباريات السابقة، عانى الفريق من ضبابية في الهوية الكروية؛ إذ كان المدرب يعتمد بشكل مفرط على القوة البدنية الخالصة، وسرعات اللاعبين، واللعب المباشر البحت، مما أدى إلى غياب أسلوب لعب واضح ومعالم تكتيكية ثابتة، تزامناً مع كثرة التغييرات والتدوير في التشكيلة. غير أن مباراة اليوم جاءت كالنقيض تماماً؛ لقد كانت ملحمة استحواذ وتحكم، لعب فيها الملكي بعقول هادئة وأقدام تحتفظ بالكرة وتدير إيقاع الميدان ببراعة الكبار.
أولاً: هندسة التشكيلة.. هكذا يستقيم البنيان
أفرزت موقعة الكلاسيكو قناعات تكتيكية صارمة لا تقبل التراجع، ودروساً فنية يجب أن ترسخ في أذهان الطاقم الفني طوال المشوار:
- فالفيردي في مكانه الصحيح: لقد أثبت اللقاء بما لا يدع مجالاً للشك أن فديريكو فالفيردي يجب أن يبقى في رواق الظهير الأيمن أو جناحاً يمينياً عند الحاجة القصوى، وألا يعود إلى خط الوسط أبداً؛ فقطعه للمساحات من هناك يصنع الفارق الهائل.
- استقرار الدفاع وتطور الثنائيات: ثنائية هاوسن وكوناتي في خط الظهر تظهر يوماً بعد يوم تفاؤلاً وتطوراً كبيراً، وكلما زادت مبارياتهما سوياً، كلما زاد الانسجام والصلابة الخلفية.
- كوكوريلا والجناح المساند: أثبت مارك كوكوريلا أنه عندما يجد جناحاً يسانده ويغطي مساحاته، يظهر بأفضل شكل ممكن، محولاً جبهته إلى حصن منيع وشريان هجومي ضارب.
- تشواميني في مهامه الأصلية: أظهرت المباراة أن أوريليان تشواميني يكون في أهبّ حالاته حين يمتلك إلى جواره لاعبين يجيدون التحكم بالكرة والخروج بها من الخلف. تشواميني لاعب تكسير هجمات وافتكاك حديدي، ولا يصلح أبداً ليكون هو من يبني اللعب ويقود الخروج بالكرة.
- برناردو سيلفا ركيزة لا غنى عنها: يجب أن يكون برناردو سيلفا أساسياً في جميع المباريات الكبرى والصعبة، مع إراحته بحكمة في المباريات السهلة للحفاظ على سحر قدميه ودقته في ربط الخطوط.
- جود بيلينجهام واللعب الجماعي: يحتاج بيلينجهام إلى اللعب بأقصى بساطة مع الفريق، وتقليل الاحتفاظ الزائد بالكرة في الأماكن الحرجة لتسريع رتم الهجمة المرتدة.
- ديوماندي ومبابي.. معادلة الحسم والصلابة: عمران ديوماندي فرض نفسه كعنصر أساسي لا مساومة عليه في جميع المباريات المقبلة لما يملكه من قوة وشراسة، بينما يبقى كيليان مبابي بحاجة إلى مضاعفة الضغط البدني والتكتيكي لخدمة المنظومة الجماعية.
موسم ريال مدريد بدأ اليوم!
لقد أثبت مورينيو بحنكته المعهودة أن الفرق الكبرى لا تبنى بالأسماء العشوائية، بل بالاستقرار على هوية واضحة تستغل إمكانيات اللاعبين بأفضل شكل ممكن.
بهذه اللوحة الفنية المتكاملة، وبهذا التنظيم الحديدي الذي أربك حسابات الخصوم، يمكننا القول بيقين مطلق: موسم ريال مدريد الحقيقي بدأ الآن، والطريق نحو المجد أصبح معبداً لمن يقرأ الدروس جيداً!



إرسال التعليق