“تمثيل دور المجنون”… للبقاء على قيد الحياة!

الكاتبة هناء حلمي (بتصرف ساخر)

في هذا العالم المليء بـ “العقلاء” الذين يملأون الدنيا ضجيجاً وتخطيطاً، والذين يسهرون الليالي ليفكروا في كيفية إقناع مديرهم، أو إرضاء حمواتهم، أو تسديد الفواتير المتراكمة؛ ظهرت نظرية اجتماعية غير معلنة، لكنها أثبتت جدارتها عبر العصور، وهي نظرية: “تمثيل دور المجنون”.

إنها ليست مجرد حيلة عابرة، بل هي “دبلوماسية وقائية” ومهارة عليا لا يتقنها إلا أصحاب النفوس الهادئة والأعصاب الفولاذية الذين قرروا التقاعد مبكراً من حروب الحياة المجانية!

البند الأول: كيف تتهرب من المهام الشاقة دون أن يلومك أحد؟

إذا كنت في العمل، وطلب منك مديرك إنجاز تقرير من مئة صفحة في ظرف ساعتين، فلا تدخل معه في جدال منطقي، ولا تعتذر بالانشغال؛ لأن “العاقل” يلقى على كاهله المزيد من العمل دائماً!

كل ما عليك فعله هو أن تنظر إلى السقف ببلادة مفاجئة، وابتسم ابتسامة عريضة غير مبررة، واهمس بنبرة الغائب عن الوجود:

— “أستاذي العزيز.. هل تعتقد أن الطيور تغرد بنفس الطريقة في الفضاء الخارجي؟”

هنا، سينظر إليك المدير بذهول، يمسك بملفه، ويغادر مكتبك بهدوء، وهو يحمد الله أنه لم يكلفك بمهام استراتيجية تؤدي للانهيار المالي للشركة. مبارك عليك! لقد نجحت في “تمثيل دور المجنون” وحميت وقتك وصحتك النفسية!

البند الثاني: السلاح الفتاك في المشادات العائلية والاجتماعية

في جلسات العائلات حيث يبدأ الجدال الأزلي حول الأسعار، من تزوج من، ولماذا لم تشتري سيارة جديدة حتى الآن؛ يندفع العاقل ليدافع عن نفسه ويشرح ظروفه الاقتصادية. أما الشاطر الذي يمارس “الجنون التصنعي”، فيستمع لشتائم الجميع وعتابهم، ثم يميل برأسه فجأة، وينظر إلى زاوية الغرفة الفارغة قائلاً بصوت مسموع:

— “نعم.. نعم يا صديقي المرئي، معك حق، إنهم لا يفهمون شيئاً!”.

في هذه اللحظة، سينتهي الجدال فوراً، وسيتحول الجميع من معاتبتك إلى تقديم كوب من الماء الساخن مع التوعية بضرورة الحصول على قسط من الراحة، ولن يجرؤ أحد على فتح أي موضوع معك طوال السهرة!

البند الثالث: قوانين الممارسة الاحترافية للفن

لكي تتقن هذا الفن على طريقة الكاتبة هناء حلمي وبلمسة ساخرة، عليك اتباع القواعد التالية:

  1. العيون المتسعة: مارس مهارة التحديق في الفراغ أثناء الكلام. الجاذبية تشد الناس للعقلاء، لكن العيون المتسعة تشدهم للخلف خطوات إلى الوراء!
  2. الإجابات الخارجة عن السياق: إذا سألك أحدهم: “كم الساعة؟”، لا تقل له “الثامنة”، بل رد بثقة: “اليوم مناسب جداً لزراعة البصل”.
  3. الابتسامة المفاجئة: ابتسم فجأة في منتصف الحوار الجاد دون سبب، ثم استدر وواصل عملك كأن شيئاً لم يكن.

ختاماً.. من هو المجنون الحقيقي؟

في النهاية، يبدو أن “المجنون” في زماننا هذا ليس هو من يرتدي ملابس غريبة أو يتحدث مع الأشجار، بل هو ذلك “العاقل المسكين” الذي يأخذ كل شيء على محمل الجد، ويحرق أعصابه ليقنع العالم بأنه ذكي ومثالي!

أما العاقل الحقيقي، فهو من يرتدي “قناع الجنان” عند الحاجة، ليمر بسلام من وسط الزحام، ويردد في سره: «يا بخت من استجن.. فاستراح!».

إرسال التعليق