غوارديولا آخر الرجال المحترمين ..بيب غوارديولا ودروس الشجاعة في زمن الصمت

ليس كل من امتلك النفوذ امتلك الشجاعة، وليس كل من اعتلى المنصات الأضواء أدرك أن للكلمة مسؤولية تاريخية وأخلاقية. وفي زمنٍ صار فيه وجع الشعب الفلسطيني في قطاع غزة المنكوب خبراً يمرّ سريعاً على شاشات التلفاز، حتى يخشى العارفون أن يعتاد العالم المأساة وتتبلد المشاعر، يخرج صوت من أروقة الملاعب وعوالم كرة القدم ليذكّر البشرية جمعاء بأن الإنسان ليس مجرد رقم قياسي، وأن أطفال غزة ليسوا تفصيلاً عابراً في نشرات الأخبار اليومية.

هناك مواقف لا تُقاس بمقدار ما يكلّف صاحبها من مال أو عقود، بل بما تكشفه من حيّة الضمير ونقاء المعدن. وهناك كلمات تخرج من أفواه أشخاص لم يولدوا في أرض فلسطين المباركة، ولم يحملوا جنسيتها، ولم يعيشوا ظلمات القصف والحصار وضيق العيش، لكنها تلامس وجدان الفلسطينيين وأحرار العالم؛ لأنها تنحاز إلى الإنسان بصفته المجرّدة، حين يصبح صوته محاصراً، وحقه الأصيل في الحياة موضع انتهاك وتهميش.

موقف إنساني يتجاوز حدود المستطيل الأخضر

في هذا السياق المتأزم، يعود اسم المدرب الإسباني الشهير بيب غوارديولا إلى الواجهة؛ لا بسبب بطولة كروية جديدة يُضيفها إلى سجله الحافل، ولا بسبب انتصار تكتيكي في دوري الأبطال، بل بسبب موقف إنساني صريح أعاد طرح سؤال موجع على الضمير العالمي: كيف يمكن لرجل ينتمي إلى عالم الرياضة بكل ما فيه من منافسة وأضواء وصناعة ترفيهية، أن يجد في مأساة فلسطين قضية تستحق الكلام والتضحية، بينما يختار آخرون—ممن يملكون سلطة أوسع وثروة أكبر وجماهيرية أضخم—الصمت المريب أو الاكتفاء بمواقف ضبابية لا تتجاوز حدود المجاملات الروتينية؟

لقد جدّد غوارديولا دعمه الصريح للشعب الفلسطيني عبر رسالة مصوّرة نُشرت عبر الحساب الرسمي لوكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) باللغة الإسبانية؛ داعياً إلى استمرار التضامن العالمي والدفاع عن الحقوق المشروعة للفلسطينيين، ومحذّراً بشدة من أن تتحول معاناة أطفال غزة ودمار مدنهم إلى مشاهد مألوفة يفقد العالم أمامها إحساسه بالمسؤولية الأخلاقية والواجب الإنساني.

إنها رسالة شديدة التكثيف تتجاوز حدود كرة القدم وتكتيكات التدريب، وتضع المجتمع الدولي برمته أمام امتحان أخلاقي حقيقي؛ امتحان لا يخص غوارديولا وحده، بل يخص كل إنسان يمتلك لساناً يستطيع أن يتكلم به، وكل صاحب نفوذ قادر على التأثير، وكل شخصية عامة تدرك أن لرسالتها صدى يتردد بين ملايين المتابعين حول العالم.

غوارديولا يذكّرنا بما يجب ألا ينساه العالم

غوارديولا ليس سياسياً عربياً، ولا رئيس دولة إسلامية، ولا زعيماً يحمل راية التحرر الوطني في الخطابات الرسمية والمحافل الدولية. إنه مدرب كرة قدم إسباني صنع اسمه في أرقى الملاعب الأوربية، وامتلك شهرة عالمية جعلت من كلماته محط اهتمام وسائل الإعلام العابرة للقارات. ومع ذلك، لم يتردد في أن يتحدث بوضوح عن أطفال غزة، وعن العائلات التي تبحث عن أحبائها بين أنقاض المنازل المدمّرة، وعن بشر لا يجوز بأي حال من الأحوال اختزالهم في مجرد أرقام وإحصاءات صماء في التقارير الدورية.

في رسالته الأخيرة، شدد غوارديولا على أن ضحايا هذه المأساة ليسوا مجرد أرقام تُقرأ في النشرات، بل هم أصحاب أسماء، ووجوه، وعائلات، وأحلام، وذكريات؛ وأن حياتهم وكرامتهم لا تقل قيمة عن حياة أي إنسان في هذا العالم. كما جدد دعوته الأكيدة إلى عدم نسيان فلسطين، ومواصلة التضامن الشعبي والدولي معها، ودعم الجهود الإنسانية والعمليات الإغاثية الحيوية التي تقدمها وكالة “الأونروا” للنازحين والمنكوبين.

وهنا تحديداً تكمن أهمية موقفه الاستثنائي:

  • ليس لأنه يمتلك عصا سحرية لإنهاء الحرب بكلمة،
  • ولا لأنه يمسك بمفاتيح الحلول السياسية والعسكرية،
  • بل لأنه يدرك تماماً أن “الصمت العام” هو الخطر الأكبر الذي يساهم في تهميش المأساة وطمس الحقيقة.

لقد برهن غوارديولا على أن الشهرة ليست مجرد زينة اجتماعية أو وسيلة لجمع الثروات وعقود الرعاة، وإنما هي مسؤولية ووسيلة إخلاقية لإيصال صوت من لا صوت لهم، وإعلاء كلمة الذين لا يجدون منبراً يعبرون منه عن أوجاعهم.

إن القيمة الحقيقية للشهرة وأصحاب المنصات تظهر جلياً عندما يقرر صاحبها أن يضع نجوميته في خدمة قضية إنسانية عادلة لا تضمن له بالضرورة التصفيق من الجميع، وقد تكلفه هجومات من أطراف نافذة. والموقف الأخير لغوارديولا ليس نشازاً في مسيرته؛ فقد سبق له في مناسبات متعددة أن عبر عن ألمه العميق إزاء ما يشهده المدنيون في غزة، داعياً إلى إيقاف المأساة وتفعيل التعاطف الإنساني، مما يجعل رسالته الأخيرة امتداداً لموقف مبدئي وثابت، لا مجرد ظهور عابر في حملة علاقات عامة.

السؤال الأكثر إيلاماً: أين أصحاب التأثير والنفوذ؟

أمام هذه المبادرة من مدرب ينتمي لخلفية غربية ولعالم احترافي صارم، يبدأ السؤال الأكثر إيلاماً، والأشد إحراجاً للضمير الجمعي: أين أصحاب المال والسلطة والشهرة في العالم العربي والإسلامي؟

إذا كان رجل من خارج ثقافتنا وديننا ورقعتنا الجغرافية يرى في نصرة فلسطين والتضامن مع غزة واجباً إنسانياً لا يقبل المساومة، فلماذا يبدو صوت بعض أصحاب النفوذ والتأثير في عالمنا العربي والإسلامي باهتاً أو خافتاً لا يتناسب مطلقاً مع حجم ما يمتلكونه من إمكانات وموارد؟

إن طرح هذا السؤال ليس من باب التعميم الإلغائي، ولا ينكر بحال وجود سياسيين، وناشطين، وفنانين، وإعلاميين، ورجال أعمال، ومؤسسات عربية وإسلامية اتخذوا مواقف مشرفة، وساهموا في حملات الإغاثة، وقدموا دعماً مادياً وسياسياً ومعنوياً لا ينكره إلا جاحد. فهناك من تكلم بجرأة، ومن تبرع بسخاء، ومن خاطر بمصالحه الشخصية وسمعته الدولية في سبيل الدفاع عن الحق الفلسطيني.

لكن وجود هذه الأمثلة المشرقة لا يرفع العتب ولا يلغي التساؤل الحائر عن الفئات التي تمتلك ثروات هائلة، ومواقع سياسية وتنفيذية مؤثرة، ومؤسسات إعلامية واسعة النطاق، وملايين المتابعين على منصات التواصل الاجتماعي، ثم لا نرى لها أثراً ملموساً أو موقفاً صريحاً يتناسب مع حجم هذه الفاجعة الإنسانية:

  1. أين المبادرات الاستراتيجية التي تتناسب مع حجم الثروات والإمكانات الاقتصادية في المنطقة؟
  2. أين الحملات الإعلامية المنسقة والمستمرة باللغات العالمية لتأطير المعاناة الفلسطينية وفرضها على الأجندة الدولية؟
  3. أين الضغط السياسي والاقتصادي المنظم والمستدام لحماية المدنيين وفرض فتح المعابر وشرايين الحياة لغزة؟
  4. وأين أصوات المشاهير الذين تملأ وجوههم الشاشات وتتصدر أسماؤهم الإعلانات في المناسبات الفنية والرياضية، بينما يلوذون بالصمت أو الحياد السلبي حين يتعلق الأمر بأطفال يُنتشلون من تحت الركام؟

الشجاعة موقف والكلمة موقف

إن موقف بيب غوارديولا يضع الجميع أمام المرآة؛ فهو ينزع الذرائع عن كل من يتحجج بـ “عدم التخصص” أو “تجنب إقحام الرياضة والفن في السياسة”. لقد أثبت المدرب الإسباني أن القضايا الإنسانية الكبرى ليست سياسة مجردة، بل هي محك أخلاقي يرتبط بصلب المفاهيم البشرية عن العدالة والكرامة وحق الحياة.

إن التاريخ لا يسجل الألقاب والكؤوس والأموال بقدر ما يسجل المواقف التي اتخذها الرجال في الأوقات العصيبة. وسيظل صوت غوارديولا ورسائله للإنسان في غزة شهادةً على أن الضمير الحي لا يعترف بالجنسيات ولا بالحدود، وأن الشجاعة الحقيقية هي أن تجرؤ على الكلام عندما يفضل الآخرون سلامة الصمت.

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك