قراءة في خريطة نتنياهو للشرق الأوسط الجديد

حمزة يحي

في مشهد يعكس حالة الهوس الأمني وإعادة ترسيم الموازنات الجيوسياسية في المنطقة، استعرض رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خريطة تفصيلية للتكتلات والتحالفات في الشرق الأوسط، مصنفاً القوى الإقليمية والدولية ضمن شرائح متعددة تحت عنوان عريض: “التهديدات الرئيسية والتحالفات المضادة”. لم تكن هذه الخريطة مجرد استعراض إعلامي، بل قراءة أيديولوجية وعملياتية تعكس كيف تنظر المؤسسة الأمنية والسياسية في إسرائيل إلى البيئة المحيطة بها، وكيف تحاول فرض تقسم جديد للمنطقة يخدم استراتيجيتها الاستئصالية والتحالفية في آن واحد.

أولاً: “محور المقاومة”.. التهديد المباشر والممتد

وضعت الخريطة الإسرائيلية في مقدمة الخصوم والأعداء المباشرين ما أطلقت عليه اسم “محور المقاومة”، والذي يضم إيران إلى جانب الفصائل والجماعات المتحالفة معها: حماس في فلسطين، حزب الله في لبنان، أنصار الله (الحوثيين) في اليمن، والمقاومة الإسلامية في العراق.

يعكس هذا التصنيف الإدراك الإسرائيلي بأن المواجهة لم تعد محصورة في جغرافية محددة أو مع طرف واحد، بل أصبحت مواجهة متعددة الجبهات مع شبكة مترابطة تتمتع بمرونة عالية وقدرة على التنسيق العسكري واللوجستي. وتعتبر تل أبيب أن هذا المحور يشكل الخطر الوجودي الأول الذي يسعى لفرض حزام ناري حول حدودها.

ثانياً: “التحالف السداسي” والمليشيات الحليفة.. عمق النفوذ الإسرائيلي

على الطرف المقابل، رسم نتنياهو معالم ما أسماه “التحالف السداسي”، وهو تكتل جيوسياسي يضم إسرائيل إلى جانب الإمارات، أذربيجان، الهند، إثيوبيا، واليونان. يمثل هذا التكتل المحور المحوري الذي تعتمد عليه إسرائيل لتأمين منافذها البحرية والتجارية، وتوسيع شراكاتها الاستخباراتية والعسكرية من شرق المتوسط إلى القرن الأفريقي وجنوب آسيا.

ولم تتوقف الخريطة عند الدول الرسمية، بل أدرجت ضمن هذا النطاق حركات ومليشيات غير نظامية تُعتبر حليفة أو متقاطعة المصالح مع هذا التوجه، وفي مقدمتها قوات الدعم السريع في السودان والقوات التابعة لشرق ليبيا (معسكر بنغازي – حفتر). يعكس هذا الإدراج صراحة الاستراتيجية الإسرائيلية في توظيف الفاعلين من غير الدول لضمان نفوذ جيوستراتيجي في مناطق التماس الإقليمي.

ثالثاً: “التحالف الماسي السني”.. ثقل التوازن القومي والديني

أفردت الخريطة مساحة خاصة لتكتل قائم بذاته أُطلق عليه اسم “التحالف الماسي السني”، ويضم أربع قوى إقليمية ودولية بارزة: تركيا، السعودية، مصر، وباكستان.

يمثل هذا المحور القوة الصلبة والديمغرافية والعسكرية الأكبر في العالم الإسلامي. وترى إسرائيل في هذا التكتل قوة موحدة مفترضة امتلكت مفاتيح التوازن الاستراتيجي؛ فمصر وتركيا والسعودية تشكل الثقل السياسي والاقتصادي، بينما تضيف باكستان البعد النووي والعمق الأسيوي. بالرغم من وجود تباينات بين دول هذا المحور في بعض الملفات، إلا أن الرؤية الإسرائيلية تصنفه ككتلة منافسة ومؤثرة لا يمكن تجاهلها أو صدها بسهولة.

رابعاً: شبكة الأصدقاء والحياد المؤطر

قسمت الخريطة بقية دول المنطقة والعالم إلى فئات استراتيجية وفقاً لقربها من المحاور الأساسية:

  1. الدول الصديقة للتحالف السني الماسي: ضمت هذه القائمة كلاً من: قطر، سوريا، الأردن، الحكومة اليمنية المعترف بها، السودان، الكويت، البحرين، السلطة الفلسطينية، حكومة طرابلس في ليبيا، والصومال. تُعتبر هذه الدول وفق الرؤية الإسرائيلية مجالاً حيوياً للتحالف السني ومناطق نفوذ تقاوم التمدد الإيراني ولكنها تلتزم بسقف سياسي محدد.
  2. الدول الصديقة لإيران: شملت التصنيفات كلاً من سلطنة عمان، روسيا، والهند. ويُبرز هذا التصنيف فهم تل أبيب لطبيعة العلاقات المفتوحة والمائعة التي تقيمها هذه الأطراف مع طهران، سواء عبر الوساطات الدبلوماسية (عُمان)، أو الشراكات الاستراتيجية والعسكرية والتجارية (روسيا والهند).

خامساً: موقع الهند المزدوج.. مفصل الشراكات التناقضية

من أكثر النقاط لفتةً للانتباه في خريطة نتنياهو هي المكانة الاستثنائية التي حظيت بها الهند. فقد ظهرت نيو دلهي في أكثر من موقع؛ إذ تم إدراجها كعضو رئيسي في “التحالف السداسي” المقرب من إسرائيل، وفي الوقت ذاته صُنّفت كدولة صديقة لكل من إيران والتحالف السني الماسي.

يعكس هذا التصنيف الإسرائيلي واقع السياسة الخارجية الهندية القائمة على “اللاقياض المتعدد” (Multi-alignment). فالهند تجمعهما بشراكة استراتيجية وتكنولوجية وعسكرية واسعة مع إسرائيل، وفي المقابل ترتبط بعلاقات تاريخية ومصالح طاقة وموانئ حيوية (مثل ميناء شابهين) مع إيران، وتنفذ شراكات اقتصادية ضخمة مع دول الخليج ومصر. يرى نتنياهو في الهند جسراً حيوياً يربط إسرائيل بآسيا، ولكنه يدرك في الوقت ذاته صعوبة احتكار موقفها في صراع المربعات الإقليمية.

خلاصة: هواجس العزلة ورهان التقسيم

إن الخريطة التي استعرضها نتنياهو لا تعكس الواقع القائم بقدر ما تعكس الرغبة الإسرائيلية في هندسة هذا الواقع. هي محاولة لتأطير المنطقة في معسكرات أبيض وأسود، وشرعنة الاختراقات الأمنية عبر تحالفات عابرة للإقليم، ودق أوتاد الفتنة بين التكتلات الإقليمية.

غير أن هذه الرؤية الاختزالية تصطدم بشرط التاريخ والسياسة؛ فالتحالفات الإقليمية في الشرق الأوسط ليست مرسومة بالبركار، بل هي تحالفات متحركة ومائعة تُعيد تشكيل نفسها باستمرار وفقاً للمصالح الوطنية لكل دولة، بعيداً عن أوهام السيطرة الإسرائيلية ومشاريع إعادة الترسيم.

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك