انتقادات أوباما الشديدة للسياسات الإسرائيلية: تحول استراتيجي في السجال الأمريكي-الإسرائيلي
توماس بولوس / مترجم
تُعتبر العلاقات بين واشنطن وتل أبيب واحدة من أكثر التحالفات الاستراتيجية عمقاً وتأثيراً في السياسة الدولية، إلا أنها شهدت في عهد الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما مواقف وانتقادات حادة غير مسبوقة وجهتها الإدارة الأمريكية للسياسات الحكومية الإسرائيلية. ولم تقتصر هذه الانتقادات على الغرف المغلقة، بل خرجت إلى العلن في مناسبات عديدة كاشفة عن تباين عميق في الرؤى بشأن مستقبل السلام والأمن في الشرق الأوسط.
مكمن الخلاف: حل الدولتين وسياسة الاستيطان
كان الخلاف الجوهري يتمركز حول ملف الاستيطان الإسرائيلي في الضفة الغربية والقدس الشرقية، ورؤية أوباما لمستقبل “حل الدولتين”. وحذّر أوباما في تصريحاته ولقاءاته الصحفية بشكل متكرر من أن التوسع الاستيطاني المتواصل يقوض فرص إقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة، ويضع إسرائيل أمام خيار صعب بين أن تكون دولة ديمقراطية أو دولة يهودية.
وأكد أوباما في أكثر من مناسبة أن الدعم الأمريكي الأمني والتاريخي لإسرائيل لا يعني الصمت عن الخطوات التي تضر بأمنها طويل الأجل، مشيراً إلى أن الاستمرار في سياسة الأمر الواقع يكرس العزلة الدولية لإسرائيل ويغذي مشاعر الاحتقان في المنطقة.
الاتفاق النووي مع إيران: الذروة في التوتر
بلغت حدة الانتقادات والتباين ذروتها خلال المفاوضات الإبرام للاتفاق النووي الإيراني (JCPOA) عام 2015. وفي حين خاضت الحكومة الإسرائيلية بقيادة بنيامين نتنياهو معارضة علنية وشرسة ضد الاتفاق وصل حد إلقاء كلمة أمام الكونغرس الأمريكي دون تنسيق مع البيت الأبيض، ردّ أوباما بمواقف قاسية، مؤكداً أن البديل للحل الدبلوماسي والاتفاق هو الحرب، داعياً القادة الإسرائيليين للتحلي بالنظرة الاستراتيجية والواقعية بدلاً من الشكوك المسبقة.
القرار 2334: الرسالة الأخيرة في مجلس الأمن
شكل الامتناع الأمريكي عن استخدام حق الفيتو في ديسمبر 2016 ضد قرار مجلس الأمن رقم 2334—الذي أدان الاستيطان الإسرائيلي واعتبره بلا شرعية قانونية—ذروة الموقف الحاسم لإدارة أوباما قبل مغادرتها البيت الأبيض. واعتُبر هذا القرار بمثابة رسالة أخيرية وتوبيخ ناعم ولكنه صارم للسياسات الإسرائيلية، وتأكيداً على أن واشنطن لن تحمي سياسات تتناقض مع أسس السلام المستدام.
خلاصة
لم تكن انتقادات أوباما لإسرائيل نابعة من رغبة في التخلي عن التحالف، بل من رؤية تُصر على أن حماية إسرائيل والتزام أمريكا بأمنها يقتضيان قول الحقيقة للداخل الإسرائيلي. وقد أثبتت تلك الحقبة أن المصلحة الاستراتيجية للولايات المتحدة قد تتقاطع وتختلف مع القرارات التكتيكية للحكومات الإسرائيلية، فتحت باباً واسعاً للنقاش حول مستقبل العلاقات الأمريكية-الإسرائيلية في العقود القادمة.



إرسال التعليق