قراءة تحليلية في مآلات حرب الاستنزاف وتكلفة اللاعودة في اليمن

حين يرتفع صوت العقل وسط ضجيج الطبول ونشوة الوعود الزائفة بالانتصار السريع، غالباً ما يُقابل بالتخوين أو التقليل من الشأن، ويُوصَم صاحبه بالمبالغة. غير أن جغرافية الواقع وصلابة الأحداث أثبتتا مراراً أن التنبؤات المبنية على قراءة استراتيجية عميقة ليست سوى مرآة لما ستؤول إليه الأمور حتماً. وما يحدث في حرب اليمن اليوم يعيد طرح الحقيقة المرة التي غابت طويلاً عن حسابات الغرف المغلقة: “إن تكلفة السلام أقل بكثير من تكلفة الحرب”، وأن رهان الاستنزاف لم يكن سوى نفق مظلم تقترب نهايته من نقطة اللاعودة.

يأتي هذا المقال التحليلي ليضع النقاط على الحروف، بعيداً عن المجاملات الدبلوماسية، متناولاً الأبعاد الاستراتيجية والعسكرية والسياسية لمأزق الصراع الراهن وتداعياته على أمن المنطقة برمته.

أولاً: سقوط أسطورة المناعة المطلقة وكسر الحاجز التقني

لطالما اعتمدت العقيدة الأمنية للدول الكبرى والإقليمية على فكرة التفوق التقني المطلق، واعتبار أن الترسانات الحديثة قادرة على توفير مظلة مانعة لكل التهديدات. بيد أن الحروب المعاصرة شهدت انقلاباً جذرياً؛ إذ كسر التطور الهائل في صناعة الصواريخ الباليستية، وصواريخ الكروز، والمسيرات (الدرونات) – التي لم تعد حكراً على القوى العظمى – كافة الحواجز التقليدية للحروب.

لقد أكدت الأحداث المتتالية أن الحوثيين، بترسانتهم وتكتيكاتهم، باتوا قادرين على الوصول إلى أي هدف استراتيجي داخل العمق السعودي، سواء تعلق الأمر بمنشآت الطاقة الحساسة، أو المطارات، أو المرافق الحيوية الأخرى. وما نراه اليوم من هجمات متكررة يثبت بوضوح أن امتلاك أحدث منظومات الدفاع الجوي، رغم أهميتها، لا يمثل ضمانة مطلقة لاعتراض كافة التهديدات في ظل هجمات مركبة ومستمرة.

وكما قيل مسبقاً، فإن هذه الحرب – حتى وإن حققت فيها السعودية أهدافاً تكتيكية – تظل خاسرة بالمجمل، لأنه لا فائدة ترجى من تدمير الجوار أو الانخراط في حرب استنزاف ضخمة تلتهم الموارد وتهدد مسار النهضة والتنمية برمتها. إن الصديق الحقيقي هو من يصدقك القول لا من يبيعك أوهام انتصارات زائفة تفضي إلى الهاوية.

ثانياً: الاقتراب من نقطة “اللاعـودة” وتعنت المسار العسكري

إن الغوص أكثر في هذا الصراع لم يكن سوى مسير حثيث نحو نقطة اللاعودة التي نقف على مشارفها اليوم. وتتجلى ألمع معالم هذا المأزق في الرفض المتواصل من قبل الحوثيين لكل صيغ التفاوض، ورفضهم للهدن التي طرحتها الرياض، فضلاً عن إعراضهم عن الوساطات الإقليمية (كوساطة عمان) وحتى التحفظات أو التباينات مع الدور الإيراني.

هذا التعنت ليس سوى انعكاس طبيعي لديناميكيات صراع طال أمده وفقدت فيه الحلول التقليدية جدولتها. فعندما تغيب الرؤية السياسية الشاملة وتطغى لغة السحْق والإخضاع، يتحول الطرف الآخر إلى كيان لا يرى في التنازل مصلحة، وتتعقد الحلول لتصبح أشبه بعقدة غوردية لا يحلها سوى جراحة استراتيجية جذرية.

ثالثاً: حتمية مبادرة الوحدة والأمن الجماعي (الحل الغائب)

لقد كانت “مبادرة الوحدة وإنهاء الصراع” التي طرحت سابقاً تمثل الحل الجذري والحقيقي، ليس فقط لحرب اليمن، بل ولمجمل أزمات المنطقة التي تنتظر انفجار ملفاتها تباعاً (وعلى رأسها الملف الإيراني). لقد كان الخطأ الاستراتيجي الفادح هو عدم تبني تلك الرؤية الشاملة، والمراهنة على خيارات عسكرية وأحصنة خاسرة.

تستند مبادرة الوحدة إلى معادلة عادلة لا ينبغي أن تزعج أحداً، وتقوم على المرتكزات التالية:

  1. الحياد التام وعدم الانحياز: الوقوف على مسافة واحدة من جميع الأطراف دون تمييز.
  2. اعتبار كل الدماء متساوية: فالدم السعودي، واليمني، والإيراني، والخليجي غالٍ ومصان، ولا يجوز تفضيل أمن طرف على حساب سحق طرف آخر وتحويل حياته إلى جحيم.
  3. الأمن الجماعي المتكامل: الانطلاق من حقيقة ترابط المصائر؛ فأمن السعودية من أمن اليمن، وأمن الخليج من أمن إيران، وأمن تركيا من أمن مصر، وهكذا. التنمية والعيش بأمان هي حقوق أصيلة وليست امتيازات لفئة دون أخرى.

إن المشاكل الإقليمية الكبرى تبدأ دائماً عندما يتعالى طرف وينظر إلى دماء خصومه على أنها بلا قيمة، بينما يرى أن أمنه هو الغاية المطلقة.

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك