متى يصبح إنشاء قناة “تيك توك” جريمة في القانون الجزائري؟
ليلى بلدي
أحدثت منصات التواصل الاجتماعي، وعلى رأسها تطبيق “تيك توك” (TikTok)، ثورة عارمة في صناعة المحتوى والتواصل الرقمي في الجزائر. وبقدر ما تتيح هذه المنصات من فضاءات للحرية والتعبير والربح المادي، بقدر ما تحولت في كثير من الأحيان إلى حقول مجهولة الألغام القانونية.
يتساءل الكثيرون: هل إنشاء قناة بحد ذاته يعد جريمة؟ الإجابة القطعية هي لا؛ فمجرد فتح حساب أو إنشاء قناة عبر المنصة هو حق مكفول تقنياً وشخصياً ولا يكتسي أي صبغة إجرامية. غير أن الجريمة لا تكمن في “الوعاء” (أي القناة)، بل في “المحتوى” وما يُبث عبرها من أفعال وسلوكيات تخالف النصوص التشريعية في قانون العقوبات الجزائري وقانون الوقاية من الجرائم المتصلة بتكنولوجيات الإعلام والاتصال (رقم 09-04).
إليك تفصيل الحالات التي يتحول فيها نشاط قناة “تيك توك” إلى جريمة يعاقب عليها القانون الجزائري بصرامة:
1. خدش الحياء العام والتحريض على الفسق والفجور
تُعد مقاطع الفيديو التي تتضمن إيحاءات خادشة، أو رقصاً استعراضياً هابطاً، أو كلاماً نابياً وبذيئاً، من أبرز الأسباب التي تُدخل صاحب القناة في طائلة المساءلة القانونية.
- المادة القانونية: تنطبق على هذه الأفعال النصوص المتعلقة بالعلانية والآداب العامة، ولا سيما المادة 333 ومادتها المكررة من قانون العقوبات، والتي تعاقب بشدة على الأفعال العلنية المخلة بالحياء أو إنتاج ونشر وتوزيع محتويات منافية للآداب العامة أو الأخلاق عبر الوسائل الإلكترونية.
- العقوبة: قد تصل عقوبات نشر محتوى مخلٍ بالحياء أو إباحي إلى الحبس لمدد متفاوتة وغرامات مالية معتبرة، وتشتد العقوبة إذا كان المحتوى موجهاً للقصر أو متاحاً للعموم بشكل يستفز الشعور العام.
2. المساس بالحياة الخاصة والتشهير والسب العلني
تتحول قناة “تيك توك” إلى أداة إجرامية فور استخدامها لتصوير أشخاص دون إذنهم، أو نشر أسرارهم، أو تداول إشاعات كاذبة بقصد الإساءة والابتزاز والتشهير.
- المبدأ القانوني: يحمي المشرع الجزائري الحياة الخاصة للأفراد وسمعتهم وكرامتهم بقوة القانون. استخدام البث المباشر (Live) أو الفيديوهات لتوجيه الشتائم، أو الافتراء على الغير، أو نشر صور وفيديوهات شخصية للآخرين يُعد جريمة مكتملة الأركان.
- العقوبة: يواجه المتسببون في ذلك عقوبات سالبة للحرية وغرامات مالية مشددة نتيجة الأضرار المعنوية والنفسية والمادية التي تلحق بالضحايا.
3. التحريض على ارتكاب الجرائم ونشر الكراهية والعنف
يقع بعض صناع المحتوى في فخ نشر محتويات تحرض بشكل مباشر أو غير مباشر على العنف، أو تمجيد الجريمة، أو الترويج للمخدرات والمؤثرات العقلية، أو التحريض على العصيان وكسر القوانين.
- المبدأ القانوني: يُعتبر الترويج للآفات الاجتماعية أو استعراض العضلات الإجرامية عبر الفيديوهات مساساً مباشراً بالأمن والنظام العام والسلم الاجتماعي، وهو ما تعامل معه القضاء الجزائري بحزم شديد عبر توقيف العديد من “التيكتوكرز” وتقديمهم للمحاكمة بتهم تكوين عصابات إجرامية، أو الترويج للسموم والمخدرات، أو التحريض على العنف.
4. المساس برموز الدولة والمؤسسات ونشر الأخبار الكاذبة
إن استغلال القنوات الرقمية لبث محتويات تستهدف رموز الدولة، أو تلفيق أخبار زائفة من شأنها ترويع الرأي العام أو الإحداث بالاستقرار والنظام العام، يضع صاحب القناة تحت طائلة قوانين مكافحة الجرائم الإلكترونية وقانون العقوبات.
- العقوبة: تتراوح العقوبات في هذه الحالة بين الحبس النافذ لفترات طويلة والغرامات المالية الباهظة نظراً لخطورة التأثير على الأمن القومي والمجتمعي.
الخلاصة والتدابير القضائية المصاحبة
لا تقتصر العقوبة في القانون الجزائري عند حدود الحبس والغرامة المالية لصاحب القناة المخالفة، بل تتعداها أحياناً إلى تدابير تكميلية صارمة تشمل:
- مصادرة الوسائط والأجهزة: حجز الهواتف، والحواسيب، ومعدات التصوير المستخدمة في ارتكاب الجريمة.
- إغلاق الحسابات والمنصات: اتخاذ إجراءات قضائية وتقنية لحجب القنوات والصفحات التي تبث محتويات إجرامية أو مخالفة للتشريعات النافذة.
باختصار، إنشاء قناة على “تيك توك” نافذة إبداعية واقتصادية مشروعة طالما التزمت بضوابط الأخلاق، واحترمت القوانين، ولم تحوِ أفعالاً تخدش الحياء أو تنتهك حريات الآخرين وأمن المجتمع. أما حين تتحول القناة إلى منصة للابتزاز، أو الإباحية، أو الجريمة، فإن القانون الجزائري بالمرصاد لكل تجاوز.



إرسال التعليق