التحول التكتيكي الصاروخي لكوريا الشمالية: دلالات إطلاق “هواسونغ-11″ و”هواسونغ-12” من الشواطئ

اللواء المتقاعد عبد الباقي جبير

في عالم التسلح والعقيدة العسكرية، لا تقتصر قوة الدول على حجم ترسانتها أو مداها التدميري فحسب، بل تُقاس بالقدرة على الابتكار التكتيكي وإرباك الخصوم. وفي هذا السياق، لفت انتباه المراقبين العسكريين التغيير الملحوظ الذي اعتمدته كوريا الشمالية في آخر تجربتين صاروخيتين لـ (Hwasong-11MA) و(Hwasong-12)، حيث تخلت عن منصات الإطلاق الثابتة التقليدية، لتعتمد على منصات إطلاق متحركة من على شواطئ البحر مباشرة بدلاً من الأعماق الداخلية للأراضي.

هذا التحول ليس مجرد تفصيل تقني عابر، بل هو رسالة استراتيجية بالغة الدقة والخطورة، تعيد صياغة معادلة الردع في شبه الجزيرة الكورية وما حولها.

1. إرباك منظومات الرصد والاستطلاع (العمى الاستراتيجي المؤقت)

إن الاعتماد على المنصات الثابتة يجعل من السهل نسبياً على الأقمار الصناعية الأمريكية والكورية الجنوبية ومحطات الرادار المتقدمة رصد التحضيرات المسبقة وتحديد مواقع الإطلاق بدقة، مما يمنح الخصم فرصة للإنذار المبكر أو حتى توجيه ضربة استباقية.

أما الإطلاق المتحرك ومن الشواطئ، فيقضي على هذه الميزة. فالمنصات المتحركة تمنح بيونغ يانغ مرونة فائقة في الاختفاء، والمناورة، والتجهيز السريع في أماكن غير متوقعة، ثم الانسحاب الفوري. هذا التكتيك يضع غرف العمليات الأمريكية والكورية الجنوبية أمام “عمى مؤقت”، ويجعل التنبؤ بمكان الزمان والتوقيت ضرباً من المستحيل العسكري.

2. رسالة الردع السياسية: “نستطيع الضربة من أي مكان”

إلى جانب البعد التكتيكي البحت، يحمل اختيار الشواطئ كمنصات للإطلاق رسالة سياسية وردعية مكشوفة وموجهة للخصوم الإقليميين والدوليين، مفادها: “لم يعد هناك مكان آمن، ونستطيع استخدام ترسانتنا الصاروخية من أي نقطة جغرافية، حتى من على شواطئنا المفتوحة”. هذه الجرأة الميدانية تعكس ثقة متزايدة في القدرات الذاتية، وتؤكد أن كوريا الشمالية قادرة على تجاوز خطوط التماس والدفاعات الجوية التقليدية للعدو، مانحة قيادتها هامش مناورة سياسي أوسع في وجه الضغوط والعقوبات.

3. التهديد المباشر للقطع البحرية والمدمرات وحاملات الطائرات

يمثل الإطلاق من الشواطئ، لا سيما للصواريخ الباليستية المتقدمة وتلك المتطورة ذات السرعات الفائقة (الفرط صوتية – Hypersonic)، تهديداً كابوسياً للقطع البحرية المعادية، كالمدمرات العملاقة وحاملات الطائرات المتمركزة في المياه الإقليمية أو المجاورة.

  • عنصر السرعة والمباغتة: الصواريخ الفرط صوتية (مثل تلك المدمجة في عائلة هواسونغ) تقطع مسافات هائلة بسرعة تتجاوز خمسة أضعاف سرعة الصوت، مما يعني أن إطلاقها من الشاطئ يقلل بشكل كبير من المسافة الزمنية والمسار الراداري بين نقطة الانطلاق والهدف البحري المتحرك.
  • عجز أنظمة الاعتراض: الحاملات والمدمرات، رغم امتلاكها أنظمة دفاع جوي متطورة (مثل إيجيس)، تجد صعوبة بالغة في اعتراض صواريخ فرط صوتية تُطلق من مسافات قريبة نسبياً ومن سواحل مفتوحة، نظراً لقصر وقت الإنذار والمسار غير التقليدي لهذه الصواريخ.

إن التكتيكات الأخيرة التي أظهرتها كوريا الشمالية في تجاربهما الصاروخية لـ (Hwasong-11MA) و(Hwasong-12) تثبت أن المؤسسة العسكرية الكورية الشمالية تتعلم بسرعة وتتكيف بفعالية مع التطور التكنولوجي لخصومها. فمن خلال دمج المنصات المتحركة مع الشواطئ كمواقع إطلاق، ومن ثم استهداف التفوق البحري للعدو بالصواريخ الفرط صوتية، تثبت بيونغ يانغ أنها قدانتقلت من مرحلة “الدفاع الصاروخي” إلى مرحلة “فرض قواعد اللعبة البحرية والبرية” في أي مواجهة محتملة.

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك