لماذا لم يكن طوفان الأقصى خطأً ولا كارثة؟
بقلم: توفيق حسون
منذ اللحظة الأولى التي انطلقت فيها طوفان الأحداث الكبرى في السابع من أكتوبر، انقسم العالم، وخصوصاً بعض الدوائر المنهزمة في منطقتنا العربية، بين فسطاطين: فسطاط يرى أن ما حدث كان زلزَالاً تاريخياً مجيداً أعاد الحق لأصحابه، وفسطاط آخر ارتجف رعباً من هول الثمن، فسارع إلى إطلاق جوقة النحيب والبكاء على اللبن المسكوب، مردداً الأسطوانة المشروخة ذاتها: “لقد كانت مغامرة غير محسوبة.. وخطأً استراتيجياً كارثياً جلب الدمار!”.
وهنا تحديداً، يبرز الواجب الوطني والفكري لإنزال الأشياء منازلها، وتعرية هذا الخطاب الانهزامي الذي يقيس عمر الأمم بمنطق الدكاكين وحسابات الربح والخسارة اللحظية. إن القول بأن “طوفان الأقصى كان خطأ” هو قمة العماقة السياسية والتاريخية، بل هو محاولة بائسة لتبرير حالة الخنوع المستبدة بعقول من اعتادوا العيش تحت بساط القهر والنسيان.
أولاً: وهم “الاستقرار الميت”.. البديل الذي أرادوه لغزة
حين يتباكى أصحاب العقل الاستهلاكي على حجم الدمار الهائل والضحايا، فإنهم يتناسون عمداً الحقيقة الكبرى التي أفرزت هذا الانفجار:
- لم تكن غزة قبل أكتوبر تعيش في بحبوحة رخاء وديمقراطية، بل كانت تأن تحت أثقل حصار بري وبحري وجوي عرفه التاريخ الحديث، في سجن كبير تُسرق فيه الحياة قطرة قطرة، وتُموت الطفولة ببطء متعمد وسط صمت عالمي مطبق وتواطؤ إقليمي معتاد.
- كان المخطط المرسوم لغزة وللقضية الفلسطينية برمتها هو “الموت الصامت”؛ التصفية البطيئة، ونسيان اللاجئين، وتهويد الضفة والقدس دون أن يشعر العالم بصوت أو ضجيج. إذن، البديل الذي كان يديره “العقل الانهزامي” هو الاستسلام الذليل لواقع الإبادة البطيئة. فهل يكون كسر القيد خطأً؟! إن الانفجار في وجه السجان ليس كارثة، بل هو النطق الوحيد المتبقي لحياة ترفض الفناء المجاني.
ثانياً: إعادة كتابة ميزان الردع وسقوط وهم القوة المطلقة
أما الذين يزعمون أن الطوفان جلب الخراب وحدهم، فهم يعانون من قصر نظر مريع في قراءة حركة التاريخ العسكري:
- الحركات التحررية الكبرى لا تقيس انتصاراتها بعدد الأمتار المقتطعة في اليوم الأول، بل بقدرتها على هدم أساطير الخصم وتحطيم بنيته النفسية والاستراتيجية. لقد أثبت الطوفان أن أعتى ترسانات التكنولوجيا والغطرسة الاستخباراتية الإسرائيلية يمكن أن تتهاوى في ساعات معدودات أمام إرادة المؤمنين بعدالة قضيتهم.
- لقد نقل طوفان الأقصى الكيان الغاصب من مرحلة “الاستعلاء والردع الإقليمي” إلى حالة “الاستنزاف الوجودي المفتوح”؛ حيث بات المستوطن الإسرائيلي يعيش هاجس الهجرة والزوال، وانهارت نظرية الأمن المطلق التي قامت عليها الصهيونية منذ نشأتها. فكيف يُسمى هذا الإنجاز الاستراتيجي الهائل “خطأً”؟!
ثالثاً: إيقاظ الضمير العالمي وفضح السردية المزيفة
لم يقتصر زلزال الطوفان على جغرافيا الميدان، بل امتد ليعيد هندسة الوعي الإنساني على كوكب الأرض:
- لعقود طويلة، نجحت آلة الدعاية الصهيونية والغربية في غسل أدمغة شعوب العالم بقصة “الضحية الأبدية”. لكن الطوفان أجبر العالم على رؤية الحقيقة العارية، وأخرج الملايين من طلاب الجامعات والشعوب الحرة في عواصم الغرب إلى الشوارع ليهتفوا بسقوط الاحتلال.
- إن هذا الانقلاب الأخلاقي العالمي غير المسبوق هو الثمرة المباشرة لتلك الشجاعة التاريخية في اتخاذ قرار المواجهة. لولا الطوفان، لبقيت القضية الفلسطينية ملفاً مهجوراً في أدراج الأمم المتحدة؛ بفضل الدم الصادق والصمود الأسطوري، عادت القضية لتتصدر ضمير البشرية جمعاء.
إن الذين يكررون مقولة “طوفان الأقصى كان كارثة” يشبهون تماماً أولئك العبيد الذين غضبوا على من حطم قيودهم لأن صوت الحديد أيقظهم من نومهم العميق! التاريخ لا يصنعه المترددون ولا تجار الأزمات، بل يصنعه الرجال الأحرار الذين يمتلكون جرأة اقتحام المستحيل وتغيير مسار الأقدار. لم يكن الطوفان خطأً أبداً، بل كان الخلاص الوحيد من موت محتوم، والزلزال الذي وضع بداية النهاية لأعظم أسطورة باطلة في العصر الحديث!



إرسال التعليق