يا لثارات غزة.. يالثارات غزة

جميل مرتضى

حين تتخطى المأساة حدود الوصف، وتنكسر أقلام البلاغة أمام هول ما تراه العيون، لا يبقى في جعبة الروح سوى نداء واحد يتردد كالرعد في ضمير التاريخ البشري: يا لثارات غزة!

ليست هذه الصرخة مجرد استجارة عاطفية عابرة يطلقها قلب موجوع في ليل بهيم، بل هي الهزت الكبرى، والنداء الأزلّي الذي يخرج من تحت الأنقاض والركام ليقض مضاجع العالم المتواطئ، وليعلن بوضوح تام أن دماء الأطفال والنساء والرجال الذين صمدوا في وجه آلة الفناء الإسرائيلية لن تذهب هباء، ولن تُطوى في سجلات النسيان.

أولاً: غزة الجرح الذي أضاء عتمة العالم

طوال شهور وسنوات من الحصار والدمار الممنهج، ظن الطغاة أن بإمكانهم طمس هوية قطاع صغير جغرافياً وعظيم بحجمه الروحي والإنساني.

  • حشدوا أعتى ترسانات الأرض، وألقوا حممهم البركانية ليل نهار على بيوت مدنية آمنة، متخيلين أن صرخات المكلومين ستتلاشى في مهب الريح، وأن الصمت العالمي سيكون غطاءً كافياً لستر جريمتهم الكبرى.
  • لكن غزة فعلت ما عجزت عنه جيوش وأمم؛ لقد تحولت إلى أيقونة عالمية للكرامة، وفضحت بصلابتها الخارقة كل أقنعة الحضارة المزيفة التي تساقطت واحدة تلو الأخرى أمام هول المذبحة على الهواء مباشرة.

ثانياً: معنى “الثار”.. حين لا تسقط الحقوق بالتقادم

حين نرفع شعار “يا لثارات غزة”، فإننا لا نُعنى بذلك ذلك الانتقام العشوائي الأعمى الذي أدمنه الجناة، بل نعني العدالة المطلقة التي لا تسقط بالتقادم:

  • الثار هنا هو حراسة الذاكرة من التزييف، هو التعهد المقدس بأن كل طفل استُشهد، وكل أم سارت على أطراف أصابعها تبحث عن حطام منزلها، وكل حجر سُمحق تحت الدبابات، ستتم محاسبة مرتكبيه عاجلاً أو آجلاً.
  • الثار هو أن نرفض كل محاولات التطبيع والتخدير السياسي التي تريد للمجرم أن ينجو بفعله، وأن يبقى الدم الفلسطيني طليقاً بلا حقوق. إنها صرخة العدالة الإلهية والأرضية معاً في وجه عالم يحمي الجلاد ويحاصر الضحية.

ثالثاً: الصحوة المؤجلة في وجه الإمبراطوريات المتهالكة

لقد أيقظت غزة في وجدان أحرار العالم، من أقصى الأرض إلى أدناها، روح المقاومة الحية:

  • لم يعد ممكناً بعد اليوم أن تُمرر الأكاذيب الصهيونية والغربية بذات السهولة؛ فقد خرج ملايين الشباب في عواصم الغرب وكبريات جامعاته ليهتفوا باسم غزة، مدركين أن معركة غزة هي معركة الإنسانية جمعاء ضد شريعة الغاب والتوحش الإمبريالي.
  • إن صرخات “يا لثارات غزة” هي اللعنة التي تلاحق الكيان الغاصب في كل محفل، وهي الرعب الدائم الذي يسكن عقول قادته وهم يدركون أن التاريخ لا ينسى، وأن الدماء الطاهرة تبني جدران حصن لا يمكن اختراقه أو هدمه.

ستبقى غزة الحكاية الأبقى في تاريخ صراع الحق والباطل. وحين تنقشع غبار المعارك وتنجلي الحقيقة كاملة، سيقف العالم ليقرأ في كتاب التاريخ بحروف من نور أسطورة الصمود الغزي. وحتى ذلك الحين، سيظل النداء يتردد بلا توقف في حناجر الأحرار: يا لثارات غزة.. حتى ترتفع راية العدالة فوق أطلال الدموع والدم!

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك