لن ننسى ولن نسامح يا صهاينة

اللواء متقاعد عبد الباقي جبير

بعد أوزار الحرب العالمية الثانية، وحين انقشعت سحب الدخان الكثيفة عن معسكرات الاعتقال النازية، وظهرت هول الفظائع التي ارتكبها الرايخ الثالث بحق البشرية، رفعت الحركة الصهيونية شعارها الأشهر والمقدس في الوجدان الإسرائيلي والغربي: “لن ننسى.. ولن نسامح” (Never Forget, Never Forgive).

استُخدم هذا الشعار لعقود طويلة كأداة أخلاقية وسياسية لتعقب من تبقى من مجرمي الحرب النازيين في أصقاع الأرض، وتذكير العالم بأسره بأن دماء الضحايا لا تسقط بالتقادم، وأن الجرائم الكبرى ضد الإنسانية لا تُنسى ولا تُغفر.

لكن التاريخ، بسخريته المرة وعدالته المطلقة، يمتلك عادة غريبة في إعادة تدوير الأقدار؛ فبعد عقود من المتاجر بهذا الشعار، تحول الكيان الذي رفعه إلى النسخة الأكثر دموية وفظاعة ممن كان يحاربهم. واليوم، نقف نحن، شعوب الأرض الحرة وأصحاب الدم المسفوح في فلسطين وكل بقعة مستباحة، لنرفع الشعار ذاته في وجه القتاة: لن ننسى، ولن نسامح!

أولاً: من ضحية تطلب العدالة إلى جلاد يفوق الجلاد

إن أفظع ما أنتجته العقيدة الصهيونية هو استثمارها البشع لآلام الماضي من أجل شرعنة آلام الحاضر للآخرين:

  • استخدموا شعار “لن ننسى ولن نسامح” حصانةً أبدية تمنع أي نقاش أو مساءلة لجرائمهم، وكأن مظلومية التاريخ تمنحهم صكاً مفتوحاً لارتكاب الإبادة والتطهير العرقي بحق أصحاب الأرض الأصليين.
  • لقد شاهد العالم بأسره أطفال غزة وهم يُنتشلون من تحت ركام المدارس والمستشفيات، ومشاهد التجويع المتعمد، والتهجير القسري، وقتل الطفولة بدم بارد على يد جيش يرتدي ثوب الضحية ويمارس أبشع أشكال الفاشية الحديثة. لم يعد النازيون يحتاجون للبحث عن أحفاد لهم في أرشيف التاريخ؛ فقد تجسدوا بكامل قسوتهم في ممارسات المؤسسة العسكرية الإسرائيلية.

ثانياً: لماذا لن ننسى؟ (حراسة الذاكرة في وجه التزييف)

النسيان هو الخيانة الكبرى للدم؛ وهو الهدف الذي تسعى إليه دوائر الدعاية العالمية التي تريد للمجازر أن تمر كـ “أخبار عابرة” في نشرات البرامج الإخبارية:

  • لن ننسى أسماء الأطفال الذين غادروا الحياة قبل أن يكتبوا حروفهم الأولى.
  • لن ننسى أنقاض المدن التي تحولت إلى مقابر جماعية تحت سمع وبصر العالم المتحضر.
  • لن ننسى أولئك الذين صمتوا، وتواطؤوا، وغطّوا ببياناتهم الدبلوماسية البائسة على آلة القتل والدمار. الذاكرة هنا ليست رغبة في الانتقام الأعمى، بل هي أمانة تاريخية لحراسة الحقيقة من أن تُزورها دفاتر المنتصرين المؤقتين.

ثالثاً: ولن نسامح.. سقوط صكوك الغفران الأخلاقي

أما عبارة “ولن نسامح”، فهي الإعلان الأبرز عن سقوط الأقنعة ورفض كل محاولات غسل الوجوه الملطخة بالدماء:

  • لن نسامح من أعطى الغطاء السياسي، ومن أرسل شحنات السلاح، ومن برر الجريمة تحت عنوان “حق الدفاع عن النفس”.
  • لا صكوك غفران تمنحها الشعوب الحرة لمن استباحوا دماء أبنائها. فالعدالة الإنسانية والتاريخية تقتضي أن يبقى الجناة تحت مجهر المساءلة، وأن يلاحق عار هذه الجرائم مرتكبيها ومؤيديهم إلى الأبد. التاريخ لا يغفر، وضمير الإنسانية، وإن غطاه غبار الخذلان، سيعود ليطالب بالقصاص.

حين رفعوا شعار “لن ننسى ولن نسامح”، أرادوا أن يكون درعاً لهم، فإذا بالزمن يدور ليصبح هذا الشعار ذاته هو المقصلة الأخلاقية التي تحاصر سرديتهم الكاذبة. إن الدماء الطاهرة التي تُسفك اليوم لن تذهب هباءً، والذاكرة الإنسانية أصلب من أن تمحوها دبابات القهر. سنذكر كل تفصيل، ولن نسامح أبداً؛ لأن العدالة تبدأ حين يرفض الأحرار أن ينسوا!

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك